في أحدث مؤشر على تسارع وتيرة السباق التكنولوجي نحو الهيمنة على قطاع التكنولوجيا الحديثة، وافقت شركة مايكروسوفت على استئجار سعة إضافية في مركز بيانات يقع في مدينة نارفيك في النرويج. هذا الموقع كان في الأصل مخصصا لشركة أوبن إيه آي وتم تسويقه كجزء من مبادرتها الطموحة التي تعرف باسم «ستارجيت». وتؤكد هذه الخطوة أن عملاق البرمجيات بات يمتص بنية الذكاء الاصطناعي التحتية التي عجزت شريكته عن تأمينها بشكل نهائي، مما يعيد رسم ملامح الشراكة بين الكيانين الكبيرين.
تفاصيل صفقة نارفيك للتوسع في بنية الذكاء الاصطناعي
وبموجب الاتفاقية الجديدة، ستقوم مايكروسوفت باستئجار 30000 شريحة إضافية من طراز إنفيديا فيرا روبين من مزود الخدمات السحابية الجديد إن سكيل في الحرم التكنولوجي الواقع ضمن الدائرة القطبية الشمالية، وفقا لبيان أصدرته الشركة يوم الاثنين. ويأتي هذا الترتيب الاستراتيجي ليبني على التزام سابق بقيمة 6.2 مليار دولار كانت مايكروسوفت قد تعهدت به في نفس الموقع خلال شهر سبتمبر من عام 2025.
إن إضافة هذا العدد الهائل من معالجات الرسوميات المتطورة يضمن للشركة قدرة معالجة فائقة لتدريب النماذج اللغوية الضخمة وتلبية الطلب العالمي المتزايد على الخدمات السحابية الذكية.
مبادرة ستارجيت وتعثر طموحات أوبن إيه آي
على الجانب الآخر، كانت شركة أوبن إيه آي قد دخلت في مفاوضات مكثفة للحصول على السعة التشغيلية في حرم نارفيك لتشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، لكنها لم تتوصل إلى اتفاق نهائي مع شركة إن سكيل، وفقا لأشخاص مطلعين على المناقشات. وكانت الشركة قد أطلقت على المشروع اسم «ستارجيت النرويج» عند الإعلان عنه في شهر يوليو من عام 2025 كأول مبادرة لها لإنشاء مركز بيانات في القارة الأوروبية.
وكان الهدف المعلن من هذه المبادرة هو الوصول إلى سعة تبلغ 230 ميجاوات وتوفير 100000 وحدة معالجة رسوميات بحلول نهاية عام 2026. وفي هذا السياق، صرح متحدث باسم أوبن إيه آي أن الشركة «تواصل استكشاف إبرام اتفاقية للحصول على سعة في النرويج» وأنها «تعمل مع عدد من الشركاء لبناء بنيتها التحتية». ولكن على الرغم من هذه التصريحات، يبدو أن مايكروسوفت تتحرك بوتيرة أسرع وأكثر حسما لضمان تفوقها التقني.
لماذا النرويج؟ المزايا البيئية والاقتصادية
يمثل حرم نارفيك مشروعا مشتركا بين شركة إن سكيل والشركة الصناعية النرويجية آكر، حيث التزم كل منهما بضخ ما يقرب من 1 مليار دولار في المرحلة الأولية من المشروع. ولم يكن اختيار هذا الموقع وليد الصدفة، بل جاء استنادا إلى عدة عوامل حاسمة، أبرزها:
- وفرة الطاقة الكهرومائية النظيفة والمستدامة.
- المناخ البارد الذي يقلل من تكاليف تبريد الخوادم بشكل كبير جدا.
- التكلفة المنخفضة للطاقة مقارنة بمناطق أخرى في العالم.
هذه العوامل مجتمعة تجعل من الدائرة القطبية الشمالية وجهة مثالية لاستضافة مراكز البيانات الضخمة التي تتطلب كميات هائلة من الكهرباء والتبريد المستمر طوال العام.
استراتيجية مايكروسوفت: اقتناص الفرص الضائعة
تتبع صفقة النرويج نمطا واضحا تتبناه مايكروسوفت، يتمثل في التحرك بسرعة لاقتناص بنية الذكاء الاصطناعي التحتية التي تتركها أوبن إيه آي على الطاولة. ففي أواخر شهر مارس، وافقت مايكروسوفت على الاستحواذ على مشروع مركز بيانات في مدينة أبيلين بولاية تكساس، والذي كان قد تم تطويره في الأصل لصالح شركتي أوبن إيه آي وأوراكل. وقد أضافت هذه الخطوة سعة تبلغ 900 ميجاوات من خلال المطور كروزو، كما أوردت تقارير وكالة بلومبيرج الإخبارية.
