في عالم التكنولوجيا سريعة التطور، تظل العلاقة بين الشركات الأم والشركات التابعة لها مليئة بالتعقيدات والطموحات المتضاربة. وقد كشفت سيرة ذاتية جديدة نُشرت حديثا تسلط الضوء على حياة ديميس هاسابيس، تفاصيل مثيرة حول سنوات من الجهود السرية التي بذلها مؤسسو شركة «ديب مايند» للذكاء الاصطناعي للتحرر من قبضة شركة «جوجل»، شملت وعودا بتمويل ضخم بلغ 1 مليار دولار من مستثمر التكنولوجيا البارز ريد هوفمان، وخططا سرية لبناء خوارزميات تداول مالي سريعة لتوفير الدعم المادي اللازم لعملية الهروب الكبير.
كتاب «آلة اللانهاية» وكشف المستور
يستند كتاب «آلة اللانهاية: ديميس هاسابيس وديب مايند والسعي نحو الذكاء الخارق»، الذي ألفه الكاتب الصحفي سيباستيان مالابي وصدر عن دار «بينجوين برس» في 31 مارس، إلى ثلاث سنوات من الوصول الاستثنائي وغير المسبوق إلى ديميس هاسابيس ودائرته المقربة. ومن بين أبرز الاكتشافات التي قدمها الكتاب في صفحاته التي تبلغ 480 صفحة، القصة الكاملة من الداخل لما عُرف باسم «مشروع ماريو»، وهو الاسم الرمزي للحملة المطولة التي خاضتها قيادة «ديب مايند» للحصول على الاستقلال القانوني والتشغيلي التام عن الشركة الأم.
تأتي هذه التفاصيل لتوسع الرؤية حول مساعي الاستقلال التي سبق أن أشارت إليها بعض الصحف الكبرى في عام 2021 بخطوط عريضة. ولكن وفقا لرواية مالابي، اتخذ ديميس هاسابيس والمؤسس المشارك مصطفى سليمان مسارات متعددة ومعقدة للانفصال عن «جوجل»، وذلك بعد أن تزايدت مخاوفهما من احتمال أن تقوم عملاقة التكنولوجيا في يوم من الأيام بإساءة استخدام أبحاثهما المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي العام.
مليار دولار وخوارزميات تداول: خطة الهروب
بحسب الكتاب، تعهد ريد هوفمان، المؤسس المشارك لشبكة «لينكد إن» وأحد أبرز المستثمرين في وادي السيليكون، سرا بتقديم 1 مليار دولار لتمويل عملية الانفصال. وكان الهدف هو هيكلة الكيان الجديد كـ «شركة ذات اهتمام عالمي»، وهو هيكل يشبه المؤسسات غير الربحية ويرتبط بميثاق يخدم المصلحة العامة للإنسانية ولا يسعى للربح التجاري البحت.
ولم تتوقف طموحات ديميس هاسابيس عند هذا الحد، بل قام بهدوء بتشكيل فريق سري ومختص لتطوير خوارزميات تداول مالي عالية التردد في أسواق الأسهم، على أمل أن تتمكن هذه الخوارزميات من توليد الاستقلال المالي الكافي الذي يجعل الانفصال عن إمبراطورية «جوجل» قابلا للتنفيذ على أرض الواقع دون الحاجة للجوء إلى استثمارات مشروطة.
لحظة الحسم والاصطدام بصخرة «جوجل»
في عام 2017، وخلال خلوة تنظيمية للشركة أقيمت في اسكتلندا، أعلنت قيادة «ديب مايند» لموظفيها بثقة أن المختبر سيتحول قريبا إلى «شركة ذات اهتمام عالمي»، وهو مصطلح تم اختياره بعناية ليعكس التداعيات العالمية والمصيرية لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي يطورونها. ومع ذلك، تم التراجع عن هذا الإعلان الجريء لاحقا، حيث يكشف الكتاب أن الرئيس التنفيذي لشركة «جوجل»، سوندار بيتشاي، لم يوافق قط على الهيكل التنظيمي المقترح.
استمرت حالة الشد والجذب حتى شهر أبريل من عام 2021، حين أبلغ ديميس هاسابيس موظفيه بصراحة أن جميع المفاوضات المتعلقة بالانفصال والاستقلال عن الشركة الأم قد انتهت تماما وتوقفت إلى غير رجعة، لتبدأ مرحلة جديدة من التعايش والاندماج.
مفارقة البقاء.. كيف أصبحت القيود مصدر قوة
يجادل الكاتب سيباستيان مالابي، المعروف بسيره الذاتية المالية المرموقة، بأن فشل محاولة الاستقلال شكل مفارقة كبرى؛ فقد أصبح في النهاية أعظم أصل من أصول «ديب مايند». فالبقاء داخل مظلة «جوجل» يمنح المختبر وصولا غير محدود إلى موارد حوسبة فائقة لا تضاهى، فضلا عن مليارات الدولارات من التمويل السنوي المستقر.
هذا الوضع الآمن جنبهم الضغوط الهائلة المتعلقة بتحقيق الأرباح السريعة والتحول التجاري، وهي الضغوط التي تثقل كاهل المنافسين المستقلين في السوق اليوم مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، والذين يضطرون لجمع تمويلات بمليارات الدولارات بشكل مستمر للحفاظ على وتيرة تطوير نماذجهم اللغوية الكبيرة.
صعود مستمر ونجاحات عالمية
منذ دمج فريقي «جوجل براين» و«ديب مايند» في وحدة واحدة تحت اسم «جوجل ديب مايند» في عام 2023، ارتقى ديميس هاسابيس ليقود جميع جهود الذكاء الاصطناعي في الشركة، مسجلا نجاحات متتالية من أبرزها إطلاق عائلة نماذج «جيميناي» المتطورة عبر مختلف منتجات «جوجل». ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل توج مسيرته العلمية بالفوز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 بفضل نظام «ألفا فولد» الذي أحدث ثورة في التنبؤ بهياكل البروتينات.
يصل هذا الكتاب المهم في وقت تواجه فيه صناعة الذكاء الاصطناعي أسئلة متزايدة حول استدامة نماذج أعمالها. وقد لخص مالابي مسيرة هذا العالم الفذ قائلا إن ديميس هاسابيس «كرس حياته لابتكار تقنية يعتقد أنها تملك القدرة على تدمير العالم»؛ وهي مفارقة تجعله، وفقا لرواية المؤلف، الشخصية الأكثر أهمية وتأثيرا، والأكثر تعقيدا وتناقضا في عصر الذكاء الاصطناعي.
الأسئلة الشائعة
من هو ديميس هاسابيس؟
ديميس هاسابيس هو عالم حاسوب وباحث في الذكاء الاصطناعي، وهو الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «جوجل ديب مايند». حصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 بفضل تطوير نظام «ألفا فولد» الذي يتنبأ بهياكل البروتينات ثلاثية الأبعاد.
ما هو «مشروع ماريو» المذكور في كتاب سيباستيان مالابي؟
مشروع ماريو هو الاسم الرمزي لحملة سرية وطويلة الأمد قادتها إدارة «ديب مايند»، بقيادة ديميس هاسابيس ومصطفى سليمان، بهدف الحصول على الاستقلال القانوني والتشغيلي عن شركة «جوجل» وتحويلها إلى كيان غير ربحي.
لماذا فشلت محاولة انفصال ديب مايند عن جوجل؟
فشلت المحاولة بسبب رفض الإدارة العليا في شركة «جوجل»، وتحديدا الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي، الذي لم يوافق على الهيكل التنظيمي المقترح والمسمى بـ «شركة ذات اهتمام عالمي». وبحلول عام 2021، تم إيقاف جميع المفاوضات المتعلقة بهذا الشأن.
كيف استفادت ديب مايند من بقائها ضمن شركة جوجل؟
بالرغم من فشل مساعي الاستقلال، استفادت «ديب مايند» بشكل هائل من موارد الحوسبة الضخمة والتمويل السنوي المستقر الذي توفره «جوجل»، مما أبعدها عن ضغوط جمع الأموال وتحقيق الأرباح السريعة التي تعاني منها الشركات المنافسة في قطاع الذكاء الاصطناعي.