قدرات الذكاء الاصطناعي أصبحت محور جدل واسع في عالم التقنية اليوم. في هذا المقال، نستعرض قصة الباحث الفرنسي فرانسوا شوليه، الذي يسعى لكشف ثغرات النماذج الذكية وبيان مدى محدوديتها أمام الذكاء البشري.
محتويات المقالة:
- مقدمة
- العقل البشري والذكاء الاصطناعي
- اختبار ARC-AGI للذكاء الاصطناعي
- الجدل حول الذكاء الاصطناعي العام
- خاتمة
- الأسئلة الشائعة
مقدمة
في تاريخ 04 أبريل 2025 عند الساعة 12:32 PM ET، نشر الكاتب ماتيو وونغ مقالاً تحت عنوان: «الرجل الذي يسعى لإثبات مدى غباء الذكاء الاصطناعي حتى اليوم». يتحدث المقال عن اثنين من أبرز الشخصيات في مجال الذكاء الاصطناعي: سام ألتمان وفرانسوا شوليه. يجمعهما حلم واحد، يتمثل في بناء نماذج ذكاء اصطناعي تصل إلى ما يسمى «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI)، أي أن تضاهي قدرات العقل البشري أو تتفوق عليها. ومع ذلك، يختلف الرجلان في رؤيتهما لإنجازات الوقت الحالي، حيث ألمح ألتمان إلى أن شركته OpenAI اقتربت عملياً من تحقيق ذلك، في حين يرى شوليه، عالم الحاسوب الفرنسي والناقد البارز، أن هذا الزعم «مجرد هراء مطلق».
متى نحصل على شبيه شات جي بي تي لعالم الروبوت؟
العقل البشري والذكاء الاصطناعي
عندما أجرى ماتيو وونغ لقاءً مع شوليه في وقت سابق من هذا العام، أشار شوليه إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي اعتادت الكسل الفكري، مدّعيةً أن أنظمتها على أعتاب وعي تقني أو معرفة متكاملة، دون أن تقدم دليلاً علمياً راسخاً على ذلك. إذ تتفاخر كثير من الشركات حالياً بقدرة نماذجها على اجتياز اختبارات محددة مثل LSAT أو Advanced Placement Biology أو حتى اختبارات «سوموليه» التمهيدية في مجال النبيذ. صحيحٌ أن هذه النماذج مبهرة، لكن بالنسبة لشوليه، فهي تفتقر إلى مقومات الذكاء الحقيقي، حيث إنها مجرد نماذج تتقن مهام معينة أو اجتياز اختبارات معروفة.
يرى شوليه، مثل ألتمان وغيره من عمالقة التقنية، أن الطريق إلى الذكاء الاصطناعي الحقيقي يمتد نحو آفاق كبيرة كعلاج الأمراض ومواجهة التغير المناخي ومكافحة الفقر وحتى السفر بين النجوم. إلا أن النجاح في هذه المجالات يتطلب من الذكاء الاصطناعي إظهار قدرة على الابتكار، لا مجرد تقليد مهام بسيطة أو تجميع تقارير بحثية معقدة.
يتميز شوليه بأسلوب نقدي لكنه لا يرفض الذكاء الاصطناعي رفضاً كلياً. فقد ساهم بشكل كبير في تطوير أبحاث التعلم العميق، وعمل كمهندس برمجيات في شركة غوغل من عام 2015 حتى نوفمبر الماضي. لكنه يشعر بالقلق من أن الصناعة تحيد عن مسارها.
اختبار ARC-AGI للذكاء الاصطناعي
في عام 2019، ابتكر ما أسماه «Abstraction and Reasoning Corpus for Artificial General Intelligence» أو اختصاراً ARC-AGI، وهو اختبار يهدف إلى كشف الفروق بين الذكاء القائم على الحفظ والاستدعاء والتكرار، وبين «الذكاء السائل» الذي يحمله العقل البشري.
يُعرِّف شوليه «الذكاء السائل» بأنه القدرة على تعلم مهارات وحل مشكلات غير مألوفة بالاعتماد على المبادئ الأساسية، عوضاً عن تكديس المعلومات الهائلة وإعادة إنتاجها. وفي عام 2022، أطلق جائزة «ARC Prize» مع مكافأة قيمتها 1 مليون دولار لتشجيع الباحثين على الوصول بنتائجهم إلى مستوى أرقى من التفكير الإبداعي.
أظهرت الاختبارات أن معظم البشر يحققون درجات تتراوح بين 60 و70 بالمئة في ARC-AGI، بينما سجلت نماذج معروفة مثل GPT-3 (الذي صار أساس ChatGPT) نسبة 0 بالمئة. وفيما بعد، تحسنت النماذج بعض الشيء، لكن أياً منها لم يصل إلى مستوى مقارب للبشر إلا مؤخراً. ويرى شوليه أن تلك النماذج مع أنها قوية من ناحية الحوسبة والتدريب الضخم، فإنها لا تملك ملكة التفكير المجرَّد كتلك التي لدى الطفل البشري.
في اختبار ARC-AGI، يُطلب من النماذج ملء شبكة بألوان محددة وفق قواعد يستنتجها المختبِر من نماذج سابقة، مثل ملاحظة أن اللون الأزرق يحيط به دائماً لون برتقالي في كل مثال، ومن ثم تطبيق القاعدة على نماذج جديدة. هذا النوع من المهمات يختبر بوضوح الذكاء الاستنباطي الإبداعي، وليس مجرد القدرة على إعادة استدعاء بيانات.
