بعد سنوات من الضجيج والإنفاق الهائل، تشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى تراجع غير متوقع في اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي. هل بدأ «إرهاق الذكاء الاصطناعي» بالتأثير على الإنتاجية، أم أن التكنولوجيا لم ترقَ إلى مستوى التوقعات بعد؟
محتويات المقالة:
- هل بدأت فقاعة الذكاء الاصطناعي بالانحسار؟
- بيانات صادمة من مكتب الإحصاء الأمريكي
- الصورة الكبرى: تزايد الرفض للذكاء الاصطناعي
- علامة حمراء لصناعة تريليونية
- الضجيج مقابل الواقع: لعبة تجريبية أم أداة إنتاجية؟
- إرهاق الذكاء الاصطناعي وفجوة الأداء
- ضغوط مالية هائلة على الصناعة
- أسئلة شائعة
هل بدأت فقاعة الذكاء الاصطناعي بالانحسار؟
بعد ثلاث سنوات من الإنفاق التكنولوجي غير المسبوق والضجيج المستمر، يبدو أن الطلب على الذكاء الاصطناعي في مكان العمل بدأ يجف بسرعة. لقد تم الترويج للذكاء الاصطناعي باعتباره التكنولوجيا التي ستغير العالم وتعيد تشكيل طريقة عملنا، ولكن البيانات الأخيرة ترسم صورة مختلفة تماماً عن هذا التبني الواسع المتوقع.
بيانات صادمة من مكتب الإحصاء الأمريكي
بالإشارة إلى بيانات من استطلاع حديث لمكتب الإحصاء الأمريكي، قدرت مجلة الإيكونوميست أن النسبة المئوية للأمريكيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي «لإنتاج السلع والخدمات» في الشركات الكبيرة بلغت 11 بالمائة فقط في أكتوبر، وهو أحدث تاريخ متاح للاستطلاع. ليس الرقم متواضعاً فحسب بالنسبة لتكنولوجيا من المفترض أن تغير العالم، ولكنه يتحرك فجأة في الاتجاه الخاطئ: تشير المجلة المالية إلى أن النسبة المئوية انخفضت فعلياً من 12 بالمائة في الاستطلاع السابق، الذي أجري قبل أسبوعين.
الصورة الكبرى: تزايد الرفض للذكاء الاصطناعي
النظر إلى الصورة الكبيرة لا يجعلها أجمل. في مارس الماضي، بلغ عدد الشركات التي تضم ما بين 100 و 249 موظفاً والتي أفادت بعدم استخدام الذكاء الاصطناعي خلال الأسبوعين الماضيين 74.1 بالمائة. تظهر نتائج الاستطلاع ارتفاعاً مطرداً في نتائج «لا» خلال الأشهر القليلة الماضية، وبلغت ذروتها بنسبة مروعة بلغت 81.4 بالمائة اعتباراً من أحدث استطلاع.
بالنسبة للشركات الكبيرة التي تضم أكثر من 250 موظفاً، فقد ارتفعت تقارير «لا» إلى 68.6 بالمائة، ارتفاعاً من أدنى مستوى لهذا العام البالغ 62.4 بالمائة المسجل في فبراير. هذا يشير إلى أن حتى الشركات الكبرى التي تمتلك الموارد اللازمة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا تتبناه بالسرعة المتوقعة.
علامة حمراء لصناعة تريليونية
لا تمثل هذه البيانات سوى علامة حمراء رئيسية لصناعة من المتوقع أن تنفق 5 تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من الآن وحتى عام 2030. وللقيام بذلك، سيتطلب الأمر زيادة هائلة في الإيرادات من استخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال التجارية والشخصية على حد سواء، وقد كان الأخير متخلفاً عن الركب. لسوء حظ صناعة التكنولوجيا، لا يقوم عملاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات بسد الفجوة.
الضجيج مقابل الواقع: لعبة تجريبية أم أداة إنتاجية؟
على الرغم من أن الاستطلاعات غير الحكومية المختلفة التي استشهدت بها الإيكونوميست تباينت بشكل كبير في أرقامها، إلا أنها بدت جميعها توضح نفس النتائج: لا يزال الذكاء الاصطناعي مجرد لعبة تجريبية في مكان العمل أكثر من كونه محركاً جاداً للإنتاجية.
