مع نهاية موجة الحماس الواسعة التي سيطرت على قطاع الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، تجد الشركات نفسها اليوم أمام سؤال أكثر صعوبة: أين القيمة الحقيقية؟
بعد عام امتلأ بالمشاريع التجريبية، وروبوتات الدردشة المتفرقة، والاستثمارات الضخمة التي لم تحقق دائماً عائداً واضحاً، يبدو أن عام 2026 سيكون مرحلة مختلفة تماماً. لم يعد المطلوب من الشركات أن تثبت فقط أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي، بل أن تبرهن كيف يساهم هذا الاستخدام في خفض التكاليف، تحسين الكفاءة، رفع الإيرادات، وحماية البيانات.

في مقابلة موسعة، قال أنتوني دورنان، المدير العام الأول في قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات لدي شركة FTI Consulting، إن عام 2025 كان عام التجارب، بينما سيكون عام 2026 عام الأسئلة الصعبة حول القيمة والعائد علي الاستثمار.
وقال دورنان: “أعتقد أن عام 2025 كان عاماً للمشاريع التجريبية، حيث تسابقت كل مؤسسة لإثبات قدرتها علي التنفيذ في مجال الذكاء الاصطناعي. أما الآن، فقد أصبح 2026 هو العام الذي تتصدر فيه التساؤلات حول القيمة والعائد علي الاستثمار أولويات المؤسسات”.
هذه المرحلة الجديدة لا تعني تراجع أهمية الذكاء الاصطناعي، بل تعني أن الشركات بدأت تنتقل من الحماس السريع إلي الإدارة الصارمة. فالتقنية لم تعد مجرد أداة للظهور بمظهر متطور، بل أصبحت قراراً استراتيجياً يحتاج إلي بنية بيانات واضحة، حوكمة قوية، قدرة حاسوبية مضمونة، ومؤشرات أداء يمكن قياسها.
الذكاء الاصطناعي السيادي يغير قواعد اللعبة
واحدة من أبرز التحولات التي تواجه الشركات في الشرق الأوسط اليوم هي صعود مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي. ومع تشديد الحكومات حول العالم، من أوروبا إلي دول الخليج، لقوانين حماية البيانات وحوكمتها، لم يعد من السهل الاعتماد الكامل علي الخدمات السحابية العالمية المركزية كما في السابق.
في الخليج تحديداً، تسارعت الاستثمارات في البنية التحتية التقنية داخل كل من الإمارات، السعودية، وقطر، في محاولة لضمان بقاء البيانات الحساسة داخل الحدود الوطنية، خصوصاً مع تزايد الاعتماد علي نماذج الذكاء الاصطناعي في قطاعات مالية، حكومية، صحية، وتشغيلية حساسة.
يرى دورنان أن السيادة علي البيانات أصبحت أحد أهم ملفات المرحلة المقبلة. فالشركات متعددة الجنسيات العاملة في المنطقة لم تعد قادرة علي التعامل مع البيانات المحلية كما لو كانت جزءاً من نظام عالمي واحد مفتوح. عليها اليوم أن تبني ما وصفه بـ بنية بيانات متكاملة وموزعة، تسمح للنماذج بالاستفادة من البيانات من دون خرق القواعد المحلية.
بمعني أوضح، لن يكون الحل دائماً في نقل البيانات إلي النموذج. في كثير من الحالات، يجب أن ينتقل النموذج نفسه إلي حيث توجد البيانات.
وهذا يفرض علي الشركات إعادة التفكير في تصميم أنظمتها من البداية. فالامتثال لم يعد خطوة لاحقة، بل يجب أن يكون جزءاً من التصميم الأساسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإخفاء الهوية، استخدام البيانات الاصطناعية، أو تقليل المعلومات الشخصية الحساسة قبل تشغيلها داخل النماذج.
أزمة الرقائق والحوسبة تضغط علي الشركات
لكن بناء ذكاء اصطناعي محلي أو سيادي لا يتوقف فقط علي القوانين والبيانات. هناك عائق مادي واضح: القدرة الحاسوبية.
مع تزايد الطلب العالمي علي وحدات المعالجة الرسومية ومراكز البيانات، أصبحت الشركات تواجه نقصاً حقيقياً في الأجهزة والطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وبحسب دورنان، فإن الضغوط في عام 2026 ستكون أكبر مما كانت عليه في 2025، خصوصاً مع استحواذ كبار مزودي الخدمات السحابية علي حصة ضخمة من الموارد المتاحة.
ولهذا، يدعو دورنان الشركات إلي التعامل مع القدرة الحاسوبية كما تتعامل مع أي مورد استراتيجي مهم. أي أن عليها تأمين عقود طويلة الأجل، تنويع الموردين، وتجنب الاعتماد الكامل علي جهة واحدة.
لكن الحل لا يكمن فقط في شراء المزيد من القدرات الحاسوبية. فالكثير من الشركات، بحسب دورنان، تستخدم موارد باهظة في مهام لا تحتاج فعلياً إلي هذا المستوي من القوة.
وقال: >>لا تحتاج كافة الأعمال التي تقوم بها الشركات إلي حوسبة عالية الأداء أو وحدات معالجة رسومية فائقة التطور<<.
وهنا تظهر أهمية إدارة الأحمال بذكاء. فتدريب النماذج الكبيرة يحتاج إلي رقائق متقدمة، لكن كثيراً من مهام التشغيل اليومي أو الاستدلال لا تحتاج إلي الإمكانات نفسها. لذلك، يمكن للشركات خفض التكاليف بشكل كبير إذا وزعت مهامها التقنية بطريقة أكثر كفاءة.
