طور باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تركيبة مبتكرة للقاحات الرنا المرسال تجعلها مستقرة في درجة حرارة الغرفة لمدة عام كامل. وتعتمد هذه التقنية الثورية على خوارزميات التعلم الآلي لتجاوز عقبة التبريد الفائق وتسهيل التوزيع الدوائي عالمياً.
- معضلة التبريد الفائق والحل الخوارزمي
- هندسة الجسيمات الشحمية وتجاوز التجارب اليدوية
- نتائج مذهلة في التجارب المعملية ولصقات الإبر الدقيقة
- آفاق واعدة وتوسيع نطاق التركيبة الدوائية
- أسئلة شائعة
معضلة التبريد الفائق والحل الخوارزمي
نجح فريق بحثي متميز من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في تطوير تركيبة جديدة ومبتكرة للقاحات الرنا المرسال، تتيح لها البقاء مستقرة تماماً وفعالة في درجة حرارة الغرفة العادية لمدة تصل إلى عام كامل. ويمثل هذا الإنجاز العلمي، الذي نُشرت تفاصيله يوم الاثنين في مجلة «نيتشر بيوتكنولوجي» المرموقة، خطوة فارقة من شأنها إزالة واحدة من أضخم العقبات اللوجستية التي تعرقل توزيع هذه الفئة الحيوية من اللقاحات على نطاق عالمي واسع، خصوصاً في الدول النامية والمناطق النائية.
وكانت لقاحات الرنا المرسال قد أثبتت جدارتها الاستثنائية وفاعليتها خلال جائحة كورونا عبر منتجات شركتي «موديرنا» و«فايزر»، إلا أن نقطة ضعفها الكبرى تكمن في حساسيتها الشديدة للحرارة؛ إذ تتطلب شروط تخزين قاسية في درجات تبريد تتراوح بين 20 درجة تحت الصفر و80 درجة تحت الصفر مئوية. ويفرض هذا التجميد الفائق وجود بنية تحتية معقدة تُعرف بسلسلة التبريد، وهو ما يحرم مليارات البشر في المناطق المفتقرة لمرافق التبريد المتقدمة من الاستفادة المتكافئة من هذه العلاجات المنقذة للحياة.
هندسة الجسيمات الشحمية وتجاوز التجارب اليدوية
قاد الفريق العلمي كل من الدكتورة «آنا ياكلينك» والبروفيسور «روبرت لانغر» من معهد كوك لأبحاث السرطان التكاملية التابع للمعهد، حيث تركز هدفهما على جعل جسيمات النانو الشحمية المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أكثر تحملاً للحرارة دون المساس بهيكلها البنائي الأساسي. وبعد شهور طويلة من التجارب الكيميائية اليدوية الشاقة التي باءت جميعها بالفشل ولم تحقق الاستقرار المنشود، لجأ الفريق إلى خبراء مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في المعهد ذاته لتطوير خوارزمية ذكية قادرة على العمل بفاعلية مع مجموعات البيانات البحثية الصغيرة.
وقامت الأداة البرمجية بمسح دقيق لنحو 50 مادة مضافة ومسكنة معتمدة من إدارة الغذاء والدواء تشمل أنواعاً متعددة من السكريات والأملاح والبوليمرات الحيوية. وتنبأت الخوارزمية بالنسب التوليفية المثلى بين أفضل 5 مركبات واعدة. وخلال دورات اختبار تكرارية رشيقة، تم فيها فحص تركيبتين معملياً في كل مرحلة وتغذية النتائج مجدداً إلى النموذج الحاسوبي، توصلت الخوارزمية إلى حل كيميائي ناجح ومستقر خلال بضعة أسابيع فقط.
وأكد المؤلف الرئيسي للدراسة «كانه تران» على هذا التحول النوعي بقوله: «قبل أن نطبق خوارزمية الذكاء الاصطناعي، أمضينا عدة أشهر في اختبار توليفات كيميائية متباينة وإجراء الفحص الأولي لكافة المواد المتاحة، ولكن لم نتمكن من الوصول إطلاقاً إلى استقرار بنسبة 100%».
نتائج مذهلة في التجارب المعملية ولصقات الإبر الدقيقة
استخدم الباحثون التركيبة الناتجة لتغليف مستضدات الرنا المرسال الخاصة بفيروس كورونا، ثم أخضعوها لعملية تجفيف وتجفيد دقيقة باستخدام تقنية التجفيف بالتفريغ الهوائي. وأظهرت النتائج المخبرية أنه بعد تخزين اللقاحات المجففة في درجة حرارة بلغت 37 درجة مئوية لمدة شهرين كاملين، أو حفظها في درجة حرارة الغرفة الاعتيادية لمدة عام كامل، أنتجت استجابات مناعية قوية ومكافئة لدى فئران التجارب لتلك التي تنتجها جسيمات النانو الشحمية المحضرة حديثاً والمماثلة لتركيبة لقاح موديرنا الأصلية.
ولم يقتصر إنجاز الفريق على الحقن السائلة التقليدية؛ بل استعرضوا بنجاح تطبيق هذه التقنية المستقرة داخل لصقات جلدية تحتوي على مئات من الإبر الدقيقة الصلبة. وتتميز هذه اللصقات بذوبان إبرها المتناهية الصغر تلقائياً بمجرد ملامستها للجلد، مطلقةً المادة الفعالة مباشرة في الأنسجة. وقد حققت هذه اللصقات استجابة مناعية مماثلة تماماً للقاحات المحقونة، مما يمهد مساراً سريرياً جديداً لإعطاء التطعيمات دون استخدام إبر الحقن التقليدية، وهو نمط تطعيم يعتمد كلياً على الصمود والاستقرار الحراري.
آفاق واعدة وتوسيع نطاق التركيبة الدوائية
أثبتت الخوارزمية الحاسوبية مرونة استثنائية وقابلية للتكيف خارج حدود مستحضر واحد؛ حيث برهن الباحثون على قدرتها على تثبيت تركيبة شحمية منفصلة تحاكي تلك المستخدمة في لقاح فايزر، وذلك باستخدام نفس المكونات المساعدة ولكن بنسب رياضية مختلفة تماماً. وأوضح الفريق أنه بمجرد تحسين نسب التركيبة لنوع معين من الجسيمات النانوية، يصبح بمقدورها حمل وتوصيل أي حمولة علاجية أخرى من الرنا المرسال بكفاءة عالية، مما يفتح الباب أمام لقاحات مستقرة ضد أورام السرطان والأمراض المعدية الأخرى.
من جانبها، علقت «مينا كوناكوفيتش لوكوفيتش»، الأستاذة المساعدة في مختبر علوم الحاسوب والمؤلفة المشاركة في البحث، قائلة: «لقد كان من المدهش حقاً أن نرى مدى سرعة الخوارزمية في التوصل إلى تركيبة كيميائية مستقرة، حيث حققت ذلك في دورات معدودة فقط، بدلاً من عمليات البحث المعملي الشاملة والمضنية التي تتطلبها الطرق التقليدية عادة». وقد حظي هذا البحث الواعد بدعم وتمويل جزئي من مؤسسة غيتس الخيرية، تأكيداً على أثره الإنساني المتوقع في إنقاذ الأرواح حول العالم.
أسئلة شائعة
السؤال: ما هي المدة التي يمكن للقاح الرنا البقاء فيها مستقراً بحرارة الغرفة وفق الدراسة؟
الإجابة: يمكن للقاح البقاء مستقراً وفعالاً بنسبة كاملة لمدة تصل إلى عام كامل بفضل التركيبة المثبتة الجديدة.
السؤال: كيف ساعدت خوارزميات الذكاء الاصطناعي في إنجاز هذا الابتكار؟
الإجابة: قامت الخوارزمية بفحص 50 مادة مسكنة وتحديد النسب المثلى لأفضل 5 مركبات عبر تجارب تكرارية استغرقت أسابيع قليلة بعد شهور من المحاولات اليدوية غير الناجحة.
السؤال: هل تقتصر هذه التقنية على لقاحات كورونا فقط؟
الإجابة: أكد الباحثون أن التركيبة قابلة للتطبيق على مختلف علاجات الرنا المرسال المستقبلية، بما في ذلك اللقاحات الجينية وأدوية الأورام السرطانية ولصقات الإبر الدقيقة.