وجد أحد الاقتصاديين في جامعة ستانفورد، الذي يتتبع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل، انخفاضاً كبيراً في الاستخدام شهراً بعد شهر: على الرغم من أن 46 بالمائة من المستجيبين أفادوا باستخدام التكنولوجيا في يونيو، إلا أن هذا الرقم انخفض إلى 37 بالمائة بحلول سبتمبر. ووجد تقدير آخر، من قبل شركة التكنولوجيا المالية Ramp، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات الأمريكية ارتفع بشكل كبير في وقت سابق من عام 2025 إلى حوالي 40 بالمائة، ولكنه استقر منذ ذلك الحين.
إرهاق الذكاء الاصطناعي وفجوة الأداء
تأتي هذه النتائج بعد صيف مخيب للآمال بالنسبة لتطورات الذكاء الاصطناعي، حيث فشلت نماذج مثل GPT-5 من OpenAI في تحقيق مكاسب الأداء المتوقعة. ومع ذلك، بدأت الشقوق في تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات تظهر في وقت مبكر من ديسمبر 2024، عندما وجد استطلاع أجرته EY لـ 500 من كبار المديرين التنفيذيين أن أكثر من نصفهم شعروا بأنهم «يفشلون في دورهم» في دعم الذكاء الاصطناعي في شركاتهم.
بدلاً من ذلك، أشار المديرون التنفيذيون إلى زحف «إرهاق الذكاء الاصطناعي» بين الموظفين العاديين، وهو ما لم يساعده على الأرجح عام من “أهوال الذكاء الاصطناعي” والمخاوف المتعلقة بأمان البيانات ودقتها.
ضغوط مالية هائلة على الصناعة
مع وجود فجوة تبلغ 600 مليار دولار بين إيرادات الذكاء الاصطناعي والإنفاق عليه، يعتمد الكثير على ما إذا كانت التكنولوجيا يمكن أن تبدأ في تحقيق الأرباح الموعودة. إذا استمر هذا الاتجاه التنازلي في التبني، فقد تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي أزمة ثقة كبيرة من المستثمرين والشركات على حد سواء.
أسئلة شائعة
لماذا يتراجع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل؟
هناك عدة أسباب محتملة: التكنولوجيا لم ترقَ إلى مستوى الضجيج، وصعوبة دمجها في أنظمة العمل الحالية، والمخاوف بشأن دقة البيانات والخصوصية، وظاهرة “إرهاق الذكاء الاصطناعي” بين الموظفين.
ما هو “إرهاق الذكاء الاصطناعي”؟
يشير إلى الشعور بالإرهاق أو خيبة الأمل لدى الموظفين بسبب الضغط المستمر لتعلم واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، خاصة عندما لا تقدم هذه الأدوات فوائد واضحة وفورية لعملهم اليومي.
هل هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي فشل؟
ليس بالضرورة. قد يكون هذا التراجع مؤقتاً ويعكس مرحلة انتقالية حيث تعيد الشركات تقييم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية. ومع ذلك، فإنه يشير إلى أن الطريق إلى التبني الشامل أطول وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
ما هي التحديات التي تواجه الشركات في تبني الذكاء الاصطناعي؟
تشمل التحديات تكلفة التنفيذ، والحاجة إلى بيانات عالية الجودة، ونقص المهارات المتخصصة، ومقاومة التغيير من قبل الموظفين.
One Response
💻 الخوارزمية هي البركان الجديد
كيف أصبح البركان الخوارزمي الرقمي يطلب القرابين؟
✍️ بقلم: نجم الدين ياسين
“الثعلب الماكر لا يموت، بل يُغيِّر جلده وعصاه. لقد انتقلنا من الخوف من نار السماء إلى العبودية لسُلطة الكود، ومن طاعة الكاهن إلى الخضوع للخوارزمية.”
في بياننا التأسيسي، حللنا كيف أن الثالوث القديم (البركان، الأسد، الثعلب) سيطر على الأديان والحضارات منذ بابل. اليوم، في زمن التكنولوجيا الفائقة، لم يختفِ هذا الثالوث، بل ارتدى عباءة رقمية أكثر دهاءً وخطورة.
