نشرت شركة «فيزيكال إنتليجنس»، وهي شركة متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي وتتخذ من مدينة سان فرانسيسكو مقرا لها، بحثا علميا جديدا يوضح تفاصيل نموذج ذكاء اصطناعي ثوري. هذا النموذج قادر على توجيه الأجهزة الآلية لأداء مهام معقدة لم يتم تدريبها عليها بشكل صريح أو مباشر في السابق. وتعتبر هذه القدرة المتقدمة خطوة هائلة أثارت دهشة الباحثين العاملين في الشركة أنفسهم، حيث تفتح آفاقا غير مسبوقة في كيفية تفاعل الآلات مع البيئة المحيطة بها وفهمها للمتغيرات الفيزيائية.
مفهوم التعميم التركيبي وإعادة توظيف المهارات
يستعرض النموذج الجديد، الذي أُطلق عليه اسم «π0.7»، ما يُعرف في الأوساط التقنية باسم «التعميم التركيبي». وتتمثل هذه القدرة في إمكانية دمج مجموعة من المهارات الحركية التي تعلمها الروبوت في سياقات منفصلة ومختلفة تماما، واستخدامها لحل مشكلات جديدة كليا على أرض الواقع. وتصف الشركة هذه النتائج بأنها علامات مبكرة على تحول جذري وشامل في طرق تعلم الآلات، وهو تحول قد يحاكي في سرعته ونطاقه المكاسب الهائلة التي شهدناها مؤخرا في قدرات النماذج اللغوية الكبيرة.
وبدلا من الاعتماد على العملية الشاقة التي تتطلب جمع بيانات هائلة لكل مهمة جديدة على حدة، يتعامل نموذج «π0.7» مع المهارات الحركية وكأنها مفردات لغوية يمكن إعادة دمجها وتشكيلها في الوقت الفعلي لتكوين جمل مفيدة. وفي أحد الاختبارات المعملية المذهلة، نجح النموذج في تشغيل مقلاة هوائية لم يسبق له التعامل معها تقريبا خلال فترة التدريب، معتمدا في ذلك على استدعاء مهارات معالجة وتلاعب يدوية ذات صلة كان قد تعلمها في سياقات وتجارب سابقة.
تجاوز حدود الأجهزة والبيانات المفقودة
لم تتوقف إنجازات النموذج عند هذا الحد، ففي اختبار آخر أكثر تعقيدا، تمكن النموذج من التحكم في روبوت صناعي متطور ثنائي الأذرع لطي الملابس. المثير للدهشة هنا هو أن النموذج لم يمتلك أي بيانات تدريبية مسبقة لهذه المهمة بالتحديد على هذا النوع من الأجهزة، ومع ذلك فقد تمكن من مطابقة معدلات النجاح التي يحققها الخبراء البشريون عند محاولتهم أداء نفس المهمة للمرة الأولى باستخدام نظام التحكم عن بعد. هذا الإنجاز يبرز القدرة الاستثنائية على التعلم السريع والتكيف مع الأجهزة المختلفة دون الحاجة إلى إعادة البرمجة المستمرة.
إطار عمل التلقين متعدد الوسائط
تشير فرق البحث إلى أن المفتاح السحري لإطلاق العنان لهذه القدرات يكمن في إطار عمل مبتكر يعتمد على التلقين متعدد الوسائط. فبدلا من الاعتماد على الأوامر النصية البسيطة والتقليدية، يتلقى النموذج توجيهات لغوية تفصيلية خطوة بخطوة، إلى جانب أهداف فرعية مرئية يتم إنشاؤها عبر نماذج بصرية متقدمة.
علاوة على ذلك، يتم تزويد النموذج ببيانات وصفية استراتيجية ترشده حول ما إذا كان يجب إعطاء الأولوية لعنصر السرعة أم لعنصر الدقة أثناء تنفيذ المهمة المطلوبة. هذا المزيج المعقد من المدخلات يسمح للنظام بفهم السياق العام للمهمة واتخاذ قرارات ذكية في أجزاء من الثانية.
