في مهرجان عريق يستقبل ملايين الحجاج، تتدخل التقنيات الحديثة لردّ غائب إلى أحضان عائلته.
يشهد مهرجان «كومبه ميلا» في الهند أكبر تجمع بشري في العالم، حيث يتوافد ما يقرب من 450 مليون حاج خلال فترة تمتد لستة أسابيع. ويُعقد هذا المهرجان مرة كل عقد في مدينة برياغراج الواقعة في شمال الهند، ويُعدّ حدثًا دينيًا وثقافيًا ضخمًا يتم فيه أداء طقوس الاستحمام في الأنهار المقدسة. عبر التاريخ، واجه منظمو المهرجان تحدّيًا دائمًا يتمثّل في الأشخاص الذين يفقدون ذويهم في وسط الحشود الهائلة. لكن التطورات الرقمية الجديدة جاءت لتقدّم حلولًا مبتكرة عبر الذكاء الاصطناعي في كومبه ميلا.
التقنيات الحديثة المستخدَمة
للمرة الأولى، قامت السلطات الهندية بتركيب آلاف الكاميرات التي تعمل بتقنيات التعرّف على الوجوه. تهدف هذه الكاميرات إلى تتبّع الحركة في الوقت الفعلي ورصد الأشخاص المفقودين، وذلك عبر تطوير برامج تعتمد على الذكاء الاصطناعي. إذا أبلغ أحد الحضور عن فقدان قريب أو صديق، تُنشئ هذه التقنية صورة رقمية للمفقود، ثم تُستخدم لمطابقتها مع وجوه الحاضرين الملتقطة من خلال الكاميرات المنتشرة في أنحاء المهرجان.
بالإضافة إلى ذلك، جرى استخدام تقنيات مبتكرة أخرى مثل الأساور المُزوّدة بشرائح «RFID» والتي تحمل معلومات طبية وبيانات الاتصال في حال حدوث طارئ، فضلًا عن تطبيق هواتف ذكية يسمح للمستخدمين بمشاركة مواقعهم مباشرة مع أفراد عائلاتهم أو فرق الأمن. كما أدخلت الجهات المنظمة روبوتات تحت الماء وطوّافات آلية، بهدف رصد المناطق القريبة من النهر وتأمين سلامة الحجاج من أي مخاطر محتملة.
اقرأ أيضًا: 700 دواء في الساعة: الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في الصيدليات
تحديات في رصد الحشود
من أبرز التحديات التي تواجه هذه التقنيات هو التعامل مع الحشود الكبيرة والمتحرّكة بشكل غير منتظم. بخلاف المولات أو محطات القطار ذات الإضاءة الجيدة والمسارات المحددة، يتجمّع الحجاج في المهرجان بأعداد هائلة وفي مناطق مفتوحة وصعبة التنظيم. ومع ذلك، تشير التقارير الإعلامية المحلية إلى أنّه في اليوم الأوّل فقط تمكّنت السلطات من لمّ شمل أكثر من 250 شخصًا مع عائلاتهم من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي في كومبه ميلا.
يُذكر أنّ الانفصال بين أفراد العائلة ليس دائمًا حادثًا عارضًا، إذ تفيد مصادر محلية بأن بعض المسنّين يتم التخلي عنهم عمدًا، ما يجعل مهمة البحث عنهم أكثر تعقيدًا. سابقًا، اعتمدت إدارات المهرجان على محطّات متخصّصة للإبلاغ عن المفقودين ونظام النداءات العامة، لكن نسبة النجاح لم تكن مرتفعة. ويأمل القائمون على المهرجان بأن تُسهم التقنيات الراهنة في زيادة فعالية عمليات البحث، خصوصًا مع انتشار قصص درامية في السينما الهندية عن أشقاء افترقوا في كومبه ميلا والتقوا مجددًا بعد سنوات طويلة.
دور الذكاء الاصطناعي في الأمان والتنظيم
إلى جانب البحث عن المفقودين، تراقب كاميرات الذكاء الاصطناعي التجمّعات البشرية لرصد أي مؤشرات قد تؤدي إلى تدافع أو حوادث ازدحام. ففي عام 1954 وقع تدافع كبير أودى بحياة عدد كبير من الحجاج في أحد الأيام الرئيسة للمهرجان، كما تكرّرت حوادث مماثلة في أعوام لاحقة، أبرزها عام 2013 حين توفّي العشرات في تدافع بمحطة قطار قريبة من موقع الحدث. وتقوم مراكز التحكم باستقبال بيانات الكاميرات، لتقوم بإرسال تنبيهات فورية إلى المسؤولين في حال ارتفاع الكثافة البشرية في مكان معيّن.
ليس هذا فحسب، بل تم توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمات أخرى مثل مراقبة نظافة المهرجان وتوفير حلول لصفّ ما يقرب من 500 ألف مركبة يوميًا. كما طوّرت بعض الشركات الناشئة روبوتات للدردشة تدعم 11 لغة هندية للرد على أسئلة الزائرين، وقدّمت شركات التكنولوجيا خرائط رقمية تفاعلية لمدينة الخيام الشاسعة، تتيح للزوّار الوصول بسهولة إلى مواقع الفعاليات والمرافق الطبيّة.
مخاوف أمنية وسيبرانية
مع هذا الانتشار الكبير للوسائل الرقمية، تبرز مخاوف من احتمالية إساءة استعمال البيانات أو تعرّضها لعمليات اختراق إلكتروني. تجدر الإشارة إلى أنّ ولاية أتر برديش المُضيفة للمهرجان تُعدّ من بين الولايات العشر الأولى في الهند الأكثر تعرّضًا للبرمجيات الخبيثة، بحسب تقرير أمني محلي. كما ظهرت في الآونة الأخيرة مواقع وهمية تُقدّم خدمات إقامة زائفة لخداع الزوار، ما دفع شرطة الولاية إلى إطلاق حملة توعية بالتعاون مع ممثلين مشهورين.
إنّ توظيف الذكاء الاصطناعي في مهرجان كومبه ميلا يمثّل قفزة مهمة في سعي الهند للموازنة بين عراقة التقاليد الدينية والتطوّرات التكنولوجية الحديثة. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها حتى الآن في لمّ شمل مئات الأشخاص مع عائلاتهم والحدّ من مخاطر التدافع والحوادث. ومع استمرار تطوّر الأدوات الرقمية، يبدو أنّ الذكاء الاصطناعي يقترب يومًا بعد آخر من تحويل تحديات الحشود الضخمة إلى فرص للتواصل والسلامة والأمن.