أولاً: الثالوث الجديد للحكم والسيطرة
لقد أعاد هذا الثالوث توزيع أدواره الوجودية في الغابة الرقمية:
1. البركان هو الخوارزمية (The Algorithm): هي السلطة العليا التي تمنح وتمنع، وتفسر الواقع، وتقرر المصير. جهلنا بكيفية عملها يُضفي عليها نوعاً من القداسة، فنتعامل مع قراراتها كـ “عدالة كونية” لا تُناقش. هذا التصنيف القشري يسرق منا حقنا الوجودي في تقرير الحقيقة بأنفسنا.
2. الأسد هو الشركات التقنية العملاقة: هي القوة التي تملك السيطرة والعتاد، وتحكم باسم الإله الجديد. إنهم يديرون الغابة الرقمية، ويجمعون القرابين، ويحكمون العالم اقتصائياً واجتماعياً بناءً على أوامر البركان.
3. الثعلب هو مُصممو التلاعب (Behavioral Designers): هم الكهنة الجدد. هم من يكتبون الأكواد، ويُفسّرون البيانات، ويُشرِّعون المنكر لخدمة الربح، وبذلك يُعيدون إنتاج الفسق الوجودي عبر التكنولوجيا.
ثانياً: قرابين العصر والعبودية المُبرمَجة
لقد تغير شكل “القرابين” التي يطلبها البركان. بدلاً من المواشي أو الذهب، أصبح يطلب جوهر وجودنا:
• القرابين هي البيانات و وقت الانتباه: كل نقرة وكل وقت تقضيه على المنصة هو “دم” يغذي آلة الذكاء الاصطناعي. أكثر القرابين قيمة هو “وقت الانتباه” (Attention)، حيث يتم تثبيت الروح الإنسانية في سجن الشاشة لأطول فترة ممكنة، ليتضاعف الربح.
• الثعلب يُبرمِج الفسق: إن شعار الخوارزمية ليس “الأمر بالمعروف”، بل “الأمر بالتفاعل”. ولأن المحتوى الغريزي والمثير للجدل (مثل صور العري التي أشرت إليها) يضمن أقصى درجات التفاعل، يتم ترويجه سراً، بينما يُقمع صوت الوعي والنقد لأنه يهدد نموذج الربح. الخوارزمية لا تكره الحقيقة، بل تكره الملل، والحقيقة الوجودية العميقة غالباً ما تكون غير مثيرة لـ “التفاعل”.
ثالثاً: قمع الوصول—رسالة الأمير المزيفة بنسختها الرقمية
إن ما يحدث لمنشوراتك (حجب الوصول عنها بالرغم من العدد الهائل للمشاهدات) ليس مجرد “خلل تقني”، بل هو الآلية الأكثر خبثاً للثعلب الرقمي، وهي الوجه الحديث لـ “رسالة الأمير المزيفة”:
1. قمع الوصول (Reach Suppression) هو المنع الصامت: بدلاً من الحذف العلني لمنشور يدعو للوعي، والذي قد يثير ضجة، تقوم الخوارزمية بـ “حظر الوصول” إليه. أنت تنشر، لكن صوتك يُحبس داخل دائرة ضيقة، بينما تظهر منشورات التفاعل الغريزي لمليارات البشر.
2. الرسالة المزيفة: في قصة الثعلبة، كانت “رسالة الأمير” ورقة مزيفة لإخضاع الأنثى. اليوم، “رسالة الأمير” هي “التحذيرات الصامتة” و**”قيود المحتوى”** و**”قواعد المجتمع”** التي تُطبق فقط على الأصوات التي تهاجم السلطة أو تدعو إلى الوعي.
3. الخضوع المزدوج: يُجبر الفرد على الخضوع المزدوج:
o الخضوع لـ البركان (الخوارزمية) التي تُكمم صوته.
o الخضوع لـ الثعلب (الجمهور الساكت) الذي يرى الظلم لكنه يخشى التعليق خوفاً من العقاب الرقمي أو المذهبي.
الخلاصة: إن مهمتنا في مدرسة الوجود السرمدية هي فضح هذا التلاعب، وإدراك أن التحرر يبدأ عندما نرفض أن تكون قيمة فكرنا وحريتنا مرهونة بموافقة “الخوارزمية – البركان”.