من مايكروسوفت إلى إنفيديا: وكلاء الذكاء الاصطناعي قادمون في 2025
الجدل حول الذكاء الاصطناعي العام
لقد بقيت الشركات الكبرى للذكاء الاصطناعي تتجنب هذا الاختبار لأنه بدا عصياً على نماذجها. حتى GPT-4 لم يحقق سوى تحسن طفيف عند إطلاقه في 2023، وفي عام 2024 خرجت نسخة تُسمّى GPT-4o بقدرة أفضل بعض الشيء، لكن النسب بقيت متواضعة (5 بالمئة تقريباً). أما شركة Anthropic بنموذجها Claude 3.7 فلم تتجاوز 14 بالمئة.
لكن نقطة التحول جاءت عندما قدمت OpenAI نموذجاً جديداً أطلقت عليه «o1»، ثم نسخة أكثر تطوراً «o3» في أواخر ديسمبر الماضي، التي حققت مفاجأة عندما وصلت إلى 87 بالمئة في اختبار ARC-AGI، أي مستوى يقارب أداء البشر. وصف شوليه هذا الإنجاز بأنه «تقدُّم حقيقي»، حيث بيّن أن النموذج بدأ يخلط بين أساليب مختلفة من التفكير على نحو يوحي بقدر ما من الإبداع.
على الرغم من حماس الكثيرين لإعلان اقتراب تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، بقي شوليه متمسكاً بشكوكه، مشيراً إلى أن النجاح في اختبار واحد لا يعني التوصل إلى ذكاء حقيقي. وقد لجأ إلى إطلاق نسخة أكثر صعوبة من الاختبار تُسمى ARC-AGI-2، حيث انخفضت نتائج النماذج بشكل كبير، لتعيد الشركات مرة أخرى إلى نقطة البداية في مسألة التفكير الإبداعي الحقيقي.
أوضح شوليه أن النماذج الجديدة مثل o3 من OpenAI احتاجت وقتاً طويلاً (بلغ 14 دقيقة تقريباً لكل لغز) وكلفة حاسوبية باهظة للوصول إلى حلول تبدو وكأنها «تفكير متدرج»، وليس تفكيراً مجرداً يشبه ما يقوم به الدماغ البشري خلال ثوانٍ. من جانب آخر، يعتبر بعض مسؤولي الشركات أن الكلفة الكبيرة والتفكير الطويل ليسا عائقاً ما دام يحقق أهداف السوق.
خاتمة
في النهاية، ما يزال مفهوم «الذكاء الاصطناعي العام» مثيراً للجدل، وذلك لأن القدرات البشرية نفسها متنوعة وغير معرَّفة بدقة، فما بالك بالقدرة على محاكاتها. يظلّ أمام الذكاء الاصطناعي شوطٌ طويل لتعلم طريقة ابتكار الأفكار والمهارات الجديدة بمرونة تشبه مرونة العقل البشري.
الأسئلة الشائعة
1. ما هو الاختبار الذي ابتكره فرانسوا شوليه؟
ابتكر شوليه اختباراً يُعرف باسم ARC-AGI لقياس مدى قدرة النماذج على التفكير المجرد والاستنتاجي بدلاً من مجرد إعادة إنتاج المعلومات المخزنة.
2. هل اجتاز GPT-4 الاختبار بنجاح؟
سجل GPT-4 نسبة متواضعة في البداية، وظهرت نسخ لاحقة مثل GPT-4o بنسبة أفضل قليلاً (5 بالمئة تقريباً)، لكنها لم تقارب المستوى البشري.
3. لماذا يعتبر شوليه أن النماذج الحالية ليست ذكية بحق؟
لأنه يرى أن معظم النماذج تعتمد على حفظ كميات ضخمة من البيانات وإعادة إنتاجها، دون امتلاكها المقدرة على ابتكار حلول إبداعية لمشكلات جديدة.
4. ما أهمية ARC-AGI-2؟
ARC-AGI-2 نسخة أكثر تعقيداً وصعوبة، صُممت لاختبار إلى أي مدى يمكن للنموذج أن يحقق «الذكاء السائل» الحقيقي بدلاً من النجاح في نماذج محدودة النطاق.
5. هل يعني اجتياز الاختبارات الحالية تحقيق الذكاء الاصطناعي العام؟
ليس بالضرورة، إذ يشير كثير من الخبراء إلى أن تحقيق أداء عالٍ في اختبارات معينة لا يعني امتلاك «ذكاء» قريب من الذكاء البشري في مختلف المجالات.
6. كيف تنظر شركات الذكاء الاصطناعي إلى هذه الاختبارات؟
تتفاوت الرؤى، فبعضها يعتبره أساساً لتطوير النماذج نحو تفكير أكثر إبداعاً، والبعض الآخر يركز على نواحي التطبيق العملية التي تدر أرباحاً.
7. ما مستقبل الذكاء الاصطناعي وفقاً لشوليه؟
يعتقد أنه ما يزال أمام الذكاء الاصطناعي طريق طويل لتطوير قدراته في التفكير الاستنتاجي والإبداعي، ويرى أن هذه الاختبارات ستدفع نحو مزيد من التقدم.