أعلنت شركة الذكاء الاصطناعي الرائدة «أوبن إيه آي» يوم الثلاثاء عن خطوة استراتيجية ومالية ضخمة تتمثل في جمع تمويل إضافي بقيمة 10 مليارات دولار من مجموعة من المستثمرين البارزين، مما يرفع الحجم الإجمالي لجولة تمويلها الأخيرة إلى أكثر من 120 مليار دولار. هذا الرقم الهائل والمفاجئ يتجاوز بكثير مبلغ 110 مليارات دولار الذي كانت الشركة قد كشفت عنه للجمهور في الشهر الماضي فقط. وفي مقابلة تلفزيونية مع شبكة «سي إن بي سي»، أكدت المديرة المالية للشركة، سارة فريار، تفاصيل هذه الجولة الموسعة، مشيرة بوضوح إلى أن الشركة ستجمع ما يزيد عن 120 مليار دولار، في صفقة تُعتبر على نطاق واسع أكبر عملية تمويل خاص لشركة تكنولوجية في مجمل التاريخ الاقتصادي الحديث.
تفاصيل أضخم جولة تمويلية في تاريخ التكنولوجيا
تشمل الشريحة الجديدة من هذا التمويل الاستثنائي مشاركة واسعة من كبرى شركات رأس المال الاستثماري والمؤسسات المالية العالمية، ومن أبرزها شركة «أندريسن هوروويتز»، ومؤسسة «دي إي شو فينتشرز»، بالإضافة إلى صندوق «إم جي إكس»، وشركة «تي بي جي»، ومجموعة «تي رو برايس»، وذلك وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء. وفي سياق متصل، أفادت وكالة «بلومبرغ» المالية بأنه من المتوقع أيضاً أن تنضم شركات استثمارية كبرى أخرى مثل «كواتيو مانجمنت» و«ثرايف كابيتال» و«ألتيميتر كابيتال» إلى هذه الجولة التاريخية. وبطبيعة الحال، تشارك شركة «مايكروسوفت»، التي تعد الداعم الاستراتيجي الأبرز وطويل الأمد للشركة، في هذا الاستثمار الضخم مرة أخرى، حيث أشادت بها فريار ووصفتها بأنها «شريك مذهل» يدعم طموحات الشركة المستقبلية.
وقد تم تسعير هذه الصفقة الاستثنائية بناءً على نفس التقييم المسبق البالغ 730 مليار دولار والذي تم تحديده وإعلانه في شهر فبراير الماضي. ومع ضخ هذا الرأس المال الجديد والهائل، من المتوقع أن يرتفع تقييم شركة «أوبن إيه آي» بعد التمويل ليصل إلى حوالي 850 مليار دولار، مما يرسخ مكانتها المهيمنة كواحدة من أعلى الشركات قيمة وتأثيراً في العالم بأسره.
التأسيس للاكتتاب العام وتقليل المخاطر المالية
لم تكن هذه الجولة وليدة اللحظة أو مجرد مصادفة، فقد نجحت الجولة التمويلية التي أُجريت في شهر فبراير الماضي في تأمين التزامات استثمارية غير مسبوقة بلغت 50 مليار دولار من شركة «أمازون»، و30 مليار دولار من مجموعة «سوفت بانك»، بالإضافة إلى مساهمات ضخمة من شركة «إنفيديا» الرائدة في صناعة الرقائق. هذه الأرقام المذهلة جعلت منها أكبر جولة تمويل خاص يتم تسجيلها على الإطلاق. وقد أوضحت فريار في تصريحاتها أن الهدف الأساسي من هذه الجولة الموسعة هو «تقليل المخاطر» المالية والتشغيلية التي قد تواجهها الشركة في المستقبل، وذلك كخطوة استباقية ومدروسة تمهد الطريق لطرح عام أولي محتمل في أسواق الأسهم، وهو الحدث المرتقب الذي قد يتم في أواخر عام 2026 ويترقبه المستثمرون بشغف كبير.
نهاية حقبة تطبيق سورا وتأثيرها على الشراكات الكبرى
في خطوة أثارت دهشة العديد من المراقبين في الأوساط التكنولوجية، تزامنت هذه الأخبار المالية الضخمة مع إعلان رسمي من شركة «أوبن إيه آي» يفيد بأنها تتجه نحو إيقاف وتفكيك تطبيق «سورا»، وهو التطبيق الثوري المخصص لتوليد مقاطع الفيديو عالية الدقة عبر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب واجهة برمجة التطبيقات المرتبطة به. وحول هذا التغيير الجذري، صرح متحدث رسمي باسم الشركة لشبكة «سي بي إس نيوز» قائلاً: «مع تزايد تركيزنا الاستراتيجي وتنامي الطلب الهائل على القدرات الحاسوبية، يواصل فريق أبحاث سورا توجيه جهوده المكثفة نحو أبحاث محاكاة العالم بهدف تطوير مجال الروبوتات المتقدمة».
