لطالما شكلت هوية مبتكر عملة بيتكوين، المعروف بالاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو، أحد أكبر الألغاز وأكثرها إثارة للجدل في العصر التقني الحديث وفي عالم المال والأعمال. ولكن، يزعم فيلم وثائقي صدر حديثا أن هذا المبتكر الغامض لم يكن في الواقع شخصا واحدا كما كان يعتقد طوال السنوات الماضية، بل هو ثنائي مكون من عالمي التشفير البارزين هال فيني ولين ساسامان، اللذين يعتقد أنهما تعاونا سرا تحت هذا الاسم المستعار قبل وفاتهما.
عرض الفيلم الوثائقي، الذي يحمل عنوان «البحث عن ساتوشي»، لأول مرة عالميا في 22 من شهر أبريل عبر موقعه الإلكتروني الرسمي. وقد تولى إخراج هذا العمل كل من تاكر تولي وماثيو ميلي، وجاء ثمرة تحقيق استقصائي معقد استمر لمدة 4 سنوات، وقاده كل من المؤلف ويليام دي كوهان والمحقق الخاص تايلر ماروني من وكالة «كويست» للأبحاث والتحقيقات. ويأتي إطلاق هذا الفيلم بعد أسبوعين فقط من تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز، والذي أشار إلى أن آدم باك، الرئيس التنفيذي لشركة «بلوك ستريم»، هو المرشح الأبرز ليكون ساتوشي ناكاموتو، وهو ادعاء نفاه آدم باك مرارا وتكرارا بشكل قاطع.
نظرية الثنائي وتحليل البيانات الدقيق
خلال مراحل التحقيق الطويلة، قام فريق العمل بتضييق نطاق المشتبه بهم المحتملين إلى 6 أسماء بارزة في عالم التشفير، وهم: آدم باك، ونيك سزابو، وهال فيني، ولين ساسامان، وبول لو رو، ووي داي. ولحسم هذا الجدل، قامت عالمة البيانات أليسا بلاكبيرن بتحليل نشاط التعدين المبكر لساتوشي بالإضافة إلى أوقات اتصالاته ومراسلاته الإلكترونية. وقد توصلت إلى أن المبتكر كان نشطا في الغالب بين الساعة 6 صباحا و 10 مساء بتوقيت المحيط الهادئ، وهو نمط زمني أكدت أنه يتطابق فقط مع كل من هال فيني ولين ساسامان من بين جميع المرشحين الآخرين.
ويطرح الفيلم الوثائقي نظرية متماسكة تفيد بأن هال فيني هو من قام بكتابة الكود البرمجي الأساسي لعملة بيتكوين، في حين تولى لين ساسامان صياغة الورقة البيضاء المكونة من 9 صفحات، والتي أسست للمفاهيم الاقتصادية والتقنية للعملة. وفي هذا السياق، أشار ويل برايس، المؤسس المشارك لشركة «بي جي بي» والذي عمل جنبا إلى جنب مع هال فيني لمدة 15 عاما، إلى أن فيني لم يقدم أي التزامات برمجية لعمله اليومي في الشركة خلال الشهرين اللذين سبقا إطلاق الكتلة التكوينية لعملة بيتكوين في شهر يناير من عام 2009. وقال برايس في الفيلم: «على ماذا كان يعمل في ذلك الوقت؟ أعتقد أنه كان يعمل على تطوير بيتكوين».
من جانبها، قدمت فران فيني، أرملة هال فيني، دعما مشروطا لهذه النظرية المبتكرة. حيث صرحت قائلة: «نعم، أعتقد أنه ساعد في بناء هذا النظام. أما بالنسبة للورقة البيضاء بحد ذاتها، فلا أعتقد أنه من كتبها، ولكنه ربما ساعد في ذلك».
