تشهد الساحة الرقمية العالمية تحولاً جذرياً في كيفية تخطيط وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، حيث لم تعد هذه الهجمات مجرد جهود فردية مبعثرة، بل تحولت إلى ما يشبه العمليات الصناعية المنظمة. وفي هذا السياق، كشفت شركة «أتش بي إي» عن نتائج أول تقرير بحثي شامل لها حول التهديدات السيبرانية لعام 2026، والذي يحمل اسم «إن ذا وايلد». ويسلط هذا التقرير الضوء على كيفية عمل الخصوم الحديثين على نطاق واسع، مستهدفين مختلف الصناعات العالمية والقطاعات العامة الحيوية بأساليب متطورة.
بنية تحتية هجومية واسعة النطاق
يستند التقرير إلى تحليل دقيق لأنشطة التهديدات الفعلية التي تم رصدها عالمياً خلال عام 2025. وتُظهر النتائج أن الجرائم الإلكترونية باتت تدار بأسلوب يشبه الشركات الكبرى، حيث يستخدم المهاجمون الأتمتة ويستغلون الثغرات الأمنية المعروفة لتنفيذ حملات واسعة النطاق. وقد تم رصد نحو 1186 حملة نشطة حول العالم، ما يعكس منظومة تتطور بسرعة وتتسم بالاحترافية والاستهداف الاستراتيجي الدقيق للقطاعات عالية القيمة.
وتبين الإحصائيات أن المؤسسات الحكومية كانت القطاع الأكثر استهدافاً على مستوى العالم، حيث سجلت 274 حملة هجوم استهدفت هيئات اتحادية وإقليمية، تلتها قطاعات التمويل بعدد 211 حملة، ثم التكنولوجيا بنحو 179 حملة. ويؤكد هذا التركيز المستمر من قبل القراصنة على البيانات القيّمة والمكاسب المالية، مشيراً إلى أنه لا يوجد قطاع بمنأى عن هذه الهجمات، بما في ذلك مؤسسات الدفاع، التصنيع، الرعاية الصحية، والتعليم.
الذكاء الاصطناعي في خدمة المهاجمين
من أبرز ما تطرق إليه التقرير هو لجوء القراصنة إلى تقنيات متطورة لزيادة سرعة الهجمات وتأثيرها. فقد اعتمدت بعض المجموعات مسارات عمل آلية تشبه «خطوط التجميع» الصناعية عبر منصات التواصل والتراسل الفوري لاستخراج البيانات المسروقة في الوقت الفعلي. والأخطر من ذلك هو الاستغلال الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتشمل هذه الاستخدامات إنتاج أصوات اصطناعية ومقاطع فيديو مُزيّفة بتقنية «التزييف العميق» لاستخدامها في هجمات التصيّد الاحتيالي وانتحال شخصيات المسؤولين التنفيذيين الكبار. كما رصد التقرير قيام عصابات الابتزاز الرقمي بإجراء أبحاث سوقية متقدمة حول ثغرات الشبكات الافتراضية الخاصة، بهدف تحسين استراتيجيات الاختراق ورفع كفاءة عملياتهم لتحقيق أقصى عائد مادي ممكن.
رؤية خبراء الأمن السيبراني
تعليقاً على هذه النتائج المعمقة، أوضح «منير هاهاد»، رئيس مختبرات «أتش بي إي» للتهديدات السيبرانية، أن هذا التقرير يعكس الواقع اليومي القاسي الذي تواجهه المؤسسات. وأكد أن الأبحاث تستند إلى أنشطة تهديد حقيقية وميدانية وليس إلى اختبارات نظرية في بيئات محكمة، مما يتيح فهم كيفية تكيف المهاجمين وأسباب نجاحهم.
«تُسهم هذه الملاحظات المباشرة في تعزيز قدرات الكشف والدفاع، وتمنح العملاء رؤية أوضح حول التهديدات السيبرانية المحتملة التي تؤثر على بياناتهم وعملياتهم، مما يعني أمناً أقوى واستجابة أسرع في مواجهة الهجمات المنظمة».
