في ظل سباق الذكاء الاصطناعي واتهامات الاحتكار، جوجل تعيد رسم خريطة فرقها الداخلية
تتجه جوجل حاليًا إلى إعادة هيكلة أعمالها وتحسين كفاءتها التشغيلية في ظل تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي. وقد أعلنت الشركة عن برنامج اختياري لشراء عقود موظفيها في الولايات المتحدة داخل قطاع «المنصات والأجهزة»، والذي يضم نحو 25,000 موظف بدوام كامل يعملون على منتجات شهيرة مثل أندرويد وكروم وبيكسل وفِتبيت ونيست وغيرها.
يرى ريك أوسترلوه، نائب الرئيس الأول للمنصات والأجهزة في جوجل، أن هذه الخطوة «توفر لمن يرغب فرصة الخروج الطوعي مع حزمة تعويضية»، ما يساعد على زيادة كفاءة الفرق وتركيزها على الأولويات التقنية. وعلى الرغم من أن بعض المراقبين يرون أن هذه الخطوة تهدف بالأساس إلى تخفيض التكاليف، فإنها تتزامن أيضًا مع رغبة جوجل في تعزيز إنفاقها على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2025.
لماذا تركز جوجل على الذكاء الاصطناعي الآن؟
تتسابق شركات التقنية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ تدرك الدور المتنامي لهذه التكنولوجيا في تحسين الخدمات وتوليد فرص أعمال جديدة. وتأتي هذه الخطوة من جوجل بالتزامن مع إعلانات مماثلة من شركات ضخمة مثل مايكروسوفت وميتا، اللتين أعلنتا عن تخصيص ميزانيات ضخمة للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي خلال العام الجاري.
بالنسبة لجوجل، فإن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام تحسينات كبيرة في خدمات البحث والترجمة والمساعد الرقمي، بالإضافة إلى تطوير منتجات جديدة بالكامل. ويبدو أن الشركة تسعى للتخلص من أي أعباء إدارية أو تشغيلية يمكن أن تعرقل سرعة حركتها في هذا المضمار.
آلية برنامج الشراء الاختياري
وفقًا لتقارير داخلية، تم توجيه العرض حصريًا إلى موظفي «المنصات والأجهزة»، ولن يشمل فرقًا أخرى مثل قسم الذكاء الاصطناعي أو قسم البحث. أمام الموظفين مهلة حتى 20 فبراير لاتخاذ قرارهم، وسيحصلون على رد نهائي حول قبول طلبهم بحلول 25 مارس.
تتضمن حزم التعويضات عادةً:
1. راتبًا يمتد لعدة أسابيع أو أشهر يعتمد على مدة الخدمة.
2. إمكانية الاستمرار في التأمين الصحي لفترة محددة بعد ترك العمل.
3. ربما تضمين بعض المزايا الإضافية مثل تسريع فترات استحقاق الأسهم أو المكافآت.
يقول محللون إن هذا العرض يمنح الموظفين حرية في اختيار الخروج بدلًا من مواجهة احتمال تسريح إجباري مستقبلًا، كما يُتيح للشركة إعادة توزيع مواردها البشرية بمرونة أكبر.
إيجابيات وسلبيات قبول العرض بالنسبة للموظف
من وجهة نظر الموظف، يحمل قبول العرض جوانب إيجابية؛ فهو يوفر شبكة أمان مالي من خلال التعويض، ويتيح وقتًا للبحث عن وظيفة جديدة أو إعادة تأهيل المهارات، خاصة في مجالات مثل الأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي التي تشهد طلبًا متزايدًا. كما يمكن أن يكون الانسحاب الطوعي أقل تأثيرًا سلبيًا على السيرة الذاتية بالمقارنة مع تسريح إلزامي.
من جهة أخرى، قد يواجه الموظف تحديات مثل فقدان الامتيازات والفرص التي توفرها جوجل، واحتمال الدخول في سوق عمل تقنية تنافسية رغم أنها ما زالت تملك بعض المجالات الواعدة. إضافة إلى ذلك، قد يخسر الموظف بيئة عمل ذات سمعة عالمية ودعمًا تقنيًا يصعب توفرهما في شركات أصغر.
القضايا القانونية واحتمال الاحتكار
واجهت جوجل في السنوات الأخيرة تدقيقًا قانونيًا متزايدًا من قبل وزارة العدل الأمريكية بسبب اتهامات بالاحتكار، خصوصًا فيما يتعلق بمنصة كروم ونظام أندرويد. ورغم عدم وجود رابط مباشر معلن بين هذه القضايا وبرنامج الخروج الاختياري، يرى بعض المراقبين أن جوجل قد تسعى إلى تبسيط هيكلها التنظيمي استعدادًا لأي تغييرات قانونية أو حتى طلبات بتقسيم الشركة.
كما أن تمكين الموظفين من المغادرة قد يكون جزءًا من عملية أكبر لتقييم من يرغب فعلًا بالبقاء والمساهمة في خطط الشركة، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى نحو دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف المنتجات والخدمات.
واقع سوق العمل التقني
على الرغم من الصخب المحيط بتسريحات الموظفين في قطاع التقنية منذ عام 2022، فإن السوق ما يزال بحاجة إلى متخصصين، خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني. وتشير التوقعات إلى ارتفاع عدد الوظائف التقنية في الولايات المتحدة من نحو 6 ملايين وظيفة في 2024 إلى 7.1 مليون بحلول 2034.
وبينما تسعى شركات مثل مايكروسوفت وميتا إلى زيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، تتبع أبل نهجًا مختلفًا بالحفاظ على التزامات إنفاق غير معلنة، ما أثار جدلًا حول مدى جديتها في هذا السباق التقني المحموم.
برنامج الشراء الاختياري الذي تقدمه جوجل يعكس تحولات أوسع في عالم التقنية، حيث تسعى الشركات إلى توجيه استثماراتها نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي الواعدة، وتخفيف الأعباء التي قد تعرقل مسار التطوير. ورغم أن هذا القرار قد يثير مخاوف الموظفين بشأن أمنهم الوظيفي، فهو في الوقت ذاته قد يشكل فرصة لإعادة ترتيب الأوراق وتحضير جوجل للمرحلة المقبلة، سواء على الصعيد التكنولوجي أو القانوني.