في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف العالمية والمجتمعية من سوء استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في انتهاك الخصوصية، كشف تقرير استقصائي صادم نشرته المنظمة غير الربحية «تيك ترانسبرنسي بروجيكت» في 25 يوليو، عن خلل جسيم وفاضح في نظام الرقابة الإعلانية لشركة «ميتا» التكنولوجية. ووفقا للتقرير المفصل، قامت منصتا «فيسبوك» و«إنستجرام» التابعتان للشركة بعرض ما يقرب من 7600 إعلان تجاري مخصص للترويج لتطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على تعرية النساء رقميا دون موافقتهن. والأمر الأكثر إثارة للجدل والقلق هو أن جميع هذه الإعلانات الصريحة تم بثها ونشرها من خلال وكالة إعلانية واحدة معتمدة وموثوقة من قبل الشركة نفسها ومقرها في العاصمة الصينية بكين. وتكشف هذه النتائج الخطيرة عن فجوة عميقة وواضحة بين السياسات الرسمية المعلنة لشركة «ميتا»، والتي تحظر صراحة وبشكل قاطع كافة تطبيقات التعرية والإعلانات ذات المحتوى الجنسي الفاضح، وبين التطبيق الفعلي والصارم لهذه القواعد، خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقات تجارية مربحة جدا مع شركاء دوليين يدرون عائدات مالية ضخمة للشركة.
- شبكة الإعلانات وتجاوز سياسات المحتوى الآمن
- دور الشريك الصيني والمكافآت السابقة الممنوحة
- ردود الأفعال الرسمية والإجراءات المتخذة للحد من الأزمة
- السياق الاقتصادي الأوسع والتشريعات الفيدرالية الأمريكية
- أسئلة شائعة
شبكة الإعلانات وتجاوز سياسات المحتوى الآمن
تمكن فريق التحقيق والباحثون في منظمة «تيك ترانسبرنسي بروجيكت» من تحديد شبكة معقدة وواسعة تتكون من 43 صفحة عامة على منصة «فيسبوك»، جميعها مرتبطة بشكل مباشر بوكالة «جاذر وان» الصينية. وقد قامت هذه الصفحات بتشغيل الآلاف من الحملات الإعلانية المروجة لتطبيقات تم التحقق منها بشكل مستقل وثبت قدرتها الفعلية على تركيب وجوه النساء على أجساد عارية أو إدراجها في مقاطع فيديو إباحية مزيفة بدقة عالية جدا بفضل خوارزميات الذكاء التوليدي. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اتسع نطاق التحقيق الاستقصائي ليشمل مجموعة أوسع بكثير تضم 210 صفحات مرتبطة بنفس الوكالة، والتي قامت مجتمعة بتشغيل وعرض أكثر من 30800 إعلان تروج لأدوات استبدال الوجوه المتقدمة وغيرها من أدوات الذكاء الاصطناعي المشبوهة. وفي نهاية المطاف، وبعد أن حققت هذه الحملات وصولا للمستخدمين، اضطرت شركة «ميتا» إلى إزالة الإعلانات من 85 بالمائة من هذه الصفحات لانتهاكها الصارخ لمعايير المجتمع الخاصة بالاستغلال الجنسي والعري. ومن بين التطبيقات التي تم الترويج لها بكثافة، تطبيق يقدم ميزة سريعة تُعرف بـ «التعرية بنقرة واحدة»، وتطبيق آخر يُدعى «بي أفتر» والذي حظي بمراجعات من المستخدمين تشير بوضوح إلى احتوائه على مواد تتعلق بالاعتداء الجنسي على الأطفال، وهو ما دفع الشركة لحظر هذا التطبيق لاحقا وبشكل دائم بعد افتضاح أمره إعلاميا.
دور الشريك الصيني والمكافآت السابقة الممنوحة
تسلط هذه الفضيحة الأخلاقية الضوء بشكل مباشر على وكالة «جاذر وان»، وهي واحدة من بين حوالي 11 وكالة إعلانية صينية كبرى تم اختيارها بعناية من قبل قيادة شركة «ميتا» لتكون حلقة الوصل المباشرة والرسمية بين الشركات الصينية والجمهور العالمي. وتُعد هذه الوكالة من اللاعبين الكبار في سوق الإعلانات الرقمية الآسيوية، حيث تقوم بتوليد وإدارة أكثر من 30000 إعلان شهريا نيابة عن عملائها. ومما يزيد من الحرج لشركة التكنولوجيا الأمريكية هو أن وكالة «جاذر وان» كانت قد حصلت على أربع جوائز متخصصة ومتميزة في الأداء الصناعي خلال قمة وكلاء «ميتا» لعام 2026 التي أقيمت في هونج كونج في شهر يناير الماضي. هذا التكريم يعكس مدى القوة والعلاقة الوثيقة التي كانت تجمع بين الطرفين قبل الكشف عن هذه الانتهاكات الصارخة للسياسات الأخلاقية والمجتمعية التي تدعي الشركة الالتزام بها.
