تواجه شركة «إنفيديا» الرائدة في مجال صناعة الرقائق الإلكترونية وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، موجة جديدة من التدقيق والانتقادات الحادة. يأتي هذا التوجه إثر إعلانها الاستحواذ على شركة «سكيد إم دي» الصغيرة التي تتخذ من ولاية يوتا الأمريكية مقرا لها. وتعد هذه الشركة المطورة الرئيسية لأداة «سليرم»، وهي أداة برمجية مفتوحة المصدر لجدولة مهام الحوسبة وإدارة أعباء العمل الموزعة عبر الغالبية العظمى من أجهزة الكمبيوتر العملاقة ومجموعات الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة وتطورا على مستوى العالم.
ورغم أن تفاصيل هذه الصفقة قد أُعلن عنها في 15 ديسمبر من عام 2025، إلا أن موجة عارمة من القلق بدأت تطفو على السطح في الأيام الأخيرة. فقد عبر العديد من المتخصصين في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والأطراف الفاعلة في الصناعة التقنية عن مخاوفهم العميقة إزاء التداعيات المحتملة لهذا الاستحواذ، وفقا لما أوردته وكالة رويترز للأنباء. وتتركز هذه المخاوف بشكل أساسي حول تأثير الصفقة على المنافسة العادلة، ومدى قدرة الشركة المستحوذة على الحفاظ على مبدأ الحياد التكنولوجي في عالم تتسارع فيه وتيرة الابتكارات.
هيمنة مطلقة على أجهزة الكمبيوتر العملاقة
تعمل أداة «سليرم» حاليا على تشغيل حوالي 65 بالمائة من أصل 500 جهاز كمبيوتر عملاق مصنف ضمن الأقوى في العالم في قائمة أفضل 500 نظام حوسبة. ويشمل ذلك أكثر من نصف الأنظمة المصنفة ضمن أفضل 10 وأفضل 100 نظام حاسوبي على مستوى كوكب الأرض. بعبارة أخرى، في كل مرة يقوم فيها باحث بإرسال مهمة معقدة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أو عندما يضع مهندس برمجة مجموعة من مهام الاستدلال في قائمة الانتظار، فهناك احتمال كبير جدا أن تكون هذه الأداة هي التي تتخذ القرار الحاسم بشأن وحدات معالجة الرسومات التي ستتولى تنفيذ هذه المهام وكيفية توزيعها لتوفير الوقت والجهد.
هذا المستوى الهائل من الانتشار والنفوذ البرمجي جعل من خطوة الاستحواذ نقطة اشتعال لجدل واسع النطاق. وتطرح هذه الخطوة تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان يمكن الوثوق بـشركة «إنفيديا» لتكون الحارس المؤتمن على أداة تخدم أيضا الأجهزة والمعدات الخاصة بمنافسيها المباشرين. ويأتي هذا التساؤل الملح في ظل هيمنة الشركة بالفعل على سوق وحدات معالجة الرسومات، وشبكات نقل البيانات، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي من خلال منصتها الشهيرة لتطوير الحوسبة الموازية المعروفة باسم «كودا».
وعود مستمرة ومخاوف متصاعدة في الأوساط التقنية
خلال إعلانها عن تفاصيل الصفقة، تعهدت إدارة الشركة الفائزة بالاستمرار في تطوير وتوزيع أداة الجدولة كبرنامج مفتوح المصدر ومحايد تماما تجاه جميع الموردين. وأكدت في بيانها الرسمي أنها ستجعله متاحا على نطاق أوسع ومدعوما بالكامل من قبل المجتمع التقني المهتم بالحوسبة عالية الأداء وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر بيئات الأجهزة والبرامج المتنوعة. من جانبه، وصف داني أوبل، الرئيس التنفيذي للشركة المطورة للأداة، هذه الصفقة بأنها بمثابة إثبات قاطع ومصادقة نهائية على الدور الحاسم الذي تلعبه تقنياتهم في بيئات العمل الأكثر تطلبا وتعقيدا في العالم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفاصيل المالية لهذه الصفقة لم يتم الكشف عنها لوسائل الإعلام حتى اللحظة.
على الجانب الآخر، يرى النقاد والمحللون التقنيون أن امتلاك خارطة طريق التطوير المستقبلية يختلف اختلافا جذريا عن مجرد امتلاك الكود المصدري المتاح للجميع. وفي هذا السياق، أوضح الخبراء وجهة نظرهم بشكل مباشر، حيث تم تداول تعليق بارز لأحد رواد البنية التحتية عبر منصة لينكد إن المهنية:
«الحياد تجاه الموردين لا يعني بالضرورة الحياد في تحديد خارطة الطريق التقنية المستقبلية للبرنامج».
فمن خلال السيطرة المباشرة على فرق البرمجة والتطوير التي تقف خلف هذه الأداة الحيوية، تكتسب الشركة الرائدة في صناعة الرقائق القدرة المطلقة على إعطاء الأولوية القصوى للميزات والتحسينات التي تخدم وتفضل أجهزتها الخاصة، حتى مع التزامها الصارم بإبقاء البرنامج مفتوح المصدر من الناحية القانونية والفنية. علاوة على ذلك، تمنح هذه الصفقة الإدارة العليا رؤية عميقة ومباشرة حول كيفية عمل مجموعات الرقائق المنافسة التي تصنعها شركات كبرى أخرى مثل «إيه إم دي» و«إنتل»، مما يمنحها دون شك أفضلية استراتيجية وذكاء تنافسيا لا يقدر بثمن.
