في خطوة تاريخية تمثل إنجازا علميا غير مسبوق في مجال التكنولوجيا العصبية، قدمت شركة «نيورالينك» التابعة للملياردير إيلون ماسك، يوم الثلاثاء، عرضا عمليا مذهلا يثبت أن شريحتها الدماغية من طراز «إن 1» قادرة على تحويل الإشارات العصبية الصامتة داخل الدماغ إلى كلام صوتي مسموع بوضوح تام.
تم استعراض هذه التقنية الثورية من خلال مقطع فيديو مؤثر ظهر فيه مريض يدعى كينيث شوك، وهو يعاني من مرض التصلب الجانبي الضموري، وهو مرض عضال يفقده القدرة على النطق والحركة بشكل تدريجي ومستمر. وفي لحظة حابسة للأنفاس خلال العرض، قال شوك: «أنا أتحدث إليكم بعقلي»، مستخدما نسخة مركبة ومعدلة حاسوبيا من صوته الحقيقي، والتي تم توليدها بالكامل بالاعتماد على نشاطه العصبي فقط، دون أي تدخل عضلي أو حركي من جانبه.
نقلة نوعية في واجهات الدماغ والحاسوب
يمثل هذا الإنجاز الرائد بداية حقبة جديدة ومثيرة في عالم واجهات الدماغ والحاسوب، حيث تتجاوز التقنية مجرد التحكم البسيط في مؤشرات الشاشة وتنتقل إلى مستوى التواصل المباشر من الدماغ إلى الكلام. إن هذه القدرة الاستثنائية تمتلك إمكانيات هائلة لتغيير وتحسين جودة حياة الملايين من الأشخاص الذين يعانون من تداعيات مرض التصلب الجانبي الضموري، والسكتات الدماغية، ومجموعة واسعة من الحالات العصبية المعقدة التي تسلب الإنسان قدرته على التعبير اللفظي والتواصل مع محيطه.
ويعد كينيث شوك المشارك الثاني في التجارب السريرية التي أطلقت عليها الشركة اسم تجربة «فويس»، حيث خضع لعملية زراعة الشريحة الدماغية المتقدمة في شهر يناير من عام 2026. وقد شكلت هذه الخطوة علامة فارقة في رحلة العلاج والتطوير المستمر الذي تقوده الشركة لاستعادة الوظائف البشرية المفقودة.
آلية عمل التقنية وعملية المعايرة الدقيقة
يعتمد النظام التقني المتطور لشركة «نيورالينك» على قراءة وتسجيل الإشارات الكهربائية الدقيقة المنبعثة من مناطق محددة في الدماغ، وهي المناطق التي تتولى في الحالات الطبيعية إرسال الأوامر الحركية إلى عضلات الفم واللسان والأحبال الصوتية. وبعد التقاط هذه الإشارات، تتدخل خوارزميات التعلم الآلي المتطورة لتخطيط تلك الأوامر العصبية وربطها بالمقاطع الصوتية الأساسية، وهي الوحدات اللغوية الصغرى التي يتكون منها الكلام المنطوق. ومن ثم، يتم تجميع هذه المقاطع بدقة لتشكيل كلمات كاملة ومفهومة، ليقوم الحاسوب بنطقها بصوت يطابق تماما صوت المريض.
وفي سياق شرح هذه العملية المعقدة، قدم سكايلر جراناتير، وهو مهندس متخصص في التعلم الآلي لدى الشركة، توضيحا مفصلا في مقطع الفيديو الترويجي قائلا: «سنوجهه عبر بعض الجمل لمحاولة نطقها، وسنستخدم تلك البيانات القيمة لربط النية العصبية بالكلمات الفعلية التي يقصدها». وقد مرت عملية المعايرة وضبط النظام بثلاث مراحل أساسية: بدأت المرحلة الأولى بمحاولة شوك التحدث بصوت عالٍ، ثم تلتها المرحلة الثانية التي اكتفى فيها بتحريك شفتيه لتشكيل الكلمات بصمت، وصولا إلى المرحلة الثالثة والأكثر تعقيدا، حيث طلب منه تخيل الكلام وتشكيله في عقله دون القيام بأي حركة جسدية على الإطلاق.
