مقدمة
في إنجاز علمي وطبي مبهر يجمع بين عالم الطب الحيوي والتكنولوجيا المتقدمة، أثبتت مجموعة من الباحثين أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يجعل الأطراف الصناعية للقشرة البصرية المستقبلية، وهي الأجهزة الدقيقة والمتطورة التي يُطلق عليها غالباً اسم العيون الإلكترونية، أكثر دقة وتكيفاً مع احتياجات المرضى الفردية. جاء هذا الاكتشاف المذهل من خلال دراسة لإثبات المفهوم نُشرت نتائجها الواعدة في 7 أغسطس في المجلة العلمية المرموقة والمتخصصة نيورون، لتسلط الضوء على الأمل المتجدد للأشخاص الذين يعانون من فقدان البصر الشديد نتيجة الإصابات أو الأمراض العصبية المستعصية التي لطالما وقف الطب عاجزاً أمامها.
- الذكاء الاصطناعي يتفوق على الطرق التقليدية في التحفيز العصبي
- التجارب السريرية على المريض وتجاوب الدماغ المباشر مع الإشارات
- التحول من الأساليب الثابتة إلى الأجهزة الطبية المتكيفة الذكية
- الطريق الممهد نحو صناعة أطراف صناعية بصرية مخصصة للمرضى
- أسئلة شائعة
الذكاء الاصطناعي يتفوق على الطرق التقليدية في التحفيز العصبي
لتحقيق هذا الإنجاز، تمكن فريق بحثي دولي مكون من علماء بارزين من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، والمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، وجامعة ميغيل هيرنانديز الإسبانية، من تدريب شبكة عصبية عميقة متطورة تهدف خصيصاً إلى التنبؤ بكيفية استجابة دماغ شخص كفيف لأنماط مختلفة ومعقدة من التحفيز الكهربائي. يتم تقديم هذا التحفيز الموجه من خلال مصفوفة معقدة تتكون من 96 قطباً كهربائياً دقيقاً تمت زراعتها جراحياً وبدقة متناهية في القشرة البصرية لدماغ المريض لتجاوز العصب التالف. وبعد الانتهاء من تدريب النموذج الذكي وتغذيته بالبيانات، تم تشغيله بشكل عكسي لتحديد إعدادات التحفيز الكهربائي الأكثر احتمالية لإنتاج نمط معين من النشاط العصبي المطلوب للرؤية، مما شكل نقلة نوعية وجذرية في كيفية التفاعل مع الدماغ البشري واستعادة حواسه المفقودة.
التجارب السريرية على المريض وتجاوب الدماغ المباشر مع الإشارات
تم اختبار هذه التقنية الرائدة مباشرة على مشارك يبلغ من العمر 27 عاماً، كان قد فقد بصره بشكل كامل ونهائي إثر تعرضه لإصابة رضحية شديدة ومفاجئة في الدماغ. وقد أسفرت الاختبارات السريرية المتقدمة والمستمرة عن نتائج مبهرة؛ حيث تمكنت الأنماط التي صممها الذكاء الاصطناعي من إعادة إنتاج النشاط الدماغي المستهدف بدقة أعلى بكثير من أي وقت مضى، وفي نفس الوقت تطلبت قدراً أقل من التيار الكهربائي مقارنة بالأساليب السريرية التقليدية. علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون، خلال مراقبتهم للبيانات، أن النشاط العصبي الذي تم تسجيله كان يقدم معلومات أوضح وأكثر دلالة عما كان المريض يدركه ويراه بالفعل مقارنة بالاعتماد على إعدادات التحفيز الخارجي وحدها. هذا الاكتشاف المحوري يؤكد على حقيقة علمية هامة مفادها أن طريقة معالجة الدماغ الفردي للإشارة الكهربائية لا تقل أهمية أبداً عن قوة أو نوع الإشارة ذاتها الموجهة إليه عبر الأقطاب.
وتعقيباً على هذا الإنجاز الكبير الذي يفتح آفاقاً جديدة، صرح مايكل بيلير، وهو أستاذ مشارك في علوم الكمبيوتر بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وأحد كبار الباحثين المشاركين في هذه الدراسة الرائدة، قائلاً: «من الطبيعي أن يرغب المهندسون وفرق التصميم في التعامل مع الفوسفينات، وهي تلك الومضات أو بقع الضوء الوهمية التي يراها المكفوفون عند التحفيز، وكأنها مجرد وحدات بكسل في شاشة عرض رقمية؛ حيث يعتقدون أنه كلما زاد تحفيز الأقطاب الكهربائية المزروعة، حصلت بشكل مباشر على صورة أكثر اكتمالاً وتفصيلاً. لكن الواقع يثبت بقوة أن الدماغ البشري لا يعمل بهذه البساطة أو الآلية المعزولة».
التحول من الأساليب الثابتة إلى الأجهزة الطبية المتكيفة الذكية
تم زراعة الجهاز العصبي المبتكر في مستشفى آي إم إي دي بمدينة إلتشي في إسبانيا، وذلك كجزء أساسي من تجربة سريرية أوسع نطاقاً لتقييم الجدوى الطبية لزرع الأجهزة في القشرة الدماغية. وقد تميزت هذه الغرسة الطبية الثورية بقدرة مزدوجة ومتقدمة تتمثل في قدرتها على توصيل التيار الكهربائي إلى الدماغ بالتزامن مع تسجيل استجابة الدماغ الدقيقة لهذا التيار المرسل في الوقت الفعلي. هذه الخاصية الهندسية الفريدة هي التي أتاحت لنموذج التعلم العميق المدمج أن يتدرب على بيانات عصبية حقيقية وحية ومباشرة من دماغ المريض نفسه، بدلاً من الاعتماد الكلي والتقليدي على قواعد أو خوارزميات تحفيز ثابتة ومحددة مسبقاً في المختبرات الطبية لا تراعي الفروق الفردية. بالإضافة إلى ذلك التفرد التقني، قام النموذج الذكي بدمج قياسات دقيقة ومستمرة للنشاط الدماغي في حالة الراحة التامة قبل كل عملية تحفيز مبرمجة، مما مكنه من التكيف السريع واللحظي مع التغيرات والتقلبات الطبيعية في استثارة الخلايا العصبية من لحظة إلى أخرى، لضمان استجابة مثالية ومستقرة وموثوقة.
