كشف مؤسس تطبيق المراسلة الشهير «تيليجرام»، بافل دوروف، يوم الأربعاء، عن تطور قضائي جديد في علاقته المتوترة مع بلده الأم، حيث أرسلت السلطات الروسية مذكرة استدعاء إلى شقة سكنية كان يعيش فيها قبل 20 عاما في روسيا. وتصنف المذكرة دوروف رسميا على أنه «مشتبه به» في قضية جنائية لم تتضح معالمها الكاملة بعد. يمثل هذا التطور تصعيدا جديدا وخطيرا في الحملة الممنهجة التي يشنها الكرملين ضد منصة المراسلة التي تحظى بشعبية واسعة ومؤسسها المثير للجدل.
«فخور بكوني مذنبا».. دفاع شرس عن الحريات
عبر منشور له على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، تناول رائد الأعمال في مجال التكنولوجيا الموقف بسخرية وتحد، حيث قال:
«تلقت الشقة التي عشت فيها في روسيا قبل 20 عاما مذكرة استدعاء موجهة للمشتبه به ب. ف. دوروف».
ورغم أنه لم يحدد في منشوره الجهة الأمنية التي أصدرت المذكرة أو طبيعة القضية الجنائية الموجهة ضده، إلا أنه رد بلهجة حازمة لا تخلو من التحدي المباشر للسلطات.
وأضاف دوروف في تعليقه: «لا بد أنهم يشتبهون في قيامي بالدفاع عن المادتين 29 و 23 من الدستور الروسي، وهما المادتان اللتان تكفلان حرية التعبير والحق في سرية المراسلات الخاصة. أنا فخور بكوني مذنبا!».
تعيد هذه الحادثة إلى الأذهان تاريخ دوروف الطويل من الصدامات مع الحكومة الروسية. فقد عاش في مدينة سانت بطرسبرغ قبل عقدين من الزمن، قبل أن يتخذ قرارا حاسما بمغادرة روسيا بشكل نهائي متوجها إلى مدينة دبي في عام 2014. جاءت تلك المغادرة إثر رفضه القاطع لتلبية مطالب الكرملين بإغلاق المجموعات المعارضة على شبكة «في كيه»، وهي منصة التواصل الاجتماعي التي شارك في تأسيسها. ووفقا لتقارير إعلامية مستقلة، لم يسبق لجهات إنفاذ القانون الروسية أن أكدت رسميا حصول دوروف على صفة مشتبه به في أي قضية جنائية سابقة.
حملة الكرملين الممنهجة وعقبات تقنية
تأتي مذكرة الاستدعاء الأخيرة لتتوج أشهرا متواصلة من الضغوط المتصاعدة من قبل العاصمة الروسية موسكو. ففي شهر فبراير الماضي، نشرت صحيفة «روسيسكايا جازيتا» الحكومية وصحيفة «كومسومولسكايا برافدا» مقالات متزامنة تستند إلى مواد مسربة من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وادعت هذه المقالات أن بافل دوروف يخضع للتحقيق بتهمة «المساعدة في أنشطة إرهابية» بموجب المادة 205.1 من القانون الجنائي الروسي.
وفي وقت لاحق، أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن تلك التقارير الصحفية استندت بالفعل إلى أبحاث وتحقيقات أجراها جهاز الأمن الفيدرالي، مشيرا إلى أن الجهاز وثق «عددا كبيرا من الانتهاكات» التي ارتكبتها منصة «تيليجرام».
تصاعدت وتيرة هذه الحملة لتأخذ أبعادا تقنية صارمة، حيث بدأت روسيا في تقييد الوصول إلى تطبيق «تيليجرام» تدريجيا في صيف عام 2025. وتوجت هذه الإجراءات بفرض حظر شبه كامل على التطبيق في 10 أبريل، مما أدى إلى ارتفاع معدل فشل الاتصال بالخوادم إلى 95 بالمئة للمستخدمين الذين حاولوا الدخول دون استخدام شبكات خاصة افتراضية لتجاوز الحجب.
