في خطوة تعكس تصاعد التوترات الداخلية في أروقة كبرى شركات التكنولوجيا حول الحدود الفاصلة بين الابتكار المدني والاستخدام العسكري، وقع مئات الموظفين العاملين في شركة «غوغل»، يوم الاثنين، على رسالة مفتوحة موجهة بشكل مباشر إلى الرئيس التنفيذي للشركة، سوندار بيتشاي. وتضمنت الرسالة مطالبة واضحة وصريحة بضرورة عدم السماح لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة التي تطورها الشركة في أي أعباء عمل سرية أو مهام عسكرية حساسة.
مسؤولية أخلاقية تجاه التكنولوجيا
وأكد الموظفون الموقعون على الرسالة، والذين تجاوز عددهم المئات ومن ضمنهم أكثر من 18 من كبار الموظفين والمهندسين الاستراتيجيين في الشركة، أنهم يشعرون بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم بسبب عملهم المباشر على تطوير هذه التقنيات المتقدمة. وجاء في نص الرسالة أن الموقعين يرون أن «قربهم من هذه التكنولوجيا يخلق مسؤولية لتسليط الضوء على أبرز استخداماتها غير الأخلاقية والخطيرة ومنعها»، مؤكدين أن الابتكار يجب أن يكون موجهاً لخدمة الإنسانية وليس لتدميرها.
ولم تقتصر مخاوف الموظفين على الجوانب العامة للاستخدام العسكري، بل تعمقت لتشمل تحذيرات دقيقة من إمكانية توظيف هذه الأنظمة الذكية في تطوير أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل، أو استخدامها في عمليات المراقبة الجماعية التي تنتهك حقوق الإنسان وحرية الأفراد. وبحسب ما ورد في الرسالة، فإن هذه المخاوف «تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك»، مما يعكس قلقاً عميقاً من التداعيات المستقبلية المجهولة لتسليح التكنولوجيا المتطورة.
«في الوقت الحالي، فإن الطريقة الوحيدة لضمان عدم ارتباط شركة غوغل بمثل هذه الأضرار هي الرفض القاطع لأي أعباء عمل سرية».
معضلة الدقة ومخاطر الأخطاء الآلية
وإلى جانب المخاوف الأخلاقية العميقة، سلط الموقعون الضوء على قضية تقنية بالغة الأهمية تتمثل في مدى دقة هذه المنصات والأنظمة. فقد أعربوا عن قلقهم البالغ إزاء الاعتماد على هذه البرمجيات في اتخاذ قرارات حاسمة، مشيرين بوضوح إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ليست خالية من العيوب، بل إنها ترتكب أخطاء تقنية جسيمة. وفي السياق العسكري أو الأمني، قد تؤدي هذه الأخطاء إلى نتائج كارثية لا يمكن تداركها، سواء من حيث الخسائر في الأرواح أو تصعيد التوترات والصراعات بشكل غير مبرر ومبني على بيانات خاطئة.
مفاوضات سرية وتوسيع نطاق التعاون
وتأتي هذه الرسالة الاحتجاجية في أعقاب تقرير استقصائي مفصل نشرته منصة «ذا إنفورميشن»، والذي كشف عن وجود مفاوضات متقدمة تجري بين وزارة الدفاع الأمريكية وشركة «غوغل» بشأن صفقة محتملة ضخمة. وأفاد التقرير بأن هذه الاتفاقية المرتقبة من شأنها أن تسمح للبنتاغون باستخدام تقنيات الشركة المتقدمة في «جميع الاستخدامات المشروعة»، وهو مصطلح يراه الموظفون فضفاضاً ويثير الكثير من علامات الاستفهام حول ماهية هذه الاستخدامات وحدودها الفعلية على أرض الواقع العسكري.
سابقة «أنثروبيك» والضغوط الحكومية
وتكتسب هذه المفاوضات طابعاً استثنائياً بالنظر إلى السياق الزمني الذي تبلورت فيه، إذ تأتي بعد شهرين فقط من إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن تصنيف شركة «أنثروبيك» المتخصصة في تكنولوجيا التعلم الآلي كخطر على سلسلة التوريد. ويعد هذا التصنيف بمثابة علامة تحذيرية حكومية يمكن للبنتاغون إطلاقها على الشركات التي يُعتقد أنها قد تعرض الأنظمة العسكرية لاحتمالات الاختراق أو التخريب من قبل الخصوم الاستراتيجيين.
وفي خطوة غير مسبوقة، قام هيغسيث بمنع شركة «أنثروبيك» من الحصول على عقود عسكرية محددة. وقد جاء هذا القرار الحكومي الصارم كرد فعل مباشر على رفض الشركة القاطع السماح للجيش الأمريكي باستخدام روبوت الدردشة الآلي الخاص بها، والمعروف باسم «كلود»، في أي مهام تتعلق بالمراقبة أو تطوير الأسلحة المستقلة. وقد أثبتت هذه الشركة من خلال هذا الرفض التزامها بمبادئها الأخلاقية، مما دفع الحكومة للبحث عن بدائل أخرى لتلبية احتياجاتها التقنية.
تدخلات إدارة ترامب
وعلى الصعيد السياسي، فقد دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط هذه الأزمة، حيث حث جميع الإدارات والدوائر الحكومية على التوقف الفوري عن استخدام منصات وأنظمة شركة «أنثروبيك». وتزيد هذه الضغوط الرئاسية من تعقيد المشهد، إذ تضع الشركات التكنولوجية الكبرى مثل غوغل في موقف حرج للغاية بين الامتثال للمتطلبات الحكومية والعسكرية للاستحواذ على عقود ضخمة من جهة، وبين الحفاظ على المبادئ الأخلاقية وتلبية مطالب موظفيها المعارضين لتسليح وتسخير هذه التكنولوجيا المدنية لأغراض عسكرية من جهة أخرى.
الأسئلة الشائعة
لماذا عارض موظفو غوغل تعاون الشركة مع البنتاغون؟
وقع مئات الموظفين رسالة مفتوحة تطالب الرئيس التنفيذي بعدم السماح للبنتاغون باستخدام تقنيات الشركة في الأعمال السرية، وذلك لأسباب أخلاقية وتخوفاً من استخدامها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل وعمليات المراقبة الجماعية.
ما هي المخاوف التقنية التي تمنع دمج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري؟
أشار الموظفون إلى أن هذه الأنظمة المتطورة لا تزال غير دقيقة تماماً وترتكب أخطاء برمجية وحسابية. وفي السياق العسكري، يمكن أن تتسبب هذه الأخطاء في أضرار كارثية وخسائر بشرية لا يمكن تداركها.
لماذا تم حظر استخدام تقنيات شركة أنثروبيك من قبل وزارة الدفاع؟
صنفت وزارة الدفاع الأمريكية شركة «أنثروبيك» كخطر على سلسلة التوريد، ومنعتها من عقود عسكرية محددة بعد أن رفضت الشركة السماح للجيش باستخدام روبوت «كلود» في مهام المراقبة أو التسلح العسكري، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب أيضاً لحث الإدارات الحكومية على مقاطعة أنظمتها.