تمزج عشرات القنوات على يوتيوب بين الصور والفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي وادعاءات كاذبة حول محاكمة شون “ديدي” كومز، لتجذب ملايين المشاهدات وتحقق أرباحاً سريعة من صناعة التضليل.
مقدمة: صناعة الأكاذيب الرقمية
في عالم يتلهف على آخر أخبار المشاهير وفضائحهم، وجدت ظاهرة جديدة ومقلقة طريقها إلى منصة يوتيوب. تستغل عشرات القنوات صورًا ومقاطع فيديو تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ممزوجة بادعاءات كاذبة ومثيرة حول المحاكمة الشهيرة لمغني الراب والمنتج شون «ديدي» كومز، وذلك بهدف جذب عشرات الملايين من المشاهدات وتحقيق أرباح سريعة من وراء نشر المعلومات المضللة. يكشف تحقيق أجرته «Indicator» بالتعاون مع «الغارديان» عن شبكة من القنوات التي تتبع صيغة محددة لتصنيع ما يُعرف بـ«الخردة» أو «slop» – وهي وسائط منخفضة الجودة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
وفقًا للبيانات التي تم جمعها من يوتيوب، حصدت 26 قناة ما يقرب من 70 مليون مشاهدة من حوالي 900 مقطع فيديو متعلق بـ«ديدي» ومشبّع بالذكاء الاصطناعي على مدار الـ 12 شهرًا الماضية، مما يوضح حجم هذه الظاهرة المقلقة.
صيغة الخداع: عناوين وصور مصغرة صادمة
تتبع هذه القنوات صيغة متشابهة وفعالة بشكل خطير. عادةً ما يحتوي كل مقطع فيديو على عنوان وصورة مصغرة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تربط أحد المشاهير بـ«ديدي» من خلال ادعاء كاذب، مثل أن المشهور قد أدلى بشهادته للتو في المحاكمة، أو أن «ديدي» أجبره على فعل جنسي، أو أن المشهور كشف عن سر صادم. غالبًا ما تصور الصور المصغرة المشاهير في قاعة المحكمة أو في مواقف مريبة، مع اقتباسات مزيفة تهدف إلى الصدمة والإثارة، مثل «اغتصبني لمدة 16 ساعة» أو «ديدي دمر حياة بيبر».
من بين هذه القنوات، تبرز قناة «Peeper» التي حصدت أكثر من 74 مليون مشاهدة منذ إنشائها، وركزت بشكل كامل على محتوى «ديدي» خلال الأشهر الثمانية الماضية. أحد فيديوهاتها الأكثر انتشارًا يحمل عنوانًا كاذبًا: «جاستن بيبر يفضح ويل سميث، ديدي، وكلايف ديفيس لتورطهم في استغلاله»، وحصل على 2.3 مليون مشاهدة.
من محتوى بريء إلى «خردة» مضللة
الأمر المثير للقلق هو أن العديد من هذه القنوات لم تكن دائمًا مخصصة لنشر الأكاذيب. فقد تحولت قناة «Secret Story» إلى محتوى «ديدي» بعد أن كانت تنشر نصائح صحية وحياتية باللغة الفيتنامية. وقناة «Hero Story» تحولت إلى «ديدي» بعد أن كانت تنشر مقاطع فيديو عن حاكم بوركينا فاسو العسكري. كما تحولت قناة برازيلية كانت تجني ملايين المشاهدات من فيديوهات التطريز إلى محتوى «ديدي» قبل أقل من أسبوعين. هذا التحول السريع يظهر مدى سهولة وجاذبية استغلال الأحداث الرائجة لصناعة محتوى مضلل ومربح.
يقول فانر آرتس، الذي يدير العشرات من قنوات يوتيوب بمحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي: «إذا سألتني كيف يمكنني كسب 50,000 دولار في أسرع وقت ممكن؟ الخيار الأول قد يكون تجارة المخدرات، لكن الخيار الثاني ربما يكون بدء قناة عن ديدي».
الأتمتة «مجهولة الوجه» وتأثير الذكاء الاصطناعي
تعود هذه الظاهرة إلى اتجاهين متداخلين في عالم الربح من يوتيوب: الأتمتة والقنوات «مجهولة الوجه». تقوم فكرة أتمتة يوتيوب على أنه يمكن لأي شخص بناء عمل ناجح على المنصة من خلال إيجاد مجال مطلوب وعملية إنتاج فيديو منخفضة التكلفة. وبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح تحقيق حلم الأتمتة أسهل من أي وقت مضى.
يشرح آرتس أنه يمكن لأي شخص إنشاء نص باستخدام ChatGPT، وتوليد صور مصغرة باستخدام Midjourney، وإنشاء مقاطع فيديو باستخدام Google Veo 3، وإنهاء العملية بأداة مثل ElevenLabs لإنشاء تعليق صوتي بالذكاء الاصطناعي. ثم يمكن توظيف مستقلين من دول مثل الفلبين لتحرير الفيديو بتكلفة زهيدة. يقول آرتس: «لقد فتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام الكثير من الأشخاص ذوي الميزانيات المنخفضة لدخول عالم أتمتة يوتيوب»، مشيرًا إلى أنه من الممكن إنتاج فيديو بأقل من 10 دولارات.
استجابة يوتيوب والمعركة المستمرة
في مواجهة هذه الظاهرة، اتخذ يوتيوب بعض الإجراءات. قال جاك مالون، المتحدث باسم يوتيوب، إن الشركة «أنهت العديد من القنوات التي شاركتها Indicator لانتهاكها شروط الخدمة وسياسات البريد العشوائي». كما قامت الشركة بإلغاء تحقيق الدخل من عدة قنوات أخرى. ومع ذلك، لا تزال المعركة مستمرة، حيث تظهر قنوات جديدة باستمرار، وتنتشر هذه الظاهرة إلى منصات أخرى مثل تيك توك وبمختلف اللغات.
هذه القضية تسلط الضوء على تحدٍ كبير يواجه المنصات الرقمية والمجتمع ككل: كيف يمكننا محاربة وباء التضليل في عصر يمكن فيه للذكاء الاصطناعي أن يصنع الأكاذيب بشكل أسرع وأرخص وأكثر إقناعًا من أي وقت مضى؟ الإجابة تتطلب جهودًا مشتركة من الشركات التكنولوجية، والمشرعين، والمستخدمين أنفسهم لتعزيز الوعي والتفكير النقدي.