من منا لا يعرف تلك الحالة النفسية التي تدفعنا لاتخاذ قرارات متسرعة خشية أن يفوتنا الركب؟ من طفرة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات، مروراً بتقنيات «الجيل الثاني للويب»، وصولاً إلى الواقع الافتراضي وسلاسل الكتل التقنية، كان لقطاع التكنولوجيا دائماً نصيبه الوافر من القرارات المدفوعة بمتلازمة «الخوف من تفويت الفرصة».
وتمثل فقاعة الذكاء الاصطناعي اليوم التجسيد الأكبر والأكثر وضوحاً لهذه الظاهرة. إن النتيجة الأولى لهذه الطفرة، والمتمثلة في الاندفاع المحموم لتأمين الطاقة الكهربائية لمراكز البيانات، تولد اليوم سباقاً جديداً وشرساً للسيطرة على إمدادات الغاز الطبيعي ومعدات توليده. وإذا كان لمتلازمة «الخوف من تفويت الفرصة» أن تتناسل وتتكاثر، فإن فقاعة الذكاء الاصطناعي قد بدأت بالفعل في إنتاج أجيال جديدة من الأزمات المرتبطة بالاستحواذ على الموارد الأساسية للطاقة.
استثمارات مليارية وحجم طلب غير مسبوق
أعلنت شركة مايكروسوفت يوم الثلاثاء أنها تتعاون مع شركتي «شيفرون» و«إنجين نمبر 1» لبناء محطة طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في غرب ولاية تكساس، وهي محطة قد تتوسع لتنتج 5 جيجاوات من الكهرباء. وفي هذا الأسبوع أيضاً، أكدت شركة جوجل أنها تعمل مع شركة «كروسو» لبناء محطة طاقة مماثلة بقدرة 933 ميجاوات في شمال تكساس.
ولم تتوقف المنافسة عند هذا الحد، ففي الأسبوع الماضي، أعلنت شركة ميتا عن إضافة 7 محطات طاقة أخرى تعمل بالغاز الطبيعي إلى مركز بيانات «هايبريون» الخاص بها في ولاية لويزيانا، مما يرفع السعة الإجمالية للموقع إلى 7.46 جيجاوات، وهي كمية هائلة من الطاقة تكفي لتزويد ولاية ساوث داكوتا بأكملها بالكهرباء. فهل نسينا أحداً من اللاعبين الكبار في هذا السباق؟
أزمة المعدات وصدمة الأسعار المستقبلية
تتركز هذه الاستثمارات الضخمة في جنوب الولايات المتحدة، وهي منطقة تضم بعضاً من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. ومؤخراً، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن هناك كميات كافية في منطقة واحدة فقط لتلبية احتياجات الولايات المتحدة بأكملها من الطاقة لمدة 10 أشهر متواصلة. ويبدو أن كل مشغل لمراكز البيانات التكنولوجية يريد أن يقتطع الحصة الأكبر من هذه الثروة.
لكن هذا التدافع غير المسبوق أدى إلى نقص حاد في التوربينات اللازمة لمحطات الطاقة، حيث من المرجح أن ترتفع أسعارها بنسبة 195 بالمائة بحلول نهاية هذا العام مقارنة بأسعار عام 2019، وذلك وفقاً لبيانات شركة الاستشارات «وود ماكنزي». وتساهم هذه المعدات بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 بالمائة من التكلفة الإجمالية لبناء أي محطة طاقة. وتشير الشركة الاستشارية إلى أن الشركات لن تكون قادرة على تقديم طلبات شراء جديدة قبل عام 2028، وأن تسليم التوربينات يستغرق الآن حوالي 6 سنوات كاملة.
مخاطر الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي
هذا المعطى يعني بوضوح أن شركات التكنولوجيا تراهن بشكل كبير على أن حمى الذكاء الاصطناعي لن تنحسر قريباً، وأن هذه الأنظمة ستستمر في استهلاك كميات هائلة ومتزايدة من الطاقة، وأن توليد الكهرباء عبر الغاز الطبيعي سيكون أمراً حتمياً لضمان النجاح. لكنهم قد يندمون أشد الندم على هذا الافتراض الأخير.
على الرغم من أن إمدادات الغاز في الولايات المتحدة وفيرة، ولأن نقل هذا الوقود ليس بالأمر الرخيص، فإن البلاد لا تزال معزولة نسبياً عن الاضطرابات في مناطق الإنتاج العالمية الأخرى. لكن في المقابل، هذه الإمدادات ليست غير محدودة على الإطلاق. وفي الآونة الأخيرة، تباطأ نمو الإنتاج في المناطق الثلاث الكبرى، والتي تعتبر مسؤولة عن إنتاج ثلاثة أرباع الغاز الصخري في الولايات المتحدة، بشكل ملحوظ.
تأثيرات محتملة على شبكات الطاقة والاقتصاد المحلي
ليس من الواضح تماماً مدى قدرة شركات التكنولوجيا على حماية نفسها من تقلبات الأسعار، نظراً لأن أياً منها لم يكشف عن الشروط التفصيلية لاتفاقياتها. سيعتمد الكثير على مدى ثبات الأسعار في تلك العقود المبرمة.
وحتى لو كانت الأسعار المتعاقد عليها ثابتة، فإن هذه الشركات العملاقة قد تواجه تداعيات سلبية ورفضاً مجتمعياً. نظراً لأن الغاز الطبيعي يولد حوالي 40 بالمائة من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة، فإن أسعار الكهرباء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأسعار الغاز. قد تتمكن شركات التكنولوجيا من حماية نفسها من التدقيق لفترة وجيزة من خلال نقل محطات الغاز الخاصة بها لتعمل «خلف العداد»، أي من خلال تخطي شبكة الكهرباء العامة وربط المحطات مباشرة بمراكز البيانات. لكن الموارد تظل محدودة، وإذا نمت طموحاتهم بشكل مبالغ فيه، فإن حتى هذه العمليات المستقلة قد تؤدي إلى رفع أسعار الطاقة لجميع المستهلكين في السوق الحرة.
ولن تقتصر حالة الاستياء على الأسر العادية فحسب. فقد تبدي الصناعات الأخرى، التي تعتمد بشكل كبير على هذا الوقود ولا يمكنها بعد التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، تذمراً واضحاً واعتراضاً شديداً على استحواذ مراكز البيانات على هذا القدر الهائل من الموارد الأساسية.
«إن الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي أوضح مدى القيود المادية التي لا يزال العالم الرقمي يعاني منها، مما يضع مستقبل الابتكار في مواجهة مباشرة مع محدودية الموارد الطبيعية».
ثم تأتي مشكلة الطقس العنيف. فشتاء واحد شديد البرودة يمكن أن يغير كل الحسابات من خلال زيادة الطلب على التدفئة بين الأسر. قد تتجمد فوهات الآبار، مما يؤدي إلى تقليص الإمدادات بشكل دراماتيكي، كما حدث في ولاية تكساس في عام 2021. وعندما يشح المعروض، سيواجه الموردون خياراً صعباً: هل يستمرون في تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أم يتركون الناس يدفئون منازلهم؟
من خلال الاستحواذ السريع على الإمدادات والعمل ككيانات مستقلة في توليد الطاقة، تدعي شركات التكنولوجيا أنها «توفر طاقتها الخاصة» ولا تشكل ضغطاً على شبكة الكهرباء العامة. لكن في حقيقة الأمر، هم فقط ينقلون عبء استهلاكهم من شبكة الكهرباء إلى شبكة الغاز الطبيعي المحدودة. فهل من المنطقي بالنسبة لهم أن يراهنوا بكل قوة على مورد قابل للنفاد؟ في نهاية المطاف، قد تندم شركات التكنولوجيا قريباً على وقوعها فريسة لمتلازمة «الخوف من تفويت الفرصة».
الأسئلة الشائعة
لماذا تتجه شركات التكنولوجيا إلى الغاز الطبيعي لتشغيل مراكز البيانات؟
تتجه شركات التكنولوجيا إلى هذا المصدر الحيوي لتلبية الاحتياجات الهائلة وغير المسبوقة من الطاقة الكهربائية التي تتطلبها أنظمة ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل عدم قدرة مصادر الطاقة الأخرى على توفير السعات المطلوبة بشكل مستمر ومستقر.
ما هي أبرز استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى في هذا المجال؟
تشمل الاستثمارات البارزة بناء مايكروسوفت لمحطة طاقة بقدرة 5 جيجاوات في تكساس، وتعاون جوجل لبناء محطة بقدرة 933 ميجاوات في نفس الولاية، بالإضافة إلى إضافة شركة ميتا لـ 7 محطات جديدة في لويزيانا بسعة إجمالية تبلغ 7.46 جيجاوات.
كيف أثر هذا الطلب المتزايد على معدات توليد الطاقة؟
أدى الطلب الهائل والمفاجئ إلى نقص حاد في توربينات محطات الطاقة، مما رفع أسعارها بشكل حاد، حيث تتوقع شركة «وود ماكنزي» زيادة في الأسعار بنسبة 195 بالمائة بنهاية هذا العام مقارنة بعام 2019، مع وصول فترات انتظار تسليم المعدات إلى 6 سنوات.
هل يمكن أن يؤثر هذا التوجه على المواطنين العاديين؟
نعم، بكل تأكيد. نظراً لأن تسعير الكهرباء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسعار الغاز، فإن زيادة الطلب من قبل عمالقة التكنولوجيا قد يؤدي إلى ارتفاع فواتير الطاقة للأسر والشركات العادية، ناهيك عن خطر انقطاع الإمدادات في فترات الطقس القاسي وخلال فصول الشتاء شديدة البرودة.