في خطوة تعكس محاولاتها المستمرة لموازنة الابتكار السريع مع متطلبات الأمان، أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي الرائدة «أوبن إي آي» يوم الاثنين عن إطلاق برنامج «زمالة السلامة»، وهو مبادرة جديدة تهدف إلى دعوة باحثين ومهندسين وممارسين من خارج الشركة لإجراء أبحاث مستقلة حول سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومواءمتها مع القيم الإنسانية. ومن المقرر أن يمتد هذا البرنامج الطموح من شهر سبتمبر من عام 2026 وحتى شهر فبراير من عام 2027.
يوفر البرنامج للمشاركين مجموعة واسعة من المزايا التي تشمل راتبا شهريا، وموارد حوسبة متقدمة، وتوجيها وإرشادا من قبل خبراء وموظفي الشركة، بالإضافة إلى مساحة عمل مخصصة في مركز أبحاث «كونستيليشن» في مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا الأمريكية، مع إتاحة خيار العمل عن بعد لمن يفضل ذلك.
محاور زمالة السلامة وشروط الانضمام
سيركز الباحثون المشاركون في الزمالة على مجالات بالغة الأهمية، تشمل تقييمات السلامة، والأخلاقيات، ومتانة الأنظمة، وأساليب الأمان التي تحافظ على الخصوصية، والإشراف الآلي المستقل، بالإضافة إلى دراسة مجالات إساءة الاستخدام عالية الخطورة. وقد أوضحت الشركة أنها تسعى لجذب متقدمين من خلفيات متنوعة للغاية، تضم علوم الحاسوب، والعلوم الاجتماعية، والأمن السيبراني، والخصوصية، والتفاعل بين الإنسان والحاسوب.
ويعتبر هذا البرنامج فرصة ذهبية للباحثين الطموحين الذين يسعون لإحداث تأثير حقيقي في مستقبل التكنولوجيا؛ حيث تتكفل الشركة بتقديم كافة التسهيلات التقنية واللوجستية. وأكدت «أوبن إي آي» أن القدرة البحثية والحكم التقني السليم سيحظيان بأولوية قصوى على حساب المؤهلات الأكاديمية التقليدية. وفي نهاية البرنامج، يُتوقع من المشاركين تقديم مخرجات بحثية ملموسة، مثل الأوراق العلمية، أو المعايير المرجعية، أو مجموعات البيانات المفتوحة التي تخدم مجتمع الذكاء الاصطناعي بأسره.
تحديات السلامة وانتقادات تسريع التسويق التجاري
تأتي هذه المبادرة في وقت تواجه فيه الشركة تساؤلات مستمرة حول ما إذا كان سعيها نحو التسويق التجاري السريع لمنتجاتها قد تفوق على التزاماتها الأساسية تجاه الأمان والسلامة. ففي وقت سابق من هذا العام، طالبت الحكومة الكندية الشركة بتعزيز بروتوكولات السلامة الخاصة بها بعد أن تبين أن الشركة لم تبلغ سلطات إنفاذ القانون عن حساب مرتبط بمشتبه به في حادثة إطلاق نار داخل إحدى المدارس.
إلى جانب ذلك، وجه باحثون سابقون في الشركة اتهامات للإدارة بأنها تنتقي وتنشر فقط نتائج السلامة الإيجابية التي تخدم مصالحها، مما أثار مخاوف من وجود اتجاه عام في الصناعة نحو تخفيف القيود الوقائية الصارمة، وهو ما جذب تدقيقا واسع النطاق من قبل المنظمين والمجتمع المدني.
رؤية اقتصادية جديدة لزمن الذكاء الاصطناعي
لا تقتصر تحركات الشركة على الجوانب التقنية، بل تمتد لتشمل المشهد الاقتصادي والسياسي. فالزمالة تعتبر جزءا من توجه سياسي أوسع نطاقا. وفي نفس اليوم، أصدرت الشركة وثيقة مكونة من 13 صفحة تحت عنوان «السياسة الصناعية لعصر الذكاء: أفكار لوضع الإنسان في المقام الأول»، والتي تطرح من خلالها مقترحات للحكومات لإدارة الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي الذي تزداد قوته يوما بعد يوم.
تدعو الوثيقة إلى تأسيس صندوق ثروة عام يمنح المواطنين حصة مباشرة في النمو الاقتصادي الذي يحركه الذكاء الاصطناعي. كما تقترح فرض ضرائب على العمالة المؤتمتة، ودعم تطبيق أسبوع عمل مدته أربعة أيام، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي بتمويل يعتمد على تحويل العبء الضريبي من العمالة البشرية إلى رأس المال الآلي.
