
مقدمة: ما وراء النباح والمواء
لطالما حلم البشر بالقدرة على فهم ما تقوله الحيوانات والتحدث معها. قد تبدو الفكرة وكأنها من أفلام الخيال، لكن العلم الحديث، مدفوعًا بقوة الذكاء الاصطناعي، يجعل هذا الحلم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى. لنأخذ مثالًا بسيطًا ومسليًا: الكلب «مستر وافلز»، نجم تيك توك الذي يمتلك أكثر من مليون متابع. يتواصل هذا الكلب من فصيلة «يوركشاير ترير» مع صاحبته عبر الضغط على أزرار إلكترونية مبرمجة لتنطق بكلمات مثل «جائع» أو «تمشية». قد يبدو الأمر مجرد خدعة لجذب الإعجابات، خاصة عندما يستخدم «مستر وافلز» كلمات بذيئة للتعبير عن استيائه، لكن الأبحاث العلمية الجادة في هذا المجال تكشف عن نتائج مذهلة.
الأزرار الناطقة: هل تفهم الكلاب حقًا؟
وجد الباحثون، بعيدًا عن الحالات الفكاهية، أن العديد من الكلاب تستخدم هذه الأزرار بشكل هادف. فعند الضغط على زر «خارج»، ينظر الكلب نحو الباب، وعند الضغط على زر «لعب»، يبدأ بهز ذيله بحماس. أجرى الدكتور فيديريكو روسانو من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو بحثًا أظهر أن استجابة الكلاب للكلمات لا تعتمد على وجود صاحبها أو نبرة صوته، بل على الكلمة نفسها. يقول روسانو: «هذا يثبت أن الكلمات مهمة للكلاب، وأنها تستجيب للكلمات بحد ذاتها، وليس فقط للإشارات المرتبطة بها». ومع ذلك، يجادل النقاد بأن هذا لا يثبت بالضرورة أن الكلب يفهم «معنى» الكلمة بنفس الطريقة التي نفهمها نحن. للتواصل الحقيقي، يجب أن نفهم لغة الحيوانات بشروطها هي، لا بشروطنا نحن. وهذا هو التحدي الأكبر الذي يعمل عليه العلماء الآن.
فك شيفرة الطبيعة: من الدلافين إلى الخفافيش
لحسن الحظ، لم يتوقف العلماء عن محاولة فك رموز لغات الحيوانات. لعقود، قاموا بدراسة سلوكيات وأصوات الكائنات في بيئتها الطبيعية. واليوم، بفضل مجموعة متنامية من الأدوات التكنولوجية، يتم تحقيق اكتشافات مثيرة لدرجة أنه تم إنشاء جائزة سنوية مرموقة، «جائزة كولر-دوليتل»، لتكريم الإنجازات الهامة في مجال التواصل بين الأنواع. نحن على أعتاب مرحلة لا تقتصر فقط على فك شيفرة لغات الحيوانات، بل قد نتمكن من التحاور معها بشكل هادف. فمثلًا، كما يمتلك البشر لهجات مختلفة، تمتلك العديد من الحيوانات لهجات إقليمية خاصة بها. حيتان الأوركا، الحيتان الحدباء، والعديد من الطيور المغردة تستخدم أغاني خاصة بمنطقتها للتعرف على أفراد مجموعتها وجذب الشركاء. كما اكتشفنا أن بعض الحيوانات تستخدم «أسماء»؛ فالفيلة تستخدم نداءات منخفضة التردد لمناداة أفراد معينين، والدلافين قارورية الأنف تنادي بعضها البعض بـ«صفارات مميزة» تطورها في صغرها وتتذكرها لعقود.
لغة الدلافين السرية
قضت الدكتورة ليلا سايغ من معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات عقودًا في دراسة دلافين خليج ساراسوتا في فلوريدا. سجل فريقها أكثر من 250 صافرة مميزة. هذه الصفارات تعمل كبطاقات هوية صوتية، ولكن اكتشف الفريق شيئًا أعمق: نصف الأصوات التي تصدرها الدلافين لم تكن صفارات مميزة، بل كانت 20 نوعًا جديدًا من الصفارات يستخدمها عدة دلافين. لمعرفة معناها، قاموا بتجربة تشغيل هذه الأصوات المسجلة تحت الماء ورصدوا سلوك الدلافين. وجدوا أن صافرة من النوع «أ» جعلت الدلافين تهرب بعيدًا (مما يوحي بأنها نداء تحذير)، بينما صافرة من النوع «ب» جعلتها تقترب للتحقق (مما يوحي بأنها سؤال استفساري). تقول سايغ: «عملنا يظهر أن هذه الصفارات يمكن أن تعمل مثل الكلمات». هذا الاكتشاف المذهل، الذي فاز بالجائزة الافتتاحية لجائزة «كولر-دوليتل»، يشير إلى أن الدلافين قد تمتلك نظام تواصل شبيه باللغة.
الذكاء الاصطناعي: حجر رشيد الرقمي
أصبح الذكاء الاصطناعي هو الأداة الأحدث والأقوى في سباق فك شيفرة لغات الحيوانات. تمامًا كما ساعد «حجر رشيد» علماء اللغة على فهم الهيروغليفية المصرية، يعتقد علماء الكمبيوتر أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل الكميات الهائلة من البيانات الصوتية للكشف عن الأنماط الخفية التي قد لا يلاحظها البشر. يوسي يوفيل، خبير التواصل الحيواني، استخدم الذكاء الاصطناعي لفك شيفرة أصوات خفافيش الفاكهة المصرية. قام بتسجيل 15 ألف نداء لهذه الخفافيش التي تتشاجر باستمرار حول الطعام والمكان، وقام بتغذية هذه البيانات الصوتية والمرئية لنموذج ذكاء اصطناعي. لم يكتفِ النموذج بتحديد نوع الشجار الذي يدور، بل استطاع أيضًا تحديد معلومات عن هوية المتصل ومكانته الاجتماعية. وبالمثل، يستخدم «مشروع سيتي» الذكاء الاصطناعي لترجمة نداءات حيتان العنبر، واكتشف تعقيدات في لغتها تشبه «الأبجدية الصوتية».
المستقبل والمسؤولية الأخلاقية
يعتقد آزا راسكين، مؤسس «مشروع أنواع الأرض»، أننا مع كمية البيانات المتاحة وقوة الذكاء الاصطناعي، سنصل حتمًا إلى ترجمة لغات الحيوانات. السؤال الأهم حينها لن يكون «هل يمكننا التحدث؟» بل «ماذا يجب أن نقول؟». فالتواصل غير المدروس قد يسبب ضررًا كبيرًا، ويعطل الأنظمة الاجتماعية والبيئية المعقدة. لكنه قد يفعل الخير أيضًا، تمامًا كما أدت تسجيلات أغاني الحيتان في السبعينيات إلى حركة عالمية لحمايتها. في المستقبل القريب، قد نسمع نداء استغاثة من حوت عبر الذكاء الاصطناعي. السؤال الكبير هو: هل سنكون مستعدين للاستماع والتصرف؟