تشهد الساحة التكنولوجية والمالية في القارة الأوروبية حالة من الاستنفار غير المسبوق، حيث تكثف الهيئات التنظيمية الأوروبية من تدقيقها وتدابيرها الرقابية لمواجهة التهديدات السيبرانية المحتملة التي يفرضها نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد من شركة «أنثروبيك»، والذي يحمل اسم «كلود ميثوس بريفيو». ويأتي هذا التحرك في وقت يستعد فيه البنك المركزي الأوروبي لتوجيه سلسلة من الأسئلة الحاسمة للمقرضين والمؤسسات المالية حول مدى قوة دفاعاتهم السيبرانية. وفي السياق ذاته، أكدت المفوضية الأوروبية أنها فتحت بالفعل قنوات نقاش مباشرة مع شركة الذكاء الاصطناعي الرائدة لفهم أبعاد هذا النموذج الجديد وتأثيراته المحتملة على استقرار الأنظمة الرقمية الحساسة.
البنك المركزي الأوروبي يفتح باب الاستجواب
يعمل المشرفون في البنك المركزي الأوروبي بنشاط مكثف على جمع كافة المعلومات والبيانات المتاحة حول نموذج ميثوس المتطور. وتخطط السلطات الرقابية لاستجواب البنوك الأوروبية حول مدى استعدادها لمواجهة هذه المخاطر التقنية، وذلك من خلال الحوارات الإشرافية الروتينية، وفقا لما نقلته وكالات الأنباء عن مصادر مطلعة على هذا الملف الحساس. وعلى النقيض من الاستراتيجية المتبعة في الولايات المتحدة، حيث عقد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسينت، اجتماعا طارئا واستثنائيا مع كبار المسؤولين التنفيذيين من بنوك كبرى مثل «بنك أوف أمريكا» و«سيتي» و«ويلز فارجو» في وقت سابق من هذا الشهر، فإن البنك المركزي الأوروبي لم يقم حتى الآن بجدولة أي جلسات استثنائية أو طارئة مع الإدارة العليا للمؤسسات المصرفية، مفضلا دمج هذه الاستجوابات ضمن آليات الرقابة الدورية.
وتعكس هذه التحركات الرقابية قلقا متزايدا بين السلطات الأوروبية من أن نموذج ميثوس قد يرفع من وتيرة ومستوى المخاطر المرتبطة بالهجمات السيبرانية، خاصة بالنسبة للمؤسسات المالية التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على أنظمة تكنولوجية قديمة وموروثة. وقد وصفت شركة «أنثروبيك» هذا النموذج بأنه يمتلك قدرات استثنائية قادرة على تحديد واستغلال الثغرات الأمنية عبر جميع أنظمة التشغيل الرئيسية ومتصفحات الويب المتاحة في السوق، مما يجعله سلاحا ذا حدين يمكن أن يهدد البنية التحتية المصرفية إذا لم يتم التعامل معه بحذر شديد.
قنوات اتصال مباشرة وتدقيق من المفوضية الأوروبية
من جانبه، أكد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، توماس رينييه، أن الكتلة الأوروبية تخوض حاليا مناقشات مستفيضة مع شركة «أنثروبيك». وصرح رينييه أمام الصحفيين قائلا: «لدينا نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يتم إطلاقه الآن، وهو يأتي مصحوبا بعدد معين من المخاطر الجوهرية. نحن بحاجة ماسة إلى الحصول على معلومات دقيقة ووافية عندما يتعلق الأمر بهذه المخاطر». وأضاف أن الاجتماع الأول بين الطرفين انعقد بالفعل، ومن المقرر أن تعقبه سلسلة من الاجتماعات الإضافية لضمان تقييم الوضع بشكل كامل.
ويأتي هذا التواصل الرسمي بعد أن تم استبعاد الوكالات السيبرانية الأوروبية بشكل كبير من الحصول على حق الوصول المبكر لتقييم التقنية الجديدة. وقد أظهر مسح أجرته صحيفة «بوليتيكو» شمل 8 وكالات وطنية أوروبية متخصصة في الأمن السيبراني، أن المكتب الفيدرالي الألماني لأمن المعلومات كان الجهة الوحيدة التي تمكنت حتى من التحدث مع الشركة المطورة، في حين لم تقم أي وكالة أوروبية أخرى باختبار النموذج فعليا. وفي ظل هذه التطورات، تفيد التقارير بأن مكتب الذكاء الاصطناعي التابع للاتحاد الأوروبي يتواصل بانتظام مع الشركة لضمان التزامها المستقبلي بالمعايير الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا.