ردود الأفعال الرسمية والإجراءات المتخذة للحد من الأزمة
في أعقاب نشر هذا التقرير المدوي والمؤثر، سارعت «سيندي ساوثوورث»، رئيسة سياسة سلامة المرأة في شركة «ميتا»، إلى إصدار تصريحات تؤكد فيها بقوة أن الشركة لا تتسامح مطلقا مع نشر الصور الحميمية غير الرضائية أو الترويج لتطبيقات التعرية الرقمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي على منصاتها المختلفة. وأكدت الإدارة أن المعلنين الذين يثبت انتهاكهم لهذه السياسات الحازمة يواجهون مخاطر الإلغاء الفوري لحملاتهم الإعلانية، بالإضافة إلى فرض عقوبات مالية رادعة، والإنهاء الدائم لحساباتهم ومنعهم من الوصول للمنصة. من جانبها، وتحت الضغط الإعلامي، أصدرت وكالة «جاذر وان» بيانا رسميا أكدت فيه أنها قامت فورا بتعليق جميع الحسابات الإعلانية الجديدة التي تروج لخدمات التعرية، أو استبدال الوجوه، أو خدمات ما يُعرف بـ «صديقة الذكاء الاصطناعي» الافتراضية. وأشارت الوكالة إلى أنها تقوم حاليا بتنفيذ عملية ترقية شاملة لأنظمة الامتثال الداخلي لديها لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل. كما تم حظر حساب أحد المعلنين الرئيسيين بشكل دائم بعد أن تم إزالة تطبيقه المذكور في التقرير من متجر «جوجل بلاي» في 21 يوليو الماضي.
السياق الاقتصادي الأوسع والتشريعات الفيدرالية الأمريكية
تأتي هذه التسريبات والتجاوزات في وقت حساس للغاية بالنسبة لشركة «ميتا»، حيث أصبحت الصين تمثل أحد أهم وأضخم أسواقها الإعلانية على الإطلاق، حيث ولّدت السوق الصينية إيرادات ضخمة للشركة بلغت 18.35 مليار دولار في عام 2024 وحده. ووفقا لتقرير صادر عن وكالة «رويترز» في ديسمبر 2025 يستند إلى وثائق داخلية مسربة، فإن الشركة قدرت في حساباتها أن حوالي 19 بالمائة من إيرادات الإعلانات القادمة من الصين، أي ما يزيد عن 3 مليارات دولار، جاءت من إعلانات تروج لعمليات احتيال، ومقامرة غير قانونية، ومواد إباحية، وغيرها من المحتويات المحظورة. تتزامن هذه الاكتشافات المروعة مع بدء لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية في شهر مايو بتطبيق أحكام قانون جديد تم توقيعه العام الماضي تحت اسم «قانون إزالة المحتوى»، والذي يُجرم بشكل قاطع وفيدرالي نشر الصور الجنسية غير الرضائية بجميع أشكالها. وقد كشف مسح ميداني أكاديمي أجرته جامعة «جورج ماسون» أن أكثر من نصف المراهقين الأمريكيين البالغ عددهم 557 مشاركا في الدراسة قد استخدموا أدوات التعرية الرقمية على أنفسهم أو على الآخرين، مما ينذر بأزمة مجتمعية خطيرة تتطلب تدخلا تنظيميا وحازما من قبل الحكومات والشركات على حد سواء.
أسئلة شائعة
السؤال: ما هو عدد الإعلانات المخالفة التي تم رصدها على منصات ميتا؟
الإجابة: تم رصد حوالي 7600 إعلان مخصص للترويج لتطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على تعرية النساء رقميا، بالإضافة إلى أكثر من 30800 إعلان متعلق بأدوات التلاعب واستبدال الوجوه.
السؤال: من هو الطرف المباشر المسؤول عن تمرير هذه الإعلانات للمنصة؟
الإجابة: تم بث الإعلانات ونشرها عن طريق وكالة إعلانية صينية معتمدة وموثوقة من قبل الشركة تُدعى «جاذر وان»، ومقرها في العاصمة بكين، وهي مسؤولة عن ربط المعلنين بالجمهور.
السؤال: ما هي الإجراءات التي اتخذتها ميتا فورا بعد كشف التقرير؟
الإجابة: قامت الشركة بحظر التطبيقات المخالفة كليا، وحذفت الإعلانات من 85 بالمائة من الصفحات المرتبطة، وأكدت على فرض عقوبات مالية وإغلاق الحسابات التي تنتهك سياسات المحتوى الآمن.
السؤال: ما هو حجم الأرباح السنوية التي تحققها ميتا من الإعلانات الصينية؟
الإجابة: بلغت عائدات الإعلانات القادمة من الصين حوالي 18.35 مليار دولار في عام 2024، مع تقديرات سابقة بوجود نسبة 19 بالمائة منها تأتي من إعلانات محظورة ومخالفة للسياسات العامة.