«نحن ندخل مرحلة جديدة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي الذي سيعيد تشكيل العمل والمعرفة والإنتاج بشكل جذري».
هكذا وصفت الشركة في وثيقتها ملامح المرحلة القادمة، مشيرة إلى أن هذه المقترحات تمثل نقطة انطلاق للنقاش المفتوح وليست توصيات نهائية ملزمة. وتعكس هذه المقترحات إدراكا متزايدا بأن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي لن يؤثر فقط على الجوانب التقنية، بل سيحدث زلزالا في بنية سوق العمل والاقتصاد العالمي.
منح بحثية ضخمة وردود أفعال متباينة
لتشجيع العمل على هذه الأفكار، تعمل الشركة على تأسيس زمالات إضافية وتقديم منح بحثية تصل قيمتها إلى 100,000 دولار أمريكي، إلى جانب توفير أرصدة لبرمجة واجهات التطبيقات بقيمة تصل إلى مليون دولار أمريكي للمشاريع التي تبني على الأفكار السياسية الواردة في الوثيقة. كما تخطط لعقد ورشة عمل في العاصمة الأمريكية واشنطن في شهر مايو المقبل لجمع الأطراف المعنية وتوسيع دائرة النقاش.
رغم هذه التحركات، شكك النقاد في النوايا الحقيقية وراء إطار العمل الذي تطرحه الشركة. فقد أفادت تقارير صحفية، مثل تلك التي نشرتها مجلة «فورتشن»، بأن بعض المراقبين ينظرون إلى هذه المقترحات السياسية على أنها شكل من أشكال «العدمية التنظيمية»، أي أنها محاولة لتشكيل قواعد تنظيمية تخدم مصالح الشركة في المقام الأول، مع التظاهر بأنها جهة فاعلة تسعى للصالح العام. ويشير المحللون إلى أن التداخل بين عالم المال والأعمال من جهة، والتشريعات الحكومية من جهة أخرى، يجعل من الصعب تقبل هذه المقترحات دون فحص دقيق لدوافعها الخفية.
من جانبها، أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن توقيت طرح هذه المقترحات يتزامن مع استعداد الكونغرس لمناقشة تشريعات حاسمة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وفي وقت تسعى فيه إدارة ترامب للحصول على دعم قطاع التكنولوجيا قبيل الانتخابات. وفي السياق ذاته، وصفت منصة «جيزمودو» الوثيقة بأنها غامضة وتفتقر إلى التفاصيل، مشيرة إلى أن الشركة كانت تردد مثل هذه الأفكار لسنوات طويلة دون أن تقدم حلولا عملية أو خطوات واضحة توضح ما يجب على أي جهة القيام به لمواجهة هذه التحديات المعقدة.
الأسئلة الشائعة
ما هي زمالة السلامة التي أطلقتها الشركة مؤخراً؟
هي برنامج بحثي يستقطب خبراء وباحثين من خارج الشركة لدراسة مجالات الأمان، والأخلاقيات، والخصوصية للذكاء الاصطناعي، وسيمتد البرنامج من شهر سبتمبر من عام 2026 إلى شهر فبراير من عام 2027.
ما هي أبرز المقترحات الاقتصادية في وثيقة سياسات الشركة؟
اقترحت الشركة إنشاء صندوق ثروة عام، وفرض ضرائب على العمل المؤتمت، وتخفيض أيام العمل الأسبوعية إلى أربعة أيام، بالإضافة إلى توسيع شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الأفراد من اضطرابات سوق العمل.
لماذا تواجه الشركة انتقادات متزايدة بشأن سياسات الأمان؟
يتهم بعض الباحثين والنقاد الشركة بتسريع الإطلاق التجاري لمنتجاتها على حساب معايير الأمان، بالإضافة إلى اتهامات بانتقاء البيانات الإيجابية فقط عند نشر تقارير السلامة، وتجاهل بعض الحوادث الحرجة كما حدث في كندا.
ما هي قيمة المنح التي ستقدمها الشركة لدعم أبحاث السياسات؟
تخطط الشركة لتقديم منح بحثية تصل قيمتها إلى 100,000 دولار أمريكي، بالإضافة إلى أرصدة لاستخدام واجهات برمجة التطبيقات تصل قيمتها إلى مليون دولار أمريكي للمشاريع التي تبني على أفكار الوثيقة السياسية.