مشروع «غلاسوينغ» وسباق الذكاء الاصطناعي الدفاعي
كانت شركة «أنثروبيك» قد كشفت النقاب عن نموذجها المثير للجدل في 7 أبريل، وسرعان ما قامت بفرض قيود صارمة على الوصول إليه، حيث قصرت استخدامه على حوالي 40 إلى 50 مؤسسة فقط من خلال مبادرة أطلقت عليها اسم مشروع «غلاسوينغ». وتضم قائمة الشركاء الأوائل الذين حظوا بفرصة الإطلاق الحصري نخبة من عمالقة التكنولوجيا والمال، بما في ذلك شركات «آبل»، و«جوجل»، و«مايكروسوفت»، و«إنفيديا»، و«أمازون ويب سيرفيسز»، بالإضافة إلى بنك «جيه بي مورغان» وشركة «كراود سترايك».
وقد أثبت هذا النموذج جدارته وقوته التقنية بشكل سريع، حيث أفادت التقارير بأنه تمكن من اكتشاف خطأ برمجي معقد يبلغ من العمر 27 عاما في نظام «أوبن بي إس دي»، فضلا عن تحديده لآلاف الثغرات الأمنية الخطيرة غير المصححة. وتدل هذه الإنجازات التقنية على أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحدث ثورة حقيقية في طرق اكتشاف نقاط الضعف، لكنها تضع في الوقت ذاته تحديات غير مسبوقة أمام فرق الأمن السيبراني المطالبة بالتحرك بوتيرة أسرع من أي وقت مضى لترقيع هذه الثغرات قبل استغلالها.
بريطانيا تسرع الخطى وسط أولويات رقابية صارمة
على الجانب الآخر، تبدو المملكة المتحدة تتحرك بوتيرة أسرع بكثير من نظيراتها في القارة الأوروبية. فقد أعلنت الشركة المطورة عن خططها لإطلاق النموذج للمؤسسات المالية البريطانية خلال الأسبوع المقبل، وفقا لتصريحات بيب وايت، رئيسة عمليات الشركة في المملكة المتحدة وأيرلندا وشمال أوروبا. وفي سياق متصل، تستعد مجموعة المرونة التشغيلية عبر الأسواق التابعة لبنك إنجلترا لتقديم إحاطات شاملة للبنوك وشركات التأمين الكبرى في المملكة المتحدة حول التداعيات المحتملة لهذا النموذج على أنظمتها الحالية.
أما البنك المركزي الأوروبي، فقد كان استباقيا في إدراج المخاطر التكنولوجية ضمن أهم أولوياته الإشرافية للفترة الممتدة من عام 2026 إلى عام 2028. وكما أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، في خطاب ألقاه مؤخرا، فإن المخاطر السيبرانية قد تسلقت سلم التصنيفات الرقابية «بسرعة تفوق أي فئة أخرى من المخاطر خلال السنوات الأخيرة»، مما يؤكد أن عصر الذكاء الاصطناعي الجديد يتطلب منظومة دفاعية متكاملة تتجاوز الحلول التقليدية وتواكب التطورات المتسارعة.
الأسئلة الشائعة
- ما هو نموذج ميثوس الذي تطوره شركة أنثروبيك؟
- هو نموذج ذكاء اصطناعي متقدم يُعرف باسم «كلود ميثوس بريفيو»، يتمتع بقدرات فائقة على تحديد واستغلال الثغرات الأمنية في أنظمة التشغيل ومتصفحات الويب.
- لماذا يشعر البنك المركزي الأوروبي بالقلق تجاه هذا النموذج؟
- يخشى البنك المركزي الأوروبي من أن يؤدي النموذج إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالهجمات السيبرانية على المؤسسات المالية، خاصة تلك التي لا تزال تعتمد على أنظمة تكنولوجية قديمة وموروثة.
- ما هو مشروع غلاسوينغ؟
- هو مبادرة أطلقتها شركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي تتيح الوصول المقيد للنموذج لعدد محدود من المؤسسات يتراوح بين 40 و50 مؤسسة، من بينها شركات تكنولوجية عملاقة وبنوك كبرى.
- كيف تختلف استجابة بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي بشأن هذا النموذج؟
- تتحرك المملكة المتحدة بشكل أسرع بكثير، حيث سيتم إطلاق النموذج للمؤسسات المالية البريطانية الأسبوع المقبل مصحوبا بإحاطات من بنك إنجلترا، بينما لا يزال الاتحاد الأوروبي في مرحلة المناقشات والاستجوابات الدورية.