وفي الأسبوع الماضي، أوقفت أوبن إيه آي أيضا مشروع «ستارجيت» المماثل في المملكة المتحدة، مرجعة السبب إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والبيئة التنظيمية غير المواتية، وفقا لما ذكرته وكالة رويترز.
صعود شركة إن سكيل في سوق الحوسبة السحابية
في خضم هذه التحركات السريعة، برزت شركة إن سكيل كلاعب وسيط رئيسي في بناء بنية الذكاء الاصطناعي التحتية وتطويرها. وقد وصلت قيمة الشركة السوقية إلى 14.6 مليار دولار بعد إغلاق جولة تمويلية من السلسلة الثالثة بقيمة 2 مليار دولار في وقت سابق من هذا العام.
وفي شهر مارس، وقعت الشركة خطاب نوايا مع مايكروسوفت لتوفير 1.35 جيجاوات من سعة الحوسبة المدعومة بشرائح فيرا روبين في حرم جديد سيتم بناؤه في ولاية فرجينيا الغربية. هذا الصعود السريع يؤكد أهمية الشركات التي توفر الحلول السحابية والبنية التحتية الجاهزة لكبار شركات التكنولوجيا العالمية.
السباق المالي وحجم الإنفاق على مراكز البيانات
يتوقع الخبراء في وول ستريت أن تنفق مايكروسوفت حوالي 143 مليار دولار هذا العام على النفقات الرأسمالية، والتي ترتبط إلى حد كبير بتطوير مراكز البيانات الحديثة. في المقابل، أخبرت أوبن إيه آي مستثمريها في شهر فبراير أنها ستنفق حوالي 600 مليار دولار على البنية التحتية بحلول عام 2030، وهو رقم أكثر اعتدالا مقارنة بالتعهدات طويلة المدى التي ألمحت إليها سابقا والتي بلغت 1.4 تريليون دولار.
ويعكس هذا التباين في الأرقام والتوقعات تحولا في استراتيجيات الاستثمار، حيث تفضل مايكروسوفت الاستحواذ الفوري والمضمون لتأمين مستقبلها، بينما تعيد أوبن إيه آي تقييم وتيرة إنفاقها وسط تحديات السوق وتكاليف التشغيل الباهظة. وسيكون من المثير للاهتمام مراقبة كيف ستتعامل الشركات الأخرى مع هذه الديناميكية الجديدة في سوق الذكاء الاصطناعي.
الأسئلة الشائعة
ما هي تفاصيل الاتفاقية بين مايكروسوفت وشركة إن سكيل في النرويج؟
وافقت مايكروسوفت على استئجار 30000 شريحة إضافية من طراز إنفيديا فيرا روبين في مركز بيانات يقع في مدينة نارفيك بالنرويج، وهو ما يبني على التزام سابق بقيمة 6.2 مليار دولار في نفس الموقع.
لماذا تخلت أوبن إيه آي عن مشروع مركز البيانات في نارفيك؟
على الرغم من إجراء مفاوضات مكثفة وتسويق المشروع تحت اسم «ستارجيت النرويج»، لم تتمكن أوبن إيه آي من التوصل إلى اتفاق نهائي مع مزود الخدمات، مما دفع مايكروسوفت للاستحواذ على هذه السعة بشكل حاسم.
ما هي المميزات التي تجعل النرويج وجهة جاذبة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
يتميز موقع نارفيك بوفرة الطاقة الكهرومائية النظيفة، والتكلفة المنخفضة للكهرباء، فضلا عن المناخ البارد جدا الذي يساهم بشكل كبير في تقليل تكاليف تبريد خوادم الحوسبة السحابية.
ما هو حجم النفقات المتوقعة لكل من مايكروسوفت وأوبن إيه آي على البنية التحتية؟
يتوقع أن تنفق مايكروسوفت حوالي 143 مليار دولار هذا العام على النفقات الرأسمالية، بينما تخطط أوبن إيه آي لإنفاق نحو 600 مليار دولار على البنية التحتية بحلول عام 2030.