في زمن التنافس العالمي على الذكاء الاصطناعي، تُراهن واشنطن على مراكز بيانات ثورية تدعم الابتكار والطاقة النظيفة.
وقّع الرئيس الأمريكي جو بايدن أمرًا تنفيذيًا يستهدف دعم وتوسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الولايات المتحدة. يركّز هذا الأمر على تسهيل بناء مراكز بيانات ضخمة توفر قدرات حسابية متقدمة، بالتوازي مع مرافق طاقة نظيفة تضمن إمداد تلك المراكز بالكهرباء المستدامة.
يأتي هذا التحرّك في سياق المنافسة المتصاعدة عالميًا على تطوير الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا في القطاعات التي تتطلب قدرات ضخمة في معالجة البيانات مثل تحليل معلومات الرعاية الصحية وأبحاث المناخ والدفاع الوطني. تهدف الإدارة الأمريكية من خلال هذه الخطوة إلى الاحتفاظ بموقع متقدّم في هذا المجال وعدم السماح للولايات المتحدة بالتأخّر عن منافسيها الدوليين.
اقرأ أيضًا: السعودية تطلق مشروع “Transcendence” بقيمة 100 مليار دولار لدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
الرئيسة في الأمر التنفيذي
يشمل القرار تكليف وزارتي الدفاع والطاقة بتحديد ما لا يقل عن ٣ مواقع فدرالية تصلح لإنشاء مراكز بيانات مخصصة للأبحاث والتطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وسيتم طرح مناقصات تنافسية أمام القطاع الخاص لتشييد وتشغيل هذه المراكز، على أن تتحمّل الشركات المعنيّة تكاليف البناء والتشغيل وإمداد المرافق بالطاقة النظيفة.
كما يوجّه الأمر التنفيذي الوكالات الحكومية لتسريع عملية الحصول على التراخيص اللازمة وإجراءات الربط بالشبكة الكهربائية، بحيث لا تتأخر عملية الإطلاق الفعلية لهذه المراكز. ويشترط القرار أن يعمل المطوّرون وفق معايير بيئية عالية، لمنع أي زيادة في أعباء الطاقة أو التلوث على المجتمعات المحيطة بمواقع البناء.
دوافع القرار
في تصريح مرافق للإعلان، قال بايدن إنّ «الذكاء الاصطناعي سيؤثر بعمق على أمننا القومي، وسيكون له قدرة هائلة على تحسين حياة الأمريكيين، إذا استُخدم بشكل مسؤول». ويشير هذا التصريح إلى حرص الإدارة على الجمع بين السباق التكنولوجي وحماية البيئة والموارد.
من ناحية أخرى، تأتي هذه الخطوة استجابة لدعوات متزايدة بضرورة زيادة سرعة إنشاء بنية تحتية تدعم تطور الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أن الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا تتطلب مراكز بيانات تُقدّر سعتها بالغيغاواط. ويتوقع بعض الخبراء أنّ هذه المراكز ستستخدم كميات كبيرة من الطاقة، ما يستدعي التأكّد من أنّ هذه الطاقة نظيفة ومتجددة لتجنّب الانبعاثات الضارة.
اقرأ أيضًا: داماك العقارية تستثمر 20 مليار دولار في مراكز البيانات
تحديات محتملة
لا يخلو هذا المشروع من تحديات؛ إذ يتطلب تشييد هذه المراكز توفير مصادر كهرباء مستدامة وغير مكلفة، وضمان توافر المياه للتبريد في بعض المناطق التي تفتقر للموارد المائية الكافية. كما أنّ هناك مخاوف حول تأثير بناء مراكز بيانات ضخمة على أسعار الكهرباء المحلية. وقد نصّ القرار على ضرورة عدم رفع تكاليف الكهرباء للمستهلكين الأفراد بسبب هذه المشروعات، وأن تتحمّل الشركات النفقات الإضافية كاملة.
إلى جانب ذلك، أثار بعض المراقبين تساؤلات بشأن كيفية منع عمليات التجسس أو الاختراق الإلكتروني، في ظل قيام هذه المراكز بتخزين بيانات بالغة الحساسية. لذا، سيكون لزامًا على الجهات المسؤولة ضمان تطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني.
مستقبل القرار
مع وجود طموح كبير في الإدارة الأمريكية لتسريع انتشار الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، يبدو أنّ هذا الأمر التنفيذي سيشكّل نقطة فارقة نحو بناء شبكة وطنية متكاملة من مراكز البيانات. وتشير التوقعات إلى أنّ هذه المراكز ستساهم في حل مشكلات مثل الانبعاثات الكربونية وتحسين شبكة الطاقة إذا نُفّذت الخطط بدقّة، وقد تخلق فرص عمل جديدة في مجالات الهندسة وتقنيات الطاقة النظيفة والأمن الإلكتروني.
ومع قرب تغيير الإدارة أو التعديل في أولوياتها السياسية، يبقى السؤال إن كان هذا الزخم سيستمر. إلا أن خبراء تقنيات المناخ والذكاء الاصطناعي يرون أن الاستثمار في بنية تحتية ضخمة يخدم مستقبل الطاقة والاقتصاد على حد سواء، ما يجعل من المرجح استمرار العمل بهذه الخطط بصرف النظر عن الإدارة التي تحكم.
يبرهن هذا الأمر التنفيذي على جدية الولايات المتحدة في مواكبة التطورات الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، سواء فيما يتعلق بتوفير طاقة نظيفة أو توفير مراكز معالجة بيانات متطورة. ويبقى نجاح هذا المشروع مرهونًا بقدرة الهيئات الحكومية والقطاع الخاص على التعاون لضمان تنفيذ مستدام، يوازن بين التقدم التكنولوجي والمحافظة على البيئة وحقوق المستهلكين.