يطرح صعود حروب الذكاء الاصطناعي أكبر سؤال أخلاقي وعملي على الإطلاق: من، أو ماذا، يمتلك حق اتخاذ قرار إنهاء حياة إنسان؟ ومن يتحمل التكلفة؟ في عام 2018، احتج أكثر من 3000 موظف في شركة «غوغل» على تورط شركتهم في «صناعة الحرب» بعد اكتشافهم أن الشركة جزء من «مشروع مافن»، والذي كان حينها جهدا ناشئا من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لاستخدام الرؤية الحاسوبية لفرز كميات هائلة من لقطات الفيديو التي التقطتها الطائرات بدون طيار الأمريكية في حروبها الخارجية. لقد تملكهم الخوف من أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي الخاص بالمشروع يوما ما في عمليات الاستهداف القاتلة.
في مسعى استمر لسنوات لكشف القصة الكاملة لهذا النظام، تبين أن ما خشاه المحتجون هو بالضبط ما حدث، وأن هذه المبادرة كانت مثيرة للجدل داخل البنتاغون بالقدر نفسه. لكن ذلك لم يوقف تقدمها المستمر. واليوم، تُستخدم الأداة المعروفة باسم «النظام الذكي لمافن» في العمليات الأمريكية. إن كيفية تحول كبار قادة الجيش الأمريكي من التشكيك في استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب إلى إيمان مطلق به، ترتبط ارتباطا وثيقا بعقيد في مشاة البحرية يُدعى درو كوكور.
من التشكيك إلى الإيمان المطلق
في أوائل سبتمبر 2024، وخلال حفل استقبال في خلوة خاصة لمستثمري التكنولوجيا وقادة الدفاع، التقى نائب الأدميرال فرانك ويتوورث بالعقيد درو كوكور. وقف القائد المؤسس للمشروع وخليفته المتشكك وجها لوجه. قبل ثلاث سنوات، كان ويتوورث أرفع مسؤول عسكري للاستخبارات في البنتاغون، وكان يدير أحد أكثر أجزاء العملية العسكرية حساسية وفتكا: تحديد الأهداف. أما كوكور، ضابط الاستخبارات الشرس الذي تحدى البيروقراطية الدفاعية وسعى وراء حرب الذكاء الاصطناعي حتى على حساب مسيرته الشخصية، فكان يختتم سنواته الخمس كمدير للمشروع.
في اجتماع سابق سادته أجواء متوترة، أمطر ويتوورث زميله كوكور بأسئلة قاسية حول ما إذا كان النظام يتخطى خطوات حاسمة في عملية تحديد الأهداف، ويتحرك بسرعة مفرطة ويكسر القواعد. كان ويتوورث يتساءل: «أخبرني عما سيحدث بعد أي خطأ عندما نضطر للمثول أمام جلسة استماع للكونغرس ونتلقى أسئلة صعبة؟» لقد ساوره القلق بشأن حفظ السجلات والمساءلة عند إشراك الذكاء الاصطناعي في الاستهداف، وأعرب عن شكوك قوية في أن المشروع يستحق المليار دولار التي أنفقها الكونغرس عليه بالفعل، والتي ذهب جزء كبير منها إلى شركة «بالانتير» الناشئة والمثيرة للجدل في وادي السيليكون.
عندما تولى ويتوورث مسؤولية وكالة الاستخبارات الجغرافية المكانية الوطنية في يونيو 2022 وأصبح مسؤولا عن مستقبل المشروع بعد رحيل كوكور، كان لا يزال يعتقد أن النظام مبالغ في سعره، ومتهور فيما يخص مبادئ تحديد الأهداف. كان بإمكانه إيقاف البرنامج في لحظة. ولكن بعد أكثر من عامين من قيادة الوكالة، وبدلا من التخلي عن المشروع، أشاد ويتوورث بالبرنامج. «درو، هذا عمل مهم»، هكذا طمأن كوكور في حدث سبتمبر 2024. لقد أصبح النظام قادرا على دمج بيانات ساحة المعركة المتفرقة على خريطة رقمية وعرض اكتشافات الذكاء الاصطناعي التي يمكن نشرها في تحديد الأهداف بمرونة فائقة.