خطوات عملية لتعزيز المرونة الأمنية
يؤكد التقرير أن الدفاع الفعال ضد هذه التهديدات السيبرانية لا يتحقق بمجرد شراء أدوات أمنية جديدة، بل من خلال تحسين التنسيق والرؤية عبر الشبكة بأكملها. ولتحسين الوضع الأمني، يوصي التقرير باتخاذ الخطوات التالية:
- كسر العزلة الإدارية: مشاركة المعلومات الخاصة بالتهديدات بين فرق العمل والعملاء، وتطبيق نهج حافة خدمة الوصول الآمن لتوحيد الشبكات والأمن.
- إصلاح نقاط الدخول الشائعة: تأمين الشبكات الافتراضية الخاصة والأجهزة الطرفية لإغلاق المسارات التي يستغلها المهاجمون بشكل متكرر.
- تطبيق مبادئ الثقة الصفرية: تعزيز المصادقة والتحقق المستمر من المستخدمين والأجهزة قبل منحهم حقوق الوصول للحد من الحركة الجانبية داخل الشبكة.
- تعزيز الرؤية باستخدام الذكاء الاصطناعي: تبني أنظمة كشف متطورة تساعد في اكتشاف الهجمات وتحليلها والاستجابة لها بدقة وبسرعة فائقة.
تأسيس مختبرات جديدة لمواجهة التحديات
استجابة لهذه التحديات المتصاعدة، أعلنت الشركة عن إطلاق مختبر جديد لتوحيد خبرات البحث الأمني والذكاء الاستخباراتي لكل من «أتش بي إي» وشركة «جونيبر نتوركس». ويهدف هذا الدمج إلى تزويد المنتجات بمعلومات لحظية لاكتشاف الهجمات وصدها بفعالية.
وقد صرح «ديفيد هيوز»، نائب الرئيس الأول والمدير العام لأمن الشبكات، أن الهدف من إنشاء هذا الكيان الجديد هو سد الفجوة بين الأبحاث المتقدمة ونتائج الأمن الفعلية، مشيراً إلى أن التصدي للمهاجمين الذين يعملون بكفاءة تضاهي الشركات العالمية يتطلب المستوى ذاته من الاستراتيجية والدقة التشغيلية. ومن الجدير بالذكر أن التقرير متاح الآن للقادة وصناع القرار، كما سيتم مناقشته باستفاضة خلال مؤتمر «آر إس إيه» المتخصص في سان فرانسيسكو بين 23 و 26 مارس 2026.
الأسئلة الشائعة
ما هو أبرز استنتاج في تقرير التهديدات السيبرانية لعام 2026؟
كشف التقرير أن الخصوم الرقميين باتوا يعتمدون نماذج أعمال مؤسسية تشبه الشركات الكبرى، حيث يستخدمون الأتمتة وفرق العمل المتخصصة لتنفيذ هجمات واسعة النطاق على قطاعات حيوية.
كيف يستغل المهاجمون تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
يستخدم القراصنة الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج مقاطع فيديو وأصوات مزيفة بتقنية التزييف العميق، بهدف انتحال شخصيات المسؤولين التنفيذيين وتنفيذ هجمات تصيّد احتيالي متطورة.
ما هي القطاعات الأكثر تعرضاً للهجمات وفقاً للتقرير؟
تصدرت المؤسسات الحكومية قائمة الأهداف، تلتها قطاعات التمويل والتكنولوجيا، مما يؤكد تركيز المهاجمين على استهداف البنية التحتية الوطنية والبيانات المالية الحساسة.
كيف يمكن للمؤسسات حماية نفسها من هذه الهجمات المتطورة؟
يمكن للمؤسسات تعزيز حمايتها عبر تطبيق مبدأ «الثقة الصفرية»، وتأمين نقاط الدخول مثل الشبكات الافتراضية الخاصة، واستخدام أنظمة الكشف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعزيز تبادل المعلومات الأمنية بين فرق العمل.