ارتباط لين ساسامان وحركة مجتمع التشفير
يحمل لين ساسامان تاريخا طويلا ومعقدا في عالم التشفير؛ فقد كان طالبا لدى ديفيد تشاوم، الذي يعترف به على نطاق واسع كأحد الشخصيات التأسيسية والمحورية في مجال العملات المشفرة. وقد انتهت حياة ساسامان بشكل مأساوي إثر انتحاره في شهر يوليو من عام 2011، وهو تاريخ يأتي بعد حوالي 6 أشهر فقط من آخر تواصل علني ورسمي صدر عن حساب ساتوشي ناكاموتو.
وفي شهادة بالغة الأهمية، أوضح برام كوهين، مبتكر بروتوكول «بت تورنت» والصديق المقرب لكلا الرجلين، لصناع الفيلم أن اهتمامات فيني وساسامان «تتطابق تماما مع ما نعرفه عن شخصية ساتوشي ناكاموتو، لأن ساتوشي كان في المقام الأول من أتباع حركة سايبر بانك التي تدافع عن الخصوصية والتشفير». كما كشف كوهين عن مفاجأة أخرى، مشيرا إلى أن الانتقادات العلنية التي كان يوجهها ساسامان لعملة بيتكوين في بداياتها لم تكن سوى تكتيك متعمد ووسيلة تمويه ذكية لتجنب اكتشاف هويته الحقيقية.
لغز لم يحل وثروة رقمية هائلة
حظي الفيلم الوثائقي بإشادات واسعة من كبار الشخصيات في صناعة التقنية. فقد وصف برايان أرمسترونج، الرئيس التنفيذي لشركة «كوين بيس»، والذي دعمت شركته الفيلم من خلال توفير وصول مبكر للمستخدمين، هذا العمل بأنه «أكثر تناول مدروس ومتعمق لهذا الموضوع رأيته حتى الآن»، مضيفا: «أعتقد أنكم توصلتم إلى الإجابة الصحيحة». وبدوره، وصف الباحث الأمني جيمسون لوب، الرئيس التقني لشركة «كاسا»، الفيلم بأنه «وجهة نظر معقولة جدا قد تضع أخيرا حدا لمطاردة الأشباح».
وعلى الرغم من هذه الأدلة القوية، يعتقد أنه لا فران فيني ولا ميريديث باترسون، أرملة لين ساسامان، تمتلكان إمكانية الوصول إلى المفاتيح الخاصة بمحافظ ساتوشي. وتشير التقديرات إلى أن ساتوشي يمتلك حوالي 1.1 مليون عملة بيتكوين لم يتم تحريكها أو تداولها على الإطلاق منذ الأيام الأولى للتعدين. وهذه الثروة الهائلة، التي تقدر بمليارات الدولارات، تضمن أن يظل السؤال حول هوية المبتكر الحقيقي يتجاوز كونه مجرد نقاش أكاديمي، ليظل واحدا من أعظم الألغاز المالية في التاريخ الحديث.
الأسئلة الشائعة
من هو ساتوشي ناكاموتو وفقا للفيلم الوثائقي الجديد؟
يزعم الفيلم الوثائقي «البحث عن ساتوشي» أن ساتوشي ناكاموتو ليس شخصا واحدا، بل هو اسم مستعار لثنائي مكون من عالمي التشفير هال فيني ولين ساسامان، حيث تولى الأول البرمجة بينما كتب الثاني الورقة البيضاء.
كم تبلغ ثروة ساتوشي ناكاموتو من عملة بيتكوين؟
تشير التقديرات إلى أن المحافظ المرتبطة بساتوشي ناكاموتو تحتوي على حوالي 1.1 مليون عملة بيتكوين، وهي ثروة هائلة لم يتم تحريكها أو إنفاق أي جزء منها منذ الأيام الأولى لإطلاق العملة الرقمية.
ما هي الأدلة التي تدعم تورط هال فيني ولين ساسامان؟
استند التحقيق إلى تحليل بيانات نشاط ساتوشي والذي توافق زمنيا مع نشاط فيني وساسامان (بين 6 صباحا و 10 مساء بتوقيت المحيط الهادئ)، بالإضافة إلى توقف فيني عن مهام عمله اليومي قبل إطلاق بيتكوين، وانتحار ساسامان بعد فترة وجيزة من اختفاء ساتوشي.