امتلاك الطرق وإشارات المرور في آن واحد
لا يعد هذا الاستحواذ الجديد خطوة معزولة، بل هو جزء من استراتيجية توسعية ضخمة ومدروسة بعناية. فقد سبقت هذه الصفقة خطوة استراتيجية مماثلة في عام 2024، حيث جرى الاستحواذ على شركة «رن إيه آي» في صفقة قدرت قيمتها بحوالي 700 مليون دولار أمريكي. وتقدم تلك الشركة خدمات تنظيم وتنسيق متطورة لوحدات معالجة الرسومات بالاعتماد على نظام إدارة الحاويات الشهير «كوبرنيتس» لخدمة أعباء عمل الذكاء الاصطناعي الأصلية السحابية.
ومن خلال الجمع بين هذين الاستحواذين المتتالين، تمكنت «إنفيديا» من إحكام قبضتها الحديدية والسيطرة التامة على ما يُعرف بـ «طبقة الجدولة والتنسيق» لكل من أنظمة الحوسبة العملاقة التقليدية وبيئات الذكاء الاصطناعي السحابية الحديثة. وقد تم وصف هذا المشهد الاحتكاري ببراعة من قبل أحد المحللين المتخصصين في الأسواق التكنولوجية قائلا: «الأمر يشبه تماما أن تمتلك جهة واحدة شبكة الطرق السريعة وإشارات المرور التي تنظم السير عليها في آن واحد».
تحديات أمام المنافسين وبدائل الصناعة المفتوحة
- تعقيدات قانونية وفنية: يجعل الترخيص المفتوح الذي تخضع له الأداة مسألة إغلاق الكود المصدري أمرا في غاية الصعوبة من الناحية القانونية، ومن المتوقع أن تستمر عقود الدعم الفني الحالية دون انقطاع، مما يوفر بعض الطمأنينة المؤقتة للمستخدمين الحاليين.
- عقبات أمام الشركات الناشئة: بالنسبة للمؤسسات والشركات التي تعكف على ابتكار وبناء بدائل منافسة للأجهزة المسيطرة على السوق، فقد أصبحت الساحة التقنية أكثر تعقيدا وخطورة.
- الحاجة لحلول جديدة: في الوقت الراهن، يحتاج أي مسرع تقني جديد إما إلى موافقة الأداة المهيمنة للتعامل معه كمكون أساسي من الدرجة الأولى، أو سيتعين على المهندسين بناء وتطوير طبقة تنسيق وجدولة جديدة كليا من الصفر، وهو مسار محفوف بالمخاطر ويتطلب استثمارات ضخمة من الوقت والموارد المالية.
وفي ظل التسارع المحموم والنمو الهائل في حجم الإنفاق العالمي المخصص لتأسيس وتحديث البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن الطريقة والأسلوب الذي ستستخدم به هذه الشركة العملاقة نفوذها وقوتها فوق هذه الطبقة البرمجية الحاسمة — والتي غالبا ما تعمل في صمت وتظل غير مرئية للمستخدم النهائي — قد تثبت بمرور الأيام أنها واحدة من أهم الاختبارات التاريخية وأكثرها دلالة وتأثيرا على حقيقة الانفتاح وتكافؤ الفرص في قلب صناعة التكنولوجيا العالمية برمتها.
الأسئلة الشائعة
سؤال: ما هي أداة الجدولة المذكورة في المقال وما أهميتها الاستراتيجية؟
جواب: هي أداة برمجية مفتوحة المصدر تعرف باسم «سليرم» ومهمتها الأساسية جدولة مهام الحوسبة وإدارة أعباء العمل بدقة، وتقوم حاليا بتشغيل ما يقرب من 65 بالمائة من أقوى أجهزة الكمبيوتر العملاقة في العالم، مما يجعلها بمثابة العصب المركزي في البنية التحتية الفائقة للذكاء الاصطناعي.
سؤال: لماذا يثير استحواذ إنفيديا على الشركة المطورة لهذه الأداة مخاوف متزايدة؟
جواب: يخشى المبرمجون والمتخصصون من أن هذه السيطرة المباشرة ستمنح الشركة المستحوذة القدرة والنفوذ لتوجيه مسار التطوير المستقبلي لصالح أجهزتها الخاصة، بالإضافة إلى اطلاعها عن كثب على أدق تفاصيل العمل التشغيلية الخاصة برقائق منافسيها مثل إنتل و إيه إم دي.
سؤال: كيف سيؤثر هذا الاستحواذ الجديد على مستقبل المنافسة في السوق التقني؟
جواب: بعد دمج هذا الاستحواذ الجديد مع صفقات سابقة مثل استحواذها على شركة «رن إيه آي»، أصبحت الشركة مهيمنة فعليا على طبقة الجدولة السحابية والتقليدية بالكامل، مما يضاعف من صعوبة تطوير أجهزة وابتكارات بديلة تعتمد على أنظمة إدارة وجدولة محايدة ومستقلة.