تحديات مستمرة وطموحات طبية مستقبلية
على الرغم من النجاح الباهر لهذا العرض، لا تزال التكنولوجيا في مراحلها التجريبية الأولى. وتعترف الشركة بوجود تحديات تقنية مستمرة تتعلق بسرعة المعالجة الحاسوبية ومستوى الدقة، وذلك في إطار سعيها الدؤوب لبناء نظام متكامل يحول أفكار الدماغ إلى كلام في الوقت الفعلي. ومع ذلك، يمثل هذا العرض قفزة هائلة مقارنة بدراسة «برايم» السابقة التي أجرتها الشركة، حيث استخدم مشاركون مثل براد سميث، وهو أول مريض مصاب بالتصلب الجانبي الضموري يتلقى الشريحة، الجهاز بشكل أساسي للتحكم في مؤشر الكمبيوتر عبر الأفكار فقط.
وكانت هذه التقنية المخصصة لاستعادة النطق قد حصلت على تصنيف «جهاز اختراق» من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في شهر مايو من عام 2025، وهو تصنيف طبي مرموق يساهم بشكل كبير في تسريع عمليات التطوير والمراجعة التنظيمية. وكانت الشركة قد أعلنت مسبقا عن خططها لبدء هذه التجربة السريرية التي تركز على الكلام في شهر سبتمبر من عام 2025. وفي ذلك الوقت، صرح رئيس الشركة، دونغجين دي جي سيو، أمام جمهور غفير في العاصمة الكورية سيول، أن الهدف الأسمى للشركة هو الانتقال «مباشرة من نشاط الدماغ إلى النطق الصوتي دون الحاجة إلى أي لوحات مفاتيح وسيطة».
في الختام، تجسد حالة المريض كينيث شوك الوعود العظيمة التي تحملها هذه التكنولوجيا للبشرية، وتبرز في الوقت نفسه المسافة الطويلة التي لا يزال يتعين قطعها. ورغم قدرة النظام الحالي على فك تشفير الكلام المتخيل، إلا أن تحسينه ليصبح أداة قادرة على إجراء محادثات سلسة في الوقت الفعلي سيتطلب جهودا هندسية وسريرية مكثفة، وهو التحدي الذي تتسابق «نيورالينك» ومنافسوها لحله بأسرع وقت ممكن.
الأسئلة الشائعة
ما هي التقنية الجديدة التي أعلنت عنها شركة نيورالينك؟
أعلنت الشركة عن نجاح شريحتها الدماغية في تحويل الإشارات العصبية الصامتة في الدماغ إلى كلام صوتي مسموع عبر استخدام خوارزميات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي.
كيف تعمل هذه الشريحة الدماغية على توليد الكلام؟
تقوم الشريحة بقراءة الإشارات الكهربائية من أجزاء الدماغ المسؤولة عن تحريك الفم واللسان والأحبال الصوتية، ثم تترجمها الخوارزميات إلى مقاطع صوتية مجمعة لتكوين كلمات ينطقها الحاسوب بصوت المريض الأصلي.
من هو المريض كينيث شوك وما هو دوره في هذه التجارب؟
كينيث شوك هو مريض مصاب بالتصلب الجانبي الضموري يفقد تدريجيا قدرته على النطق، وهو المشارك الثاني في تجارب الشركة السريرية، حيث تمكن بفضل الشريحة من التحدث بصوته عبر أفكاره فقط.
متى حصلت تقنية استعادة النطق على الموافقات الطبية؟
حصلت التقنية على تصنيف «جهاز اختراق» من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في شهر مايو من عام 2025 لتسريع عملية تطويرها واعتمادها طبيا.