كشفت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إنجاز تاريخي غير مسبوق في قطاع الرعاية الصحية والابتكار الطبي، حيث أعلنت عن أول مرشح دوائي يتم اكتشافه وتطويره بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذا الإنجاز الرائد، وفقا للخبراء والداعمين للمشروع، يمثل ثورة حقيقية في عالم الصيدلة، حيث نجح في ضغط عملية بحث وتطوير تستغرق عادة أكثر من 10 سنوات لتكتمل في غضون أقل من 1 عام فقط.
آلية عمل الدواء الجديد في محاربة السرطان
أعلنت مؤسسة الإمارات للدواء أن المركب الجديد الذي يحمل اسم «ISM0387»، والذي تم تطويره بالتعاون مع شركة «إن سيليكو ميديسين»، قد تم ترشيحه رسميا كدواء في مرحلة ما قبل التجارب السريرية. وقد اكتملت سلسلة الاكتشاف والتطوير بأكملها داخل حدود دولة الإمارات العربية المتحدة في فترة زمنية لم تتجاوز 12 شهرا. ويعتبر هذا الدواء مثبطا متطورا يستهدف إنزيم «PRMT5»، حيث تم تصميمه هندسيا لمهاجمة الخلايا السرطانية التي تتميز بحذف جين «MTAP» بشكل انتقائي ودقيق للغاية. وتعد هذه السمة الجينية مسؤولة عن ما يقرب من 15 بالمائة من إجمالي السرطانات البشرية، مما يجعل هذا الدواء أملا جديدا لشريحة واسعة من المرضى، مع ميزة استثنائية تتمثل في الحفاظ على الأنسجة السليمة وتجنيبها الأضرار الجانبية المعتادة للعلاجات التقليدية.
ويظهر الدواء المرشح فعالية واعدة بشكل خاص ضد أورام الدماغ الشرسة، والتي تصنف عالميا من بين أصعب أنواع السرطانات من حيث الاستجابة للعلاج. وقد أثبتت الدراسات قبل السريرية التي أجريت على النماذج الحيوانية قدرة فائقة على قمع الأورام عند إعطاء جرعة يومية تبلغ 30 ملغ/كغ على مدار 20 يوما، مع إظهار المركب قدرة اختراق قوية للحاجز الدموي الدماغي، وهو التحدي الأكبر الذي كان يواجه العديد من أدوية سرطان الدماغ السابقة.
ثورة في الجدول الزمني والتكلفة المالية
في هذا السياق، اعتمد فريق البحث على منصة «Chemistry42» المبتكرة التابعة للشركة، وهي منصة فائقة التطور تدمج أكثر من 40 نموذجا من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد أتاحت هذه المنصة فحص واختبار أكثر من 90 جزيئا محتملا في فترة قياسية بلغت نحو 6 أشهر فقط. وتجدر الإشارة إلى أن مرحلة الفحص المبدئي هذه فقط تستغرق عادة ما يزيد عن 4 سنوات باستخدام الأساليب المخبرية التقليدية، في حين أن عملية التطوير الكاملة للدواء قد تتجاوز 10 سنوات بتكلفة مالية باهظة تتخطى حاجز 1 مليار دولار أمريكي. هذا التحول الجذري يؤكد قدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة رسم ملامح صناعة الأدوية العالمية.
تعزيز السيادة الدوائية والآفاق العالمية
يبنى هذا الإعلان الاستثنائي على مذكرة تفاهم استراتيجية تم توقيعها بين مؤسسة الإمارات للدواء والشركة المطورة خلال معرض الصحة العالمي 2026 الذي أقيم في شهر فبراير الماضي، وهو الحدث الذي شهد الإطلاق الرسمي لمؤسسة الإمارات للدواء بصفتها هيئة وطنية تنظيمية للأدوية في البلاد. وفي ذلك الوقت، صرحت الدكتورة شيخة المزروعي، مديرة إدارة الأدوية بالمختبر الوطني المرجعي التابع للمؤسسة، أن هذا التعاون سيطبق النماذج التوليدية وخوارزميات التعلم المعزز لتحليل البيانات البيولوجية والكيميائية والسريرية العميقة. وتهدف هذه الخطوة إلى تحسين تصميم المركبات الكيميائية وتقليل الاعتماد على التجارب على الحيوانات في مراحل التطوير المبكرة.
