في ظل التسارع غير المسبوق نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تبرز تحديات ضخمة ومعقدة تتعلق باستهلاك الطاقة. وفي خطوة رائدة لمواجهة هذا التحدي المتصاعد، وقعت شركة «ميتا» اتفاقية استراتيجية مع الشركة الناشئة «أوفر فيو إنرجي» لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة. وتعتمد هذه الاتفاقية على تكنولوجيا مستقبلية ومبتكرة تتمثل في نقل الطاقة الشمسية الفضائية مباشرة إلى مراكز البيانات الخاصة بالشركة الأم لفيسبوك، وذلك بحلول نهاية العقد الحالي. وتعد هذه الخطوة نقلة نوعية في كيفية تفكير عمالقة التكنولوجيا في تلبية احتياجاتهم المتزايدة من الكهرباء دون الإضرار بالبيئة أو الضغط الإضافي على الشبكات المحلية.
تفاصيل الاتفاقية الطموحة وتقنية «أوفر فيو إنرجي»
تعمل شركة «أوفر فيو إنرجي» على تطوير نظام متقدم وقادر على جمع أشعة الشمس في الفضاء الخارجي، حيث لا توجد غيوم أو تقلبات جوية أو غياب لضوء الشمس، ومن ثم توجيه هذه الطاقة وبثها إلى مرافق مخصصة على الأرض. ويهدف هذا النظام المتطور إلى توليد طاقة نظيفة ومستدامة على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، مما يحل واحدة من أكبر التحديات التي تواجه مشاريع الطاقة المتجددة التقليدية وهي الانقطاع وعدم الاستقرار. وبحسب ما أعلنته الشركتان في بيان مشترك، فإنه من المتوقع أن يتم إطلاق العرض التوضيحي الأولي لهذا النظام في المدار بحلول عام 2028، على أن يبدأ التسليم التجاري للطاقة بحلول عام 2030.
وقد منحت هذه الاتفاقية شركة «ميتا» وصولا مبكرا وحصريا لما يصل إلى 1 جيجاوات من القدرة الإنتاجية الإجمالية لنظام «أوفر فيو إنرجي». ورغم الأهمية الاستراتيجية الكبرى لهذه الصفقة في سوق التكنولوجيا المتقدمة، لم يتم الكشف عن الشروط أو التفاصيل المالية التي بنيت عليها. ولكن من المؤكد أن هذا الاستثمار الاستراتيجي يعكس التزام الشركة بالبحث عن حلول جذرية تضمن استمرارية عمل خوادمها العملاقة بسلاسة.
تعتمد فكرة الطاقة الشمسية الفضائية على إطلاق ألواح شمسية ضخمة إلى الفضاء الخارجي بواسطة صواريخ متطورة، حيث يتم تجميع هذه الألواح في مدارات محددة حول الأرض. وبعد أن تلتقط هذه الألواح أشعة الشمس بكفاءة عالية غير مسبوقة، تقوم بتحويلها إلى موجات دقيقة يتم إرسالها وتوجيهها بدقة نحو محطات استقبال أرضية. وتقوم هذه المحطات بدورها بتحويل تلك الموجات إلى تيار كهربائي يغذي الشبكة مباشرة. هذه التقنية المعقدة تفتح الباب أمام حقبة جديدة من الاستقلال الطاقي، وتقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يتسبب في الانبعاثات الكربونية الضارة بالبيئة.
وفي هذا السياق، صرح نات سالستروم، نائب رئيس قطاع الطاقة والاستدامة في شركة «ميتا» قائلا: «تمثل تكنولوجيا الطاقة الشمسية الفضائية خطوة تحويلية إلى الأمام من خلال الاستفادة من البنية التحتية الأرضية الحالية لتوفير طاقة جديدة وغير منقطعة من المدار». وتوضح هذه الكلمات حجم الآمال المعقودة على هذه التقنية لتغيير قواعد اللعبة في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
سباق شركات التكنولوجيا الكبرى وتحديات الشبكة الكهربائية
على غرار نظيراتها من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية، تعكف «ميتا» منذ فترة على إبرام صفقات طويلة الأجل لتأمين إمدادات مستدامة من الطاقة. ويأتي هذا التحرك المحموم نتيجة الاستخدام المتزايد لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والنمو الهائل في بناء مراكز البيانات، مما شكل ضغطا هائلا على شبكة الكهرباء الحالية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم يعد الاعتماد على المصادر التقليدية كافيا لدعم هذا التوسع المهول، خاصة مع تزايد متطلبات المعالجة والسرعة التي تفرضها النماذج اللغوية الكبيرة.