تطبيع الذكاء الاصطناعي في الحروب
تحت قيادة ويتوورث، ظهر المشروع إلى العلن بعد سنوات من السرية التامة التي حافظ عليها كوكور في أعقاب احتجاجات «غوغل». أصبح اتخاذ قرار إطلاق النار يشكل أقصر عنصر في دورة تحديد الأهداف، بعد أن تم أتمتة كل جزء آخر من الدورة تقريبا. بدأت الوثائق الداخلية تشير إلى «التعرف التلقائي على الأهداف»، وبدأ ويتوورث يصف المشروع بأنه البرنامج الأبرز في وكالته.
في أحد مؤتمرات شركة «بالانتير»، وقف ويتوورث بزيّه العسكري الرسمي واستعرض نظام الاستهداف بالذكاء الاصطناعي. ظهرت أيقونة تنبه الجمهور إلى «نشاط عدو محتمل». وبنقرة واحدة بالمؤشر، ظهرت مجموعة من الدبابات على خريطة افتراضية. بنقرتين إضافيتين تم تحديد ارتفاع المجموعة وخطوط العرض والطول؛ ثم تم ربط الهدف بطائرة مقاتلة تبعد 82 ميلا. وبنقرة أخيرة، ومضت علامة صح خضراء: «تم تدمير الهدف». أصبحت الحرب مجرد عملية تجارية أخرى، محشورة بين مبيعات التجزئة وخدمات الرعاية الصحية التي تقدمها الشركة لعملائها الآخرين.
رقابة عالمية من قاع البحر إلى الفضاء
أصبح ويتوورث من أشد المعجبين بالذكاء الاصطناعي لدرجة أن وكالته بدأت في إصدار تقارير استخباراتية منتجة آليا لصناع القرار الأمريكيين لم تلمسها «أي أيدي بشرية». وأطلقت الوكالة عقدا ضخما لتصنيف البيانات لدعم نماذج الرؤية الحاسوبية الخاصة بالنظام. أراد ويتوورث توسيع نطاق وقدرات وكالته لتتماشى مع انتشار أجهزة الاستشعار العالمية، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات، وهذا يتطلب مراقبة عالمية لتقديمها.
باتت الوكالة قادرة على تتبع كل التحركات في 49000 مطار حول العالم، وتطمح لتوسيع خرائطها الرقمية لتشمل الفضاء باستخدام المغناطيسية والجاذبية والاستشعار عن بعد. «من قاع البحر إلى الفضاء»، كان هذا هو الشعار الجديد الذي كشف عنه في عام 2023. إن آلة الحرب الأمريكية تبحث الآن عن المعرفة المطلقة والوجود المطلق.
ساحات المعارك: الاختبار الحقيقي للنظام
بحلول نهاية عام 2023، أصبح «مشروع مافن» برنامجا رسميا معتمدا بميزانية ثابتة من الكونغرس. وخلال عام 2024، عمل ويتوورث على حشد مستخدمين جدد للمنصة، واتصل بقادة القوات القتالية في كل منطقة لعرض أحدث ميزات النظام. لقد حقق النظام نجاحا خاصا في الشرق الأوسط، حيث بدأ الجنرال إريك كوريلا، قائد القيادة المركزية الأمريكية، في استخدامه بشكل مكثف لدعم الضربات الجوية الأمريكية.
مع بداية الصراعات الواسعة أواخر عام 2023، غيرت القيادة المركزية وتيرتها التشغيلية. تم استخدام النظام في فبراير 2024 لتحديد منصات إطلاق الصواريخ في اليمن والسفن السطحية غير المأهولة في البحر الأحمر. ساعد الذكاء الاصطناعي في تضييق نطاق أكثر من 85 هدفا ضربتها القاذفات والطائرات المقاتلة الأمريكية في العراق وسوريا. كان هذا تأكيدا علنيا على أن الجيش الأمريكي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أنظمة العدو التي ستضربها أسلحته.
بحلول عام 2024، كان لدى القيادة 179 موجز بيانات حي مختلف من الأرض والبحر والجو والفضاء والإنترنت تتدفق إلى النظام. يمكن للمنصة تحديد أقرب الأسلحة المتاحة، والأسلحة الأنسب للمهمة، ووقت الطيران، وتفاصيل تحميل الأسلحة.