من جانبه، أكد سعيد بن مبارك الهاجري، وزير دولة ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الإمارات للدواء، أن هذا الإنجاز النوعي يضع دولة الإمارات في مكانة ريادية عالمية، جاعلا إياها «مساهما نشطا في سلاسل القيمة العالمية للتكنولوجيا الحيوية بدلا من كونها مجرد متبن سلبي للتقنيات». وفي السياق ذاته، وصفت الدكتورة فاطمة الكعبي، المدير العام لمؤسسة الإمارات للدواء، هذا الإنجاز بأنه علامة فارقة تدل على القدرات المتنامية للدولة في مجال تطوير الأدوية محليا، مما يعيد صياغة مفهوم الأمن الدوائي من مجرد ضمان الإمدادات إلى امتلاك قدرة سيادية حقيقية على التطوير والابتكار.
إن هذا التطور لا يمثل مجرد إنجاز محلي لدولة الإمارات فحسب، بل يشكل رسالة قوية للمجتمع العلمي العالمي بأسره، مفادها أن توظيف التكنولوجيا المتقدمة يمكن أن يحل أعقد المعضلات الطبية التي استعصت على البشرية لعقود. فسرطان الدماغ، وتحديدا الأنواع الشرسة منه التي تستهدفها هذه الأبحاث، لطالما شكلت تحديا هائلا لأطباء الأورام بسبب صعوبة إيصال المواد الفعالة عبر الحاجز الدموي الدماغي. ومن خلال نجاح المركب الجديد في تجاوز هذه العقبة البيولوجية المعقدة، تفتح الأبواب واسعة أمام تطوير بروتوكولات علاجية جديدة قد تنقذ حياة مئات الآلاف من المرضى حول العالم.
على الصعيد المؤسسي، قامت شركة «إن سيليكو ميديسين»، المدرجة في بورصة هونغ كونغ، بترشيح أكثر من 22 دواء لمرحلة ما قبل التجارب السريرية باستخدام منصتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث نجح 10 منها في الوصول إلى مرحلة التجارب السريرية الفعلية. وكانت الشركة قد استعرضت مؤخرا بيانات علمية هامة في مؤتمر الجمعية الأمريكية لأبحاث السرطان 2026 حول مركب «ISM1745»، والذي أظهر انتقائية مضاعفة بمقدار 272 مرة للخلايا السرطانية. ومع ذلك، يبقى المركب الإماراتي الجديد متفردا بكونه المرشح الأول الذي تمت رحلة اكتشافه بالكامل، بدءا من تحديد الهدف البيولوجي وحتى اعتماده كمرشح، حصريا داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.
الأسئلة الشائعة
ما هو الدواء الجديد الذي تم الإعلان عنه في الإمارات؟
هو أول مرشح دوائي يتم اكتشافه وتطويره بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل دولة الإمارات، ويستهدف بشكل أساسي سرطانات الدماغ الشرسة.
كيف ساعد الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الدواء؟
تم استخدام منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل البيانات واختبار الجزيئات، مما قلص مدة البحث والتطوير من أكثر من 10 سنوات إلى أقل من 12 شهرا.
ما هي آلية عمل هذا الدواء؟
يعمل الدواء كمثبط لإنزيم محدد في الخلايا لمهاجمة الخلايا السرطانية التي تعاني من حذف جيني معين، مع الحفاظ على الأنسجة السليمة من التلف وتجاوز الحاجز الدموي الدماغي بفعالية.