علاوة على ذلك، تواجه شركات التكنولوجيا ضغوطا وانتقادات مستمرة من قبل جماعات حماية البيئة والمستهلكين، الذين يخشون من أن يؤدي هذا الاستهلاك المفرط للطاقة إلى تفاقم أزمة التغير المناخي أو رفع تكاليف الكهرباء على المواطنين. ولذلك، تجد هذه الشركات نفسها مضطرة للتحول نحو مصادر طاقة جديدة، مبتكرة، ونظيفة تماما، لتلبية احتياجاتها التشغيلية مع الحفاظ على صورتها ككيانات مسؤولة بيئيا واجتماعيا.
توسع هائل في مراكز البيانات واستثمارات بمليارات الدولارات
لتحقيق طموحاتها في ريادة عالم الذكاء الاصطناعي، تقوم شركة «ميتا» حاليا ببناء العديد من مراكز البيانات التي تتطلب طاقة بحجم جيجاوات في مواقع متعددة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. ومن بين هذه المشاريع الضخمة، يبرز مشروع عملاق يتم بناؤه في منطقة ريفية بولاية لويزيانا. وقد أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات سابقة إلى أن تكلفة هذا المشروع الرائد ستبلغ حوالي 50 مليار دولار، لافتا إلى أن مساحته الإجمالية ستكون قابلة للمقارنة بجزء كبير من مساحة مانهاتن، وهو ما يعكس الحجم الاستثنائي والتاريخي لهذا المرفق الحيوي.
ولا يقتصر طموح «ميتا» على الاستثمار في الفضاء فحسب، بل يمتد أيضا إلى قطاع الطاقة النووية بقوة. فقد عقدت عملاق وسائل التواصل الاجتماعي شراكات استراتيجية مع شركات بارزة في هذا المجال مثل «فيسترا» و«أوكلو» و«تيرا باور». وتضع هذه التحالفات المتنوعة شركة «ميتا» في طليعة الشركات العالمية الكبرى التي تعتمد على الطاقة النووية كجزء من مزيجها الشامل للطاقة، مما يعزز قدرتها على بناء بنية تحتية رقمية مستدامة، قوية، وقادرة على استيعاب تطلعات التكنولوجيا المستقبلية بثبات مطلق.
الأسئلة الشائعة
ما هي أهداف الاتفاقية بين «ميتا» و«أوفر فيو إنرجي»؟
تهدف الاتفاقية إلى تزويد مراكز بيانات شركة «ميتا» بالطاقة النظيفة، مع منح الشركة وصولا مبكرا إلى ما يصل إلى 1 جيجاوات من القدرة الإنتاجية بحلول نهاية العقد الحالي عبر تكنولوجيا متقدمة.
متى سيبدأ التشغيل التجاري لهذه التقنية؟
من المتوقع أن يتم إطلاق العرض التوضيحي الأولي في المدار بحلول عام 2028، على أن يبدأ التسليم التجاري الفعلي والمستمر للطاقة بحلول عام 2030.
كيف تعمل تقنية نقل الطاقة من الفضاء؟
تعتمد التقنية على تجميع أشعة الشمس بواسطة ألواح في الفضاء الخارجي على مدار الساعة، ثم تحويلها وبثها لاسلكيا عبر موجات دقيقة إلى مرافق استقبال على الأرض لتوليد طاقة مستمرة وغير منقطعة للشبكة.
لماذا تلجأ شركات التكنولوجيا الكبرى إلى مصادر طاقة جديدة؟
يأتي ذلك نتيجة للنمو الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات الضخمة، مما زاد من الضغط على شبكات الكهرباء التقليدية، بالإضافة إلى استجابة هذه الشركات للضغوط البيئية المتزايدة.
ما هي مصادر الطاقة الأخرى التي تعتمد عليها شركة «ميتا»؟
إلى جانب مبادرات الفضاء، أبرمت «ميتا» شراكات استراتيجية مع شركات رائدة مثل «فيسترا» و«أوكلو» و«تيرا باور»، لتصبح واحدة من أكبر الشركات المشترية للطاقة النووية على مستوى العالم.