استخدامات محلية ومخاوف أمنية
لم يقتصر استخدام النظام على الساحات الخارجية. في عام 2024، تبنت قيادة الدفاع الجوي الفضائي لأمريكا الشمالية وقيادة الدفاع عن الوطن هذا النظام. بدأ استخدامه لعرض وتتبع حركات الطائرات العسكرية الروسية والصينية، والطائرات الأخرى التي تقترب من الولايات المتحدة. وبحلول عام 2025، أصبح للنظام استخدامات في أمن الحدود، حيث كشف مسؤولون أنه ساعد في اكتشاف وتصنيف واعتراض عشرات السفن المشتبه في قيامها بأنشطة غير مشروعة، وتحديد الأشخاص الذين يحاولون عبور الحدود الجنوبية.
أثار هذا التوسع مخاوف من ظاهرة «الارتداد الإمبراطوري»، وهي النظرية التي تفيد بأن القوة التي تستخدم تقنيات قمعية في الخارج ستجلبها في النهاية إلى الداخل، مما قد يؤدي إلى جيش مجهز جيدا ومُحسّن لحرب داخلية.
هل أصبحنا أمام نظام أسلحة مستقل؟
رغم تأكيد العديد من المسؤولين أنهم لا يبنون حاسوبا خارقا خارجا عن السيطرة، ورغم سخرية مسؤولي شركات التكنولوجيا من فكرة أن يكون النظام هو بحد ذاته «نظام أسلحة»، إلا أن الواقع يبدو مختلفا. عندما سُئل الجنرال كريستوفر دوناهو عما إذا كان النظام يعتبر نظام أسلحة، أجاب بوضوح: «أوه، بالتأكيد»، متوقعا أن تصبح كل هذه العمليات آلية بالكامل في النهاية.
تتفق إيميليا بروباسكو، وهي ضابطة سابقة في البحرية، مع هذا الرأي، وتحذر من نقص التدريب. الأشخاص الذين يستخدمون النظام اليوم لا يخضعون لتدريب صارم كالذي كان يُعطى لمشغلي أنظمة الأسلحة التقليدية، رغم إدراك الجميع للطرق والظروف المتعددة التي قد يفشل فيها الذكاء الاصطناعي. تقول بروباسكو: «لا أحد يريد أن يكون الشخص الذي أسقط طائرة مدنية».
لقد أدى الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى تسريع وتيرة الحرب. تحولت قدرة الولايات المتحدة بمساعدة الرؤية الحاسوبية من ضرب أقل من مائة هدف يوميا إلى القدرة على ضرب ألف هدف. ومع دمج نماذج اللغات الكبيرة، تسارعت العمليات لترتفع القدرة إلى 5000 هدف يوميا.
وفي تعبير يعكس التحول الجذري في التفكير داخل أروقة الدفاع، قال أحد مديري المهام: «المشروع أصبح حركة كاملة، لقد شربنا الكول إيد». وهي عبارة أمريكية مجازية تعني الإيمان المطلق والتسليم الأعمى بفكرة ما، وتعود أصولها المظلمة إلى حادثة طائفة دينية شرب أتباعها عصيرا مسموما في عام 1978 وأدى إلى هلاكهم جميعا.
الأسئلة الشائعة
ما هو «مشروع مافن»؟
هو مبادرة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تهدف إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية في العمليات العسكرية، لا سيما في تحليل كميات ضخمة من البيانات ولقطات الفيديو لتحديد الأهداف بدقة وسرعة.
ما هو دور شركة بالانتير في هذا المشروع؟
لعبت شركة بالانتير دورا رئيسيا في تطوير «النظام الذكي»، وهو منصة برمجية تجمع بيانات ساحة المعركة من مصادر متعددة وتعرض اكتشافات الذكاء الاصطناعي لتسهيل اتخاذ قرارات الاستهداف وربطها بأنظمة الأسلحة.
هل يتم تدريب المشغلين بشكل كافٍ على استخدام هذا النظام القاتل؟
يشير العديد من الخبراء العسكريين والضباط السابقين إلى وجود نقص كبير في التدريب المخصص لاستخدام هذا النظام مقارنة بأنظمة الأسلحة التقليدية، مما يثير مخاوف جدية حول المساءلة واحتمالية حدوث أخطاء كارثية بسبب هلوسات الذكاء الاصطناعي.
هل اقتصر استخدام النظام على ساحات المعارك الخارجية؟
لا، فقد امتد استخدام النظام ليشمل مجالات الأمن الداخلي وحماية الحدود ومكافحة التهريب، حيث تعتمد عليه وكالات مثل حرس السواحل والجمارك لاكتشاف التحركات غير المشروعة بسرعة تفوق القدرة البشرية بكثير.