ولعل أبرز المتأثرين بهذا القرار المفاجئ، الذي أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال» لأول مرة وفقاً لشبكة «سي بي إس نيوز»، هي شركة «ديزني» العملاقة للترفيه. فقد جاء الإغلاق بعد مرور ثلاثة أشهر فقط من توقيع «ديزني» صفقة ترخيص تاريخية بلغت قيمتها مليار دولار أمريكي، وتمتد لثلاث سنوات كاملة، بهدف جلب شخصياتها الكرتونية الشهيرة إلى منصة توليد الفيديو. من جانبها، تعاملت «ديزني» مع الموقف بدبلوماسية وأقرت بهذه الخطوة غير المتوقعة، معربة في بيان لها عن أنها «تحترم قرار أوبن إيه آي بالخروج من أعمال توليد الفيديو».
التركيز على الربحية وتجنب المهام الجانبية المشتتة
في إطار توضيح الرؤية المستقبلية وتبرير هذه التغييرات، وضعت فيدجي سيمو، الرئيسة التنفيذية للتطبيقات في الشركة والمسؤولة التنفيذية السابقة في شركتي «إنستاكارت» و«ميتا»، هذا التحول الجذري في سياق مسار الشركة الحتمي نحو تحقيق الربحية المستدامة وتوجيه الموارد بذكاء. وخلال اجتماع شامل ومغلق لجميع الموظفين، صرحت سيمو بحزم قائلة: «لا يمكننا تفويت هذه اللحظة الحاسمة والتاريخية في مسيرتنا بسبب تشتت انتباهنا وانخراطنا في مهام جانبية لا تخدم هدفنا الأساسي»، وذلك وفقاً لما نقله موقع «بيزنس إنسايدر». هذا التصريح يعكس توجهاً إدارياً صارماً نحو تحسين استغلال القدرات الحاسوبية وتوجيهها نحو المشاريع الأكثر جدوى من الناحية التجارية.
خطط التوسع لمواجهة المنافسة الشرسة في الذكاء الاصطناعي
لا تتوقف طموحات الشركة عند التمويل الضخم والتطوير التقني البحت، بل تمتد لتشمل خططاً توسعية كبيرة على مستوى الموارد البشرية والكوادر المتميزة. حيث تخطط «أوبن إيه آي» لمضاعفة حجم قوتها العاملة تقريباً، ليرتفع عدد الموظفين من حوالي 4500 موظف في الوقت الراهن إلى 8000 موظف بحلول نهاية عام 2026، وذلك وفقاً لتقرير مفصل نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز». وتشمل هذه التعيينات الجديدة عدة قطاعات حيوية، أبرزها:
- تطوير المنتجات: لابتكار حلول ذكاء اصطناعي تلبي احتياجات السوق المتطورة والمؤسسات الكبرى.
- الهندسة والأبحاث: للحفاظ على التفوق التقني، ودفع حدود الابتكار في مجال النماذج اللغوية الكبيرة.
- المبيعات ودعم العملاء: لتعزيز الحضور التجاري في الأسواق العالمية وزيادة الإيرادات بشكل مستدام.
في هذا السياق، ستولي الشركة اهتماماً خاصاً وحصرياً لتوظيف كفاءات في أدوار ما يُعرف بـ «السفارة التقنية»، وهي مناصب استراتيجية مصممة خصيصاً لمساعدة عملاء المؤسسات والشركات الكبرى على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها ودمجها بسلاسة في أنظمتهم. ويأتي هذا التوسع المدروس في وقت تواجه فيه «أوبن إيه آي» منافسة متزايدة الشراسة في سوق الذكاء الاصطناعي المخصص للمؤسسات، خاصة من قِبل شركة «أنثروبيك» المدعومة من جهات مالية قوية، وشركة «غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابت»، مما يجعل السنوات القليلة القادمة حاسمة للغاية في تحديد هوية الرائد المهيمن والوحيد على هذا القطاع التكنولوجي الحيوي.
الأسئلة الشائعة
ما هو إجمالي التمويل الذي جمعته شركة أوبن إيه آي مؤخراً؟
جمعت الشركة تمويلاً إضافياً بقيمة 10 مليارات دولار، مما رفع الحجم الإجمالي لجولة تمويلها الاستثمارية الأخيرة إلى أكثر من 120 مليار دولار أمريكي، لتصبح أكبر جولة تمويل خاص لشركة تكنولوجية في التاريخ.
لماذا أوقفت أوبن إيه آي تطبيق سورا لتوليد الفيديو؟
أوقفت الشركة تطبيق سورا لتوجيه التركيز وتلبية الطلب المتزايد على القدرات الحاسوبية، وتوجيه جهود فريق الأبحاث نحو محاكاة العالم وتطوير الروبوتات المتقدمة، بالإضافة إلى التركيز بشكل رئيسي على مسار الشركة نحو تحقيق الربحية وتجنب المهام الجانبية.
متى تتوقع أوبن إيه آي طرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي؟
تهدف الشركة إلى إجراء طرح عام أولي محتمل في أسواق الأسهم بحلول أواخر عام 2026، وتعمل حالياً على تقليل المخاطر المالية والتشغيلية كخطوة استباقية استعداداً لهذه الخطوة الاستراتيجية الكبرى.