حرب الشبكات الافتراضية وتداعياتها الاقتصادية
أثار هذا القمع التقني ردود فعل عنيفة وموجة استياء واسعة داخل روسيا. وفي تعليق له على هذه الإجراءات، أشار دوروف إلى أن عشرات الملايين من المواطنين الروس لجأوا إلى استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية للتحايل على القيود الحكومية ومواصلة استخدام التطبيق.
لم تقف السلطات الروسية مكتوفة الأيدي أمام هذا التحايل، بل سعت إلى حظر خدمات الشبكات الافتراضية ذاتها، وهو ما أدى إلى نتائج عكسية كارثية. فقد تسببت محاولات حجب هذه الخدمات في حدوث عطل شامل في النظام المصرفي الروسي في أوائل شهر أبريل. وأسفر هذا العطل التقني عن تعطيل عمليات الدفع الإلكتروني في أرجاء واسعة، شملت محطات مترو موسكو وغيرها من الخدمات العامة الحيوية، مما سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية غير المحسوبة لسياسات الرقابة الصارمة على الإنترنت.
معارك قانونية قاسية على جبهتين
لا تقتصر المتاعب القانونية التي يواجهها رائد الأعمال الشاب على موطنه الأصلي روسيا فحسب، بل تمتد لتشمل ملاحقات قضائية معقدة في أوروبا. ففي شهر أغسطس من عام 2024، ألقت السلطات الفرنسية القبض عليه في مطار لو بورجيه بالقرب من العاصمة باريس. ووجهت إليه السلطات الفرنسية لائحة اتهام تضم 12 تهمة خطيرة، من بينها التواطؤ في توزيع مواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، والاتجار بالمخدرات عبر منصته.
أُطلق سراحه لاحقا بكفالة مالية ضخمة بلغت 5 ملايين يورو، مع منعه من مغادرة الأراضي الفرنسية. ورغم رفع حظر السفر عنه في شهر نوفمبر من عام 2025، إلا أن التحقيق الجنائي الفرنسي لا يزال مستمرا وبنشاط. وصرح دوروف مؤخرا بأنه يواجه أكثر من اثنتي عشرة تهمة، قد تصل عقوبة كل منها إلى السجن لمدة 10 سنوات في حال إدانته.
وفي المقابل، فإن تهمة الإرهاب التي تسعى روسيا لملاحقته بها تحمل في طياتها عقوبة قصوى أشد قسوة، حيث تصل إلى السجن لمدة 15 عاما، مما يضع مؤسس «تيليجرام» في قلب عاصفة قانونية بين دولتين تمتلكان أنظمة قضائية صارمة، ويزيد من تعقيد مستقبل واحدة من أهم منصات المراسلة في العالم.
الأسئلة الشائعة
ما هو سبب استدعاء السلطات الروسية لمؤسس تطبيق تيليجرام؟
أرسلت السلطات الروسية مذكرة استدعاء تصنف بافل دوروف على أنه «مشتبه به» في قضية جنائية، وتأتي هذه الخطوة وسط تقارير سابقة تتهمه بالمساعدة في أنشطة إرهابية عبر منصته.
كيف كان رد بافل دوروف على مذكرة الاستدعاء؟
رد دوروف بتحدٍ وسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أنه فخور بكونه مذنبا في نظرهم، ومشيرا إلى أن تهمته الحقيقية هي الدفاع عن حرية التعبير وسرية المراسلات التي يكفلها الدستور الروسي.
ما هي الإجراءات التي اتخذتها روسيا ضد تطبيق تيليجرام مؤخرا؟
قامت السلطات الروسية بتقييد الوصول إلى التطبيق تدريجيا، وصولا إلى فرض حظر شبه كامل أدى إلى تعطل الخدمة بنسبة 95 بالمئة للمستخدمين الذين لا يعتمدون على الشبكات الخاصة الافتراضية لتجاوز الحجب.
هل يواجه مؤسس تيليجرام قضايا قانونية خارج روسيا؟
نعم، يواجه دوروف أزمة قانونية كبرى في فرنسا، حيث تم توقيفه سابقا ووُجهت إليه 12 تهمة خطيرة تتعلق بالجرائم الإلكترونية، ولا يزال التحقيق الفرنسي مستمرا وبإمكانه أن يؤدي إلى عقوبات سجن تصل إلى 10 سنوات.