نقطة التحول في مسار الذكاء الاصطناعي
وقد وصف سيرجي ليفين، وهو أستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وأحد مؤسسي الشركة، نقطة التحول التاريخية هذه قائلا: «بمجرد أن يتجاوز النموذج تلك العتبة الحرجة التي ينتقل فيها من مجرد تنفيذ الأشياء التي جمعت بيانات دقيقة عنها، إلى مرحلة إعادة دمج الأشياء في طرق مبتكرة وجديدة كليا، فإن القدرات التشغيلية تبدأ في الارتفاع بمعدلات تتجاوز النمو الخطي مقارنة بحجم البيانات المتاحة». هذا التصريح يؤكد على أننا نقف على أعتاب عصر جديد تتعلم فيه الآلات بطريقة تشبه التفكير الاستنتاجي.
التفوق على النماذج المتخصصة
أظهرت المعايير الاختبارية أن نموذج «π0.7» الشامل والمتعدد الاستخدامات قد تمكن من مطابقة أو حتى تجاوز أداء النماذج السابقة المتخصصة في مهام محددة والتي طورتها الشركة مسبقا. وقد تجلى هذا التفوق في أنشطة معقدة مثل إعداد القهوة، وطي الملابس بدقة، وتجميع الصناديق الكرتونية. ورغم هذه النتائج المبهرة، تحرص الشركة على توخي الحذر في ادعاءاتها، مفضلة وصف هذه الإنجازات بأنها مجرد عروض توضيحية أولية تسلط الضوء على الإمكانيات المستقبلية، وليست منتجا نهائيا جاهزا للنشر التجاري الفوري.
قفزة صاروخية في التقييم المالي
يأتي نشر هذا البحث العلمي المتقدم بعد أسابيع قليلة من تقارير اقتصادية أفادت بأن شركة «فيزيكال إنتليجنس» تجري مناقشات متقدمة لجمع تمويل جديد تبلغ قيمته حوالي 1 مليار دولار، وهو ما قد يرفع تقييم الشركة الإجمالي إلى ما يزيد عن 11 مليار دولار.
ويمثل هذا التقييم الجديد، في حال إتمامه، تضاعفا تقريبا للتقييم السابق الذي بلغ 5.6 مليار دولار عقب جولة تمويلية بقيمة 600 مليون دولار أُجريت قبل أشهر قليلة فقط. ومن المتوقع أن يشارك في هذه الجولة الاستثمارية الضخمة صندوق الاستثمار التابع للمستثمر البارز بيتر ثيل، إلى جانب شركاء رأس المال المخاطر وعدد من الداعمين الماليين السابقين. ورغم الزخم الكبير الذي تحظى به الشركة بفضل ابتكاراتها الرائدة، لا تزال صفقة التمويل قيد المناقشات في مراحلها المبكرة.
الأسئلة الشائعة
ما هو نموذج π0.7 الذي طورته شركة فيزيكال إنتليجنس؟
هو نموذج ذكاء اصطناعي متقدم صُمم لتوجيه الأجهزة الآلية لأداء مهام معقدة ومختلفة لم تتدرب عليها بشكل مباشر، حيث يعتمد على مفهوم التعميم التركيبي لدمج المهارات السابقة في حل مشكلات جديدة كلياً.
كيف تتمكن الروبوتات الذكية من أداء مهام جديدة دون تدريب مسبق؟
يعتمد النموذج على إطار عمل تلقين متعدد الوسائط؛ إذ يتلقى النظام توجيهات لغوية تفصيلية، وأهدافاً فرعية مرئية، بالإضافة إلى استراتيجيات توجيهية تحدد أولويات السرعة أو الدقة، مما يتيح له التكيف الفوري مع المهام غير المألوفة.
ما هو التقييم المالي المتوقع للشركة حالياً؟
تجري الشركة مناقشات متقدمة لجمع تمويل جديد بقيمة 1 مليار دولار، مما قد يرفع تقييمها الإجمالي إلى أكثر من 11 مليار دولار، وهو ما يمثل ضعف تقييمها المالي السابق تقريباً.