نهاية عصر التجارب المنعزلة
خلال العامين الماضيين، سارعت شركات كثيرة إلي إطلاق أدوات ذكاء اصطناعي، خصوصاً روبوتات الدردشة، من دون أن تكون لديها خطة واضحة لما تريد تحقيقه. النتيجة كانت مشاريع كثيرة تبدو حديثة من الخارج، لكنها لا تغير شيئاً جوهرياً داخل العمل.
دورنان يري أن هذه المشكلة تعود إلي غياب السؤال الأساسي: ما المشكلة التجارية التي نريد حلها؟
فإذا أطلقت شركة روبوت دردشة لخدمة العملاء، لكن النظام الداخلي لا يسمح بحل مشاكل العملاء فعلياً، فإن الذكاء الاصطناعي يصبح طبقة إضافية من التكلفة، وليس أداة لتحسين الأداء.
وقال دورنان إن الشركات لا يجب أن تبدأ من التقنية، بل من الحاجة التجارية. هل الهدف تقليل التكاليف؟ زيادة المبيعات؟ تسريع العمليات؟ تحسين تجربة العملاء؟ بعد تحديد الهدف، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة، وليس غاية بحد ذاته.
ولهذا، ينصح دورنان الشركات بتبني ما يسميه عقلية المسار المزدوج. في المرحلة الأولي، يمكن للشركات أن تجرب بسرعة وتختبر الأفكار. لكن عند الانتقال إلي التوسع، يجب ربط كل مشروع بمؤشرات أداء واضحة، وعائد مالي قابل للقياس.
السؤال لم يعد: هل لدينا مشروع ذكاء اصطناعي؟
السؤال الحقيقي أصبح: أين سيخلق هذا المشروع قيمة داخل الشركة؟
الذكاء الاصطناعي الوكيلي يرفع مستوي المخاطر
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من أدوات توليد المحتوي إلي أنظمة وكيلية قادرة علي تنفيذ المهام واتخاذ بعض القرارات، ترتفع المخاطر بشكل واضح.
الذكاء الاصطناعي الوكيلي يمكنه إرسال رسائل، تحليل بيانات، تنفيذ إجراءات، وربما اتخاذ قرارات في الوقت الفعلي. وهذا يمنح الشركات قدرة تشغيلية كبيرة، لكنه يفتح أيضاً الباب أمام أخطاء مكلفة إذا لم تكن هناك حوكمة واضحة.
دورنان يشدد هنا علي ضرورة اعتماد مبدأ الاستقلالية المتدرجة. فليس كل قرار يمكن تركه للذكاء الاصطناعي بالدرجة نفسها.
المهام منخفضة المخاطر، مثل صياغة رسائل داخلية أو تنفيذ عمليات روتينية، قد تعمل بمستوي أعلي من الاستقلالية. أما القرارات الحساسة، مثل التسعير، العروض التجارية، الموافقات المالية، أو التواصل مع العملاء في ملفات معقدة، فيجب أن تبقي تحت رقابة بشرية مباشرة.
كما يؤكد علي ضرورة اختبار هذه الأنظمة داخل بيئات معزولة قبل نشرها في العمليات الحقيقية. ويجب أن يكون كل إجراء يقوم به الوكيل قابلاً للتتبع والمراجعة، مع وجود سجل واضح يوضح ما حدث، ومتي حدث، ومن وافق عليه أو رفضه.
بمعني آخر، الشركات لا تحتاج فقط إلي ذكاء اصطناعي أقوي، بل إلي نظام رقابة أقوي.
الحدائق المغلقة باقية
في ظل هذه المخاطر، تتجه شركات كثيرة في المنطقة إلي ما يعرف باسم الحدائق المغلقة، أي بيئات رقمية أكثر تحكماً، تضع الحوكمة وحماية البيانات في المقام الأول.
هذا التوجه لا يبدو مؤقتاً. فبينما قد تصبح الأنظمة المفتوحة مناسبة للابتكار منخفض المخاطر، فإن القطاعات المنظمة، مثل البنوك، الطاقة، الصحة، والحكومة، ستحتاج علي الأرجح إلي بيئات أكثر إغلاقاً وتحكماً لفترة طويلة.
السبب بسيط: تكلفة الخطأ أصبحت مرتفعة. الهلوسات، تسريب البيانات، غياب القدرة علي تفسير القرارات، أو الاعتماد علي نماذج عامة في ملفات حساسة، كلها عوامل تجعل المؤسسات الكبرى أكثر حذراً.
ويرى دورنان أن هذا النهج سيستمر في المستقبل القريب، خصوصاً في المنطقة، حيث تتداخل حماية البيانات الوطنية مع اعتبارات المنافسة، الأمن، والامتثال التنظيمي.
من الحماس إلي النضج
ما يحدث اليوم لا يعني أن الذكاء الاصطناعي فقد بريقه. بل علي العكس، قد تكون هذه المرحلة دليلاً علي نضج القطاع.
فبعد فترة من الحماس السريع، تدخل الشركات الآن مرحلة أكثر واقعية. مرحلة تسأل فيها عن التكلفة، العائد، المخاطر، السيادة، الحوكمة، والقدرة علي التوسع.
وفي نهاية المطاف، لن تكون الشركات الفائزة هي التي تطلق أكبر عدد من المشاريع التجريبية، بل التي تعرف أين تستخدم الذكاء الاصطناعي، ولماذا تستخدمه، وكيف تقيس أثره.
واختتم دورنان بالقول إن هناك إدراكاً واسعاً بأن هذه التكنولوجيا قادرة علي إحداث تحول حقيقي داخل الشركات، لكن التحدي الأكبر يكمن في تطبيقها بطريقة تضمن إدارة التكاليف، حماية البيانات، وتحسين العائد علي الاستثمار.
في 2026، يبدو أن السؤال لم يعد: من يستخدم الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأهم أصبح: من يستخدمه بذكاء؟