في خطوة تعكس تسارع وتيرة التنافس في عالم التكنولوجيا المتقدمة، اتخذت شركة «ميتا» مسارا هجوميا جديدا عبر توظيف مؤسسي وفريق عمل شركة دريمر الناشئة المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي. يأتي هذا التحرك ضمن سلسلة من صفقات الاستحواذ على المواهب التي تبرمها الشركة في سعيها الحثيث لبناء وكلاء ذكاء اصطناعي متطورين ومتاحين على مدار الساعة للمستخدمين.
وقد أُعلن عن هذه الخطوة، التي تُعرف في الأوساط التقنية باسم الاستحواذ بغرض التوظيف، يوم الإثنين من خلال منشور داخلي صادر عن رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في الشركة، ألكسندر وانغ، والذي اطلعت عليه وكالة بلومبرغ. وبموجب هذا الإعلان، سينضم فريق شركة دريمر بالكامل إلى قسم «مختبرات الذكاء الفائق» الذي تم إنشاؤه حديثا داخل مؤسسة «ميتا».
فريق من عمالقة التكنولوجيا وخبراء الصناعة
تجلب هذه الصفقة الاستثنائية خبرات تقنية متراكمة إلى أروقة شركة «ميتا»، حيث يضم الفريق المؤسس لشركة دريمر كلا من هوغو بارا، وديفيد سينغلتون، ونيكولاس جيتكوف. وتعتبر هذه العودة بمنزلة حدث بارز بالنسبة لهوغو بارا، الذي شغل سابقا منصب نائب رئيس إدارة منتجات نظام أندرويد في شركة «غوغل»، قبل أن ينتقل لاحقا ليقود قسم الواقع الافتراضي «أوكولوس في آر» داخل «ميتا»، وهو المنصب الذي غادره في عام 2021.
أما ديفيد سينغلتون، فيمتلك سجلا حافلا بالنجاحات، حيث عمل سابقا كمدير للتكنولوجيا في شركة المدفوعات العالمية «سترايب»، فضلا عن توليه مناصب قيادية بارزة في الإدارة الهندسية لدى «غوغل». وينضم إليهم نيكولاس جيتكوف، الذي عُرف بإدارته لفريق التصميم الخاص بنظام التشغيل «كروم أو إس» التابع لشركة «غوغل». هذا التجمع الفريد للمواهب المتميزة يمنح «ميتا» أفضلية استراتيجية واضحة في مسيرتها التطويرية.
تفاصيل الصفقة: المواهب بدلا من التكنولوجيا
من اللافت للنظر في هذا الاتفاق أن شركة «ميتا» لم تستحوذ على التكنولوجيا أو الملكية الفكرية الخاصة بـ شركة دريمر، بل ركزت بشكل حصري على استقطاب العقول والمواهب البشرية التي تقف خلفها. وكانت هذه الشركة الناشئة قد نجحت في جمع تمويل ضخم بلغ 56 مليون دولار أمريكي في أواخر عام 2024، محققة تقييما إجماليا وصل إلى 500 مليون دولار أمريكي. ومن المثير للاهتمام أن ألكسندر وانغ نفسه كان من بين المستثمرين المبكرين في هذه الشركة، وذلك وفقا لما أوردته تقارير بلومبرغ.
وقد أطلقت شركة دريمر منصتها التجريبية في شهر فبراير من عام 2026، حيث قدمت نفسها للسوق التكنولوجي على أنها نظام تشغيل متكامل لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وتتميز هذه المنصة بقدرتها على تمكين أي مستخدم من بناء وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين بسهولة فائقة، وذلك بالاعتماد كليا على الأوامر المكتوبة باللغة الطبيعية دون الحاجة إلى خبرات برمجية معقدة أو كتابة أكواد طويلة. لقد صُممت لتكون بمنزلة مساحة عمل ذكية تتكيف مع متطلبات المستخدم اليومية وتلبي احتياجاته المتنوعة، مما جعلها محط أنظار كبار المستثمرين والشركات التكنولوجية الكبرى حول العالم.
تعزيز الترسانة التقنية لشركة «ميتا»
بمجرد انضمامهم الرسمي، سيتولى الخبراء القادمون من شركة دريمر مهمة حيوية تتمثل في تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين يعملون بصفة دائمة. وتهدف هذه المشاريع إلى دمج الوكلاء الذكيين عبر جميع الأسطح والمنصات التابعة لشركة «ميتا»، بالإضافة إلى تضمينهم في الأجهزة القابلة للارتداء التي تنتجها الشركة. وسيعمل الفريق تحت الإشراف المباشر لألكسندر وانغ في «مختبرات الذكاء الفائق»، وهو القسم الذي يقوده وانغ بالاشتراك مع نات فريدمان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غيت هاب».
وتعول الشركة بشكل كبير على هذه التقنيات الحديثة لإحداث ثورة في كيفية تفاعل المستخدمين مع أجهزتهم اليومية. فالهدف النهائي ليس مجرد تقديم ردود آلية، بل خلق مساعدين شخصيين يرافقون المستخدم في كل لحظة، سواء من خلال تطبيقات المراسلة أو عبر النظارات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء. وهذا التحول يمثل انتقالا جذريا من مفهوم التطبيقات التقليدية إلى عصر الخدمات الاستباقية التي تفهم سياق حياة المستخدم وتقدم له الدعم الفوري والحلول المبتكرة قبل حتى أن يطلبها.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية هجومية واسعة النطاق لتوظيف الكفاءات النادرة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهي الاستراتيجية التي برزت بوضوح منذ انضمام وانغ إلى «ميتا» في منتصف عام 2025. وقد ارتبط قدوم وانغ باستثمار هائل بلغت قيمته 14.3 مليار دولار أمريكي في شركة «سكيل إي آي». وفي السياق ذاته، كانت «ميتا» قد استحوذت في وقت سابق من هذا العام على شركة «مانوس» الصينية الناشئة المتخصصة أيضا في وكلاء الذكاء الاصطناعي، في صفقة ضخمة تجاوزت قيمتها ملياري دولار أمريكي.
ولم تكتفِ الشركة بذلك، بل واصلت جهودها الحثيثة لاستقطاب أبرز الباحثين والعلماء من الشركات المنافسة مثل «أوبن إي آي» و«أنثروبيك» و«غوغل»، من خلال تقديم عروض تعويضات وحزم أجور خيالية تشير التقارير إلى أنها تتكون من تسعة أرقام، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها الإدارة العليا لهذا القطاع الحيوي.
اشتداد سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي
يأتي دمج فريق شركة دريمر داخل منظومة «ميتا» في وقت تشهد فيه الساحة التقنية منافسة شرسة ومحتدمة مع شركات عملاقة مثل «غوغل» و«أوبن إي آي» وغيرها، وذلك بهدف تحديد ورسم ملامح الجيل القادم من البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ومما يبرز سرعة التحولات في هذا المجال، ما حدث في أوائل شهر مارس من عام 2026، حيث ظهر ديفيد سينغلتون في قمة «أبفرونت» متحدثا بشغف عن الرؤية الطموحة لشركته. وقد وصف منصتهم آنذاك بأنها بيئة تفاعلية تتيح لـ «أي شخص بناء واكتشاف والاستمتاع بوكلاء الذكاء الاصطناعي». وبعد مرور أسابيع قليلة فقط على هذا التصريح، انتقلت هذه الرؤية المتطورة لتبدأ فصلا جديدا وتتبلور فعليا داخل أروقة واحدة من كبريات شركات التكنولوجيا في العالم.
ويؤكد هذا التطور المتسارع أن السباق نحو ابتكار الذكاء الاصطناعي الأقوى والأكثر مرونة لم يعد يقتصر على تطوير النماذج اللغوية فحسب، بل امتد ليشمل بناء أنظمة متكاملة تستطيع اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بذكاء واستقلالية تامة. ومع استقطاب هذا الفريق الاستثنائي، تبدو «ميتا» مستعدة تماما لخوض غمار هذه المرحلة المتقدمة وفرض سيطرتها على مستقبل التقنية التفاعلية.
الأسئلة الشائعة
ما هي التخصصات الأساسية لشركة دريمر الناشئة؟
هي شركة ناشئة متخصصة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، أطلقت منصتها في فبراير عام 2026 كنظام تشغيل متكامل يتيح لأي شخص بناء وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين بسهولة باستخدام الأوامر باللغة الطبيعية دون الحاجة لخبرة برمجية.
لماذا اختارت شركة ميتا الاستحواذ على هذا الفريق تحديدا؟
قامت الشركة بالاستحواذ على الفريق للاستفادة من خبراتهم التقنية الواسعة وتعزيز قدرات قسم «مختبرات الذكاء الفائق» الجديد، وذلك بهدف بناء وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين يعملون بصفة دائمة عبر منصات الشركة وأجهزتها القابلة للارتداء.
هل شملت الصفقة الاستحواذ على تكنولوجيا شركة دريمر؟
لا، هذه الصفقة تُصنف كاستحواذ بغرض التوظيف، حيث اقتصرت بشكل حصري على انتقال مؤسسي الشركة وفريق العمل بالكامل للعمل داخل أروقة ميتا، دون شراء التكنولوجيا أو الملكية الفكرية الخاصة بالمنصة التجريبية.