تتجه وزارة الدفاع الأمريكية بخطى متسارعة نحو اعتماد «نظام مافن» الذكي، الذي طورته شركة «بالانتير للتكنولوجيا» ويعمل بالذكاء الاصطناعي، كبرنامج معتمد رسميا في سجلات الوزارة. يهدف هذا القرار الاستراتيجي إلى تأمين تمويل مالي ضخم يمتد لسنوات عدة لدعم منصة الاستهداف المتقدمة التي باتت مستخدمة بالفعل عبر كافة فروع القوات المسلحة الأمريكية. يأتي هذا الإعلان تزامنا مع تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها رئيس عمليات الشركة في المملكة المتحدة، حيث أصر على أن المسؤولية الكاملة عن كيفية استخدام هذه التكنولوجيا المتطورة في ساحات القتال تقع على عاتق العملاء العسكريين، ولا تتحمل الشركة أي تبعات قانونية أو أخلاقية بهذا الشأن.
وفي مقابلة صحفية نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية، أقر لويس موزلي، رئيس شركة «بالانتير» في المملكة المتحدة وأوروبا، بأن «نظام مافن» كان أداة محورية وأساسية في الإدارة الأمريكية للعمليات العسكرية خلال الحرب في إيران. ومع ذلك، شدد موزلي على أن المساءلة عن المخرجات والأهداف التي يحددها النظام يجب أن تظل محصورة بيد المؤسسة العسكرية. وعند سؤاله عن المخاطر المحتملة التي قد تؤدي إلى اقتراح النظام لأهداف خاطئة تشمل المدنيين الأبرياء، وصف موزلي المنصة بأنها مجرد أداة دعم مساعدة تتيح للأفراد العسكريين تجميع وتحليل كميات هائلة من البيانات التي كان يتعين في السابق معالجتها يدويا وبصورة فردية بطيئة.
تحول استراتيجي وتمويل مستدام
تم تحديد هذا التصنيف الجديد كبرنامج معتمد في مذكرة رسمية صدرت بتاريخ 9 مارس، ووقعها نائب وزير الدفاع ستيف فاينبرغ، وهي المذكرة التي كشفت عنها وكالة رويترز لأول مرة في 20 مارس. وأوضح فاينبرغ في رسالته أن هذا الوضع الجديد سيوفر التمويل والموارد المستقرة والضرورية لضمان استمرار تطوير «نظام مافن» واستخدامه على نطاق أوسع. وأضاف أن دمج النظام وتثبيته في البنية التحتية العسكرية من شأنه أن يزود المقاتلين بأحدث الأدوات اللازمة لاكتشاف الخصوم، وردعهم، والسيطرة عليهم في جميع المجالات والبيئات القتالية.
وبموجب هذه التوجيهات الجديدة، ستنتقل مسؤولية الإشراف على «نظام مافن» من الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية إلى مكتب الذكاء الاصطناعي والرقمنة الرئيسي التابع للبنتاغون في غضون 30 يوما فقط، على أن يتولى الجيش الأمريكي إدارة جميع العقود المستقبلية المتعلقة بالنظام. ومن المتوقع أن يدخل هذا التصنيف حيز التنفيذ الكامل قبل نهاية السنة المالية 2026 في شهر سبتمبر. تجدر الإشارة إلى أنه تم منح عقد أولي للمشروع بقيمة 480 مليون دولار في مايو 2024، وتم رفع الحد الأقصى للعقد ليصل إلى 1 مليار و 300 مليون دولار في مايو 2025، وذلك بالتوازي مع اتفاقية مؤسسية منفصلة مع الجيش الأمريكي تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار، مما يعكس حجم الاعتماد المستقبلي على هذه التقنيات.
قدرات استخباراتية فائقة في ساحة المعركة
يحظى «نظام مافن» حاليا بأكثر من 20 ألف مستخدم نشط، ويقوم بمعالجة وتحليل البيانات من أكثر من 150 مصدرا استخباراتيا متنوعا. وتشمل هذه المصادر صور الأقمار الصناعية، ومقاطع الفيديو الملتقطة عبر الطائرات بدون طيار، وبيانات الرادار، واستخبارات الإشارات، وذلك وفقا للعروض العامة التي قدمتها شركة «بالانتير». وفي الساعات الأربع والعشرين الأولى من انطلاق «عملية الغضب الملحمي» ضد إيران في أواخر شهر فبراير، أشارت التقارير إلى أن المنصة ساعدت بنجاح في معالجة وتحديد 1000 هدف عسكري.
وفي السياق ذاته، صرحت إدارة ترامب بأن الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت من قصف 11 ألف هدف في إيران منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، حيث تم تحديد العديد من هذه الأهداف بدعم مباشر من التقنية الجديدة. ورغم هذه القدرات الهائلة، إلا أن السجل الميداني للنظام في ساحات المعارك لم يسلم من الانتقادات اللاذعة. فقد أسفرت ضربة بصاروخ كروز من طراز «توماهوك» عن تدمير مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب في اليوم الأول من الحرب، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 168 شخصا، وفقا لصحيفة «ميليتاري تايمز». وقد أثار هذا الحادث المأساوي قلقا واسعا، ودفع الخبراء إلى إثارة مخاوف أعمق بشأن السرعة التي تقوم بها أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي باختزال وقت اتخاذ القرار، مما يحد بشكل خطير من القدرة على التحقق البشري الدقيق.
معضلة المساءلة الأخلاقية
تتزايد التحذيرات من قبل المحللين العسكريين والخبراء الأمنيين من أن الوتيرة السريعة التي يعمل بها «نظام مافن» تترك وقتا ضئيلا جدا لأي تحقق مجد أو مراجعة دقيقة لمخرجاته قبل تنفيذ الضربات، وهو ما أبرزته تقارير هيئة الإذاعة البريطانية. هذه السرعة غير المسبوقة تضع القادة العسكريين أمام تحديات أخلاقية كبرى تتعلق بقوانين الاشتباك وحماية المدنيين في أوقات النزاع المسلح.
وعندما سئل موزلي عما إذا كانت شركة «بالانتير» تتحمل أي جزء من المسؤولية عن الكيفية التي تستخدم بها أدواتها في توجيه الضربات العسكرية القاتلة، رسم خطا فاصلا وحازما قائلا: «هذا ليس دورنا». هذا الموقف يجسد الانقسام المتزايد بين شركات التكنولوجيا الكبرى التي تسعى لتوفير أحدث التقنيات لتعزيز القدرات القتالية، وبين المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يطالبون بشفافية أكبر ومساءلة واضحة عند وقوع كوارث ناجمة عن الاعتماد المفرط على الآلة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت.
الأسئلة الشائعة
ما هو نظام مافن الذكي؟
هو نظام استهداف متقدم يعمل بالذكاء الاصطناعي طورته شركة «بالانتير للتكنولوجيا»، ويستخدم لمعالجة كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية وتحديد الأهداف العسكرية، وبات مستخدما عبر جميع فروع القوات المسلحة الأمريكية.
ما هي تكلفة عقود نظام مافن مع وزارة الدفاع الأمريكية؟
تم منح عقد أولي بقيمة 480 مليون دولار في مايو 2024، ورُفع الحد الأقصى للعقد إلى مليار و 300 مليون دولار في مايو 2025، بالإضافة إلى اتفاقية منفصلة مع الجيش الأمريكي بقيمة 10 مليارات دولار.
هل تتحمل شركة بالانتير مسؤولية الأخطاء التي تنتج عن النظام؟
أكد رئيس الشركة في المملكة المتحدة أن المسؤولية تقع حصريا على عاتق المؤسسات العسكرية التي تستخدم النظام، معتبرا أن النظام هو مجرد أداة دعم لتحليل البيانات وليس صانع قرار، ولا تتحمل الشركة مسؤولية الضربات الميدانية.