وعلى الرغم من أن إدراك المشارك المباشر في التجربة استمر في كونه مقتصراً على رؤية الفوسفينات، والتي تتخذ عادة شكل بقع، أو ومضات ضوئية سريعة، أو أشكال هندسية غير محددة المعالم من الضوء، بدلاً من رؤية صور مفصلة وواضحة للبيئة المحيطة كما في الرؤية الطبيعية، إلا أن هذا الإطار العلمي المتقدم يرسم ملامح ومستقبل واعد ومرتقب. مستقبل تتعلم فيه الأطراف الصناعية الطبية باستمرار وبشكل آلي كيفية استجابة الدماغ الفردي لكل مريض، وتعدل من تحفيزها الكهربائي في الوقت الفعلي لتحسين الرؤية تدريجياً وبطريقة تتوافق مع التغيرات العصبية المعقدة.
الطريق الممهد نحو صناعة أطراف صناعية بصرية مخصصة للمرضى
تستند هذه الدراسة الرائدة والمهمة إلى أعمال حسابية مكثفة دعمها بقوة حصول الدكتور بيلير على جائزة المبتكر الجديد لمدير المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة عام 2022 تقديراً لجهوده العلمية. وقد قاد هذا المشروع العلمي الطموح باحثون بارزون كمؤلفين أوائل مشاركين، وهم Pehuén Moure من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، و Jacob Granley من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، و Fabrizio Grani من جامعة ميغيل هيرنانديز. من الناحية الطبية، تقوم الأطراف الصناعية القشرية الحديثة بتجاوز العيون والأعصاب البصرية التالفة بشكل كامل، مما يفتح باب الأمل مشرعاً أمام الأشخاص الذين فقدوا بصرهم نتيجة للإصابة بسكتات دماغية خطيرة، أو أمراض التنكس العصبي، أو الإصابات المباشرة في الدماغ والجمجمة. وفي ختام تعليقاته المؤثرة، أكد بيلير بقوة أن «الطرف الصناعي البصري المفيد حقاً لا يمكن بأي حال أن يعتمد على وصفة برمجية ثابتة. بل يجب أن يتعلم كيف يستجيب الدماغ الفردي للمريض، وأن يكيف التحفيز البصري وفقاً لتلك الاستجابة الفريدة. وفي نهاية المطاف، يرى بيلير أنه يجب أن يتكيف الجهاز التقني مع طبيعة الشخص البشري المعقدة، وليس العكس».
أسئلة شائعة
السؤال: ما هو الإنجاز الرئيسي الذي حققته هذه الدراسة حول تقنية العيون الإلكترونية؟
الإجابة: أثبتت الدراسة فعلياً قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين دقة وكفاءة العيون الإلكترونية المزروعة، عبر تخصيص التحفيز الكهربائي ليناسب النشاط العصبي لكل مريض على حدة بشكل يتفوق على الأساليب التقليدية السابقة.
السؤال: كيف يعزز الذكاء الاصطناعي من كفاءة هذه الغرسة العصبية البصرية داخل الدماغ؟
الإجابة: من خلال استخدام نماذج تعلم عميق قادرة على التنبؤ الدقيق بكيفية تفاعل الدماغ مع التيار، يقوم الذكاء الاصطناعي بتحديد الإشارات الأنسب وتعديلها في الوقت الفعلي لضمان استجابة عصبية دقيقة وفعالة.
السؤال: هل استعاد المريض الكفيف قدرته على رؤية الصور بوضوح تام وتفاصيل دقيقة؟
الإجابة: لا، لم يرَ المريض صوراً مفصلة، بل اقتصرت رؤيته على إدراك الومضات وبقع الضوء والأشكال الهندسية المعروفة طبياً باسم الفوسفينات، ويمثل هذا خطوة ضخمة نحو تطوير الرؤية لتصبح أدق وأوضح مستقبلاً.
السؤال: من هي الفئة من المرضى الأكثر استفادة من تقنية الأطراف الصناعية القشرية المتطورة؟
الإجابة: يستفيد من هذه التقنية المتقدمة المرضى الذين فقدوا بصرهم بسبب السكتات الدماغية، أو إصابات الدماغ الرضحية، أو أمراض التنكس العصبي، حيث تتخطى هذه الأجهزة العيون التالفة لترتبط بالدماغ وتعمل مباشرة.
السؤال: لماذا يعتقد الباحثون والعلماء أن زيادة عدد الأقطاب الكهربائية ليس حلاً كافياً لتحسين الرؤية؟
الإجابة: أثبتت التجربة السريرية أن الدماغ البشري لا يعمل مثل وحدات البكسل على الشاشات الرقمية، وأن نوعية الإشارة وكيفية معالجة الدماغ لها أهم بكثير من مجرد زيادة كثافة التحفيز الكهربائي العشوائي غير الموجه.