في خطوة علمية وتكنولوجية قد تعيد رسم ملامح الحروب المستقبلية وتكنولوجيا الطيران، أثبت علماء صينيون إمكانية تشغيل نظام ثوري ينقل الطاقة لاسلكيا من مركبة أرضية متحركة إلى طائرة مسيرة في أثناء تحليقها في الجو. يعتمد هذا النظام المبتكر على طاقة موجات الميكروويف، وهو تطور مذهل قد يسمح يوما ما للطائرات غير المأهولة بالبقاء في الجو لفترات زمنية غير محدودة، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن أو استبدال البطاريات.
ابتكار واعد من جامعة شيديان
أجريت هذه الأبحاث الرائدة، التي نُشرت في 25 مارس في المجلة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الطيران، على يد فريق متخصص من «جامعة شيديان»، وهي مؤسسة أكاديمية مرموقة تُعرف بجهودها المتقدمة في مجال تطوير التكنولوجيا العسكرية. وبحسب ما أوردته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، فإن النظام الجديد يستخدم باعثا لموجات الميكروويف مثبتا على سيارة أو مركبة أرضية، ليقوم بتوجيه حزمة من الطاقة نحو مصفوفة هوائيات مثبتة في الجزء السفلي من الطائرة المسيرة. وتكمن الأهمية الكبرى لهذا الإنجاز في أن عملية نقل الطاقة تتم بكفاءة عالية بينما تكون كل من المركبة الأرضية والطائرة المسيرة في حالة حركة مستمرة.
آلية العمل وتجاوز التحديات الهندسية
خلال التجارب الميدانية، نجح هذا الإعداد المبتكر في إبقاء طائرات مسيرة ذات أجنحة ثابتة محلقة في الجو لمدة وصلت إلى 3.1 ساعة على ارتفاع 15 مترا. ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو متواضعة في سياق العمليات العسكرية الواسعة، إلا أنها تمثل نجاحا هائلا من الناحية الهندسية. فقد كانت العقبة الهندسية الرئيسية التي واجهت الباحثين هي كيفية الحفاظ على المحاذاة الدقيقة بين جهاز الإرسال الأرضي وجهاز الاستقبال الجوي في أثناء الطيران.
ولحل هذه المعضلة المعقدة، قام الفريق البحثي، بقيادة الباحث «سونغ ليوي»، بدمج تقنيات تحديد المواقع العالمية مع نظام تتبع ديناميكي متطور وأدوات تحكم مدمجة في الطيران داخل الطائرة المسيرة. هذا المزيج التقني سمح بتوجيه شعاع الميكروويف بدقة متناهية نحو الطائرة، مما ضمن تدفقا مستمرا للطاقة رