يعمل مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض حاليا على وضع بروتوكولات أمنية صارمة للسماح للوكالات الفيدرالية الكبرى بالبدء في استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد «كلود ميثوس» الذي طورته شركة «أنثروبيك». وقد أثار هذا النموذج المتطور قلق خبراء الأمن السيبراني والجهات التنظيمية المالية على جانبي المحيط الأطلسي منذ إصداره المحدود في وقت سابق من هذا الشهر. ووفقا لمذكرة داخلية، أبلغ رئيس قسم المعلومات الفيدرالي غريغوري بارباتشيا الإدارات الحكومية بهذه الخطة، مما يمهد الطريق لتبني تقنيات غير مسبوقة في العمل الحكومي ومجال الحماية الإلكترونية.
تأتي هذه الخطوة الجريئة في الوقت الذي يتصارع فيه المسؤولون الحكوميون مع إمكانات النموذج الهائلة التي قد تؤدي إلى زيادة كبيرة في مخاطر الأمن السيبراني. ويحدث هذا التوجه الحكومي على الرغم من الصدام القانوني والسياسي المستمر بين إدارة ترامب وشركة «أنثروبيك» بشأن استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة. وتبرز هذه التطورات الأهمية الاستراتيجية التي باتت تلعبها نماذج الذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل الأمن القومي للولايات المتحدة والعالم.
نموذج ذكاء اصطناعي خطير لا يمكن طرحه للجمهور
أعلنت شركة «أنثروبيك» عن نموذجها المتقدم في 7 أبريل، حيث قيدت الوصول إليه واقتصرت استخدامه على حوالي 40 منظمة شريكة ضمن مبادرة أطلقت عليها اسم «مشروع غلاسوينغ». وقد كشفت الشركة عن تفاصيل مذهلة خلال مرحلة الاختبار الداخلي، حيث قام مهندسون لا يمتلكون أي تدريب رسمي في مجال الأمن السيبراني بتوجيه النموذج للبحث عن ثغرات في البرمجيات خلال الليل. وفي الصباح، اكتشفوا أن النموذج لم يكتفِ بالعثور على تلك الثغرات فحسب، بل قدم لهم أيضا طريقة كاملة وعملية لاستغلالها بنجاح، وذلك وفقا لتحليل أجرته مؤسسة «سوليفان آند كرومويل».
وأوضحت شركة «أنثروبيك» أن نموذج «كلود ميثوس» تمكن بالفعل من تحديد آلاف الثغرات الأمنية الخطيرة وغير المعروفة سابقا عبر أنظمة التشغيل الرئيسية ومتصفحات الويب المختلفة. وما يثير القلق هو أن أقل من 1 بالمائة من هذه الثغرات قد تم ترقيعه أو إصلاحه من قبل الشركات المطورة. وبناء على هذه النتائج الخطيرة، صرحت الشركة بأنها لا تخطط مطلقا لجعل هذا النموذج متاحا للجمهور العام في أي وقت قريب.
من جانبه، أكد جاك كلارك، المؤسس المشارك للشركة، خلال قمة سيمافور للاقتصاد العالمي، أن «أنثروبيك» قامت بإطلاع إدارة ترامب على قدرات نموذجها الجديد على الرغم من التوترات القائمة بين الطرفين. وقال كلارك في تصريحاته: «يجب على الحكومة أن تكون على دراية تامة بهذه التطورات التقنية الحساسة»، مشددا على ضرورة التعاون لمواجهة التحديات التكنولوجية المتقدمة.
حالة استنفار قصوى في واشنطن ووول ستريت
في سياق متصل، عقد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول اجتماعا عاجلا مع رؤساء تنفيذيين من كبرى البنوك الأمريكية في 7 أبريل في العاصمة واشنطن. وهدف الاجتماع إلى تحذير القيادات المصرفية من التداعيات الخطيرة لهذا النموذج الجديد. ومنذ ذلك الحين، بدأت بنوك عملاقة مثل «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس» و«سيتي غروب» و«بنك أوف أمريكا» في إجراء اختبارات داخلية مكثفة للنموذج لتقييم مدى تأثيره المحتمل على أنظمتها الحساسة.
وعلى صعيد حكومي موازٍ، بدأ سام كوركوس، رئيس قسم المعلومات في وزارة الخزانة، في السعي للحصول على وصول مباشر إلى التكنولوجيا الجديدة، وذلك بهدف تمكين الفريق التكنولوجي بالوزارة من البحث عن أي ثغرات أمنية محتملة في أنظمتها الخاصة وتأمينها بشكل استباقي. وأشارت التقارير إلى أن وكالتين فيدراليتين أخريين على الأقل، بالإضافة إلى ثلاث لجان في الكونغرس، قد تواصلت مع الشركة لاختبار النموذج واستكشاف قدراته الدفاعية والهجومية.
الهيئات التنظيمية الأوروبية تنضم إلى جهود الاستجابة
لم تقتصر المخاوف على الولايات المتحدة وحدها، بل امتدت لتشمل القارة الأوروبية وصناع القرار فيها. فقد بدأ البنك المركزي الأوروبي في ترتيب مكالمة طارئة مع كبار مسؤولي المخاطر في البنوك المُقرضة بمنطقة اليورو لتقييم التهديدات السيبرانية. ويعمل البنك المركزي الأوروبي حاليا على جمع معلومات دقيقة حول قدرة النموذج على استغلال نقاط الضعف في الأنظمة المالية، حيث يسعى المشرفون إلى فهم تداعياته الخطيرة على التكنولوجيا المصرفية القديمة التي لا تزال مستخدمة على نطاق واسع في أوروبا.
وأفادت تقارير بأن المشرفين في البنك المركزي الأوروبي يرون أن هذا النموذج المتقدم يفرض تحديات غير مسبوقة على الصناعة المصرفية بأكملها، وهي التحديات ذاتها التي أثارت قلقا واسعا بين الهيئات التنظيمية في بريطانيا والولايات المتحدة. وتخشى السلطات المالية من أن اختراق الأنظمة المصرفية القديمة قد يؤدي إلى شلل كامل في العمليات المالية العالمية المتشابكة.
سلاح ذو حدين في عالم الأمن السيبراني
تسلط هذه الاستجابة التنظيمية السريعة والعابرة للحدود الضوء على توتر مركزي يحيط بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. فالقدرات الفائقة التي تجعل من نموذج «كلود ميثوس» أداة دفاعية قوية وفعالة لاكتشاف عيوب البرمجيات وإصلاحها، هي ذاتها التي تجعله سلاحا فتاكا ومدمرا إذا وقع في الأيدي الخطأ. إن قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة اكتشاف الثغرات وتوليد أكواد استغلالها بشكل فوري تغير من قواعد اللعبة في الحرب السيبرانية، مما يحتم على الحكومات والمؤسسات المالية إعادة التفكير بشكل جذري في استراتيجياتها الأمنية.
ويطرح ظهور هذا النموذج تساؤلات عميقة حول مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. فبينما تسعى الدول إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية للبقاء في صدارة السباق العالمي، تبرز الحاجة الماسة إلى صياغة معاهدات دولية تحدد أطر استخدام هذه النماذج فائقة الذكاء. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير أدوات الحماية، بل في ضمان التزام الشركات التكنولوجية الكبرى بمعايير أخلاقية وأمنية صارمة تمنع تسرب هذه القدرات إلى جهات معادية قد تستغلها لضرب البنية التحتية الحيوية.
الأسئلة الشائعة
ما هو نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد من أنثروبيك؟
هو نموذج متقدم للغاية يمتلك قدرات فائقة ومستقلة على اكتشاف الثغرات الأمنية في البرمجيات وأنظمة التشغيل، وتوليد طرق عملية لاستغلالها دون الحاجة إلى توجيه من خبراء أمنيين.
لماذا يثير هذا النموذج قلق الحكومات والبنوك العالمية؟
لأنه قادر على تحديد آلاف الثغرات الخطيرة غير المعروفة في الأنظمة المالية ومتصفحات الويب، مما يجعله سلاحا إلكترونيا مدمرا إذا وقع في الأيدي الخطأ، خاصة وأنه يشكل تهديدا مباشرا للأنظمة المصرفية القديمة غير المحدثة.
هل سيكون هذا النموذج متاحا للاستخدام العام؟
لا، أكدت الشركة المطورة أنها لا تخطط لجعل النموذج متاحا للجمهور العام نظرا لخطورته الفائقة، وقد قصرت استخدامه حاليا على عدد محدود من المنظمات والوكالات الحكومية الشريكة ضمن بيئة اختبار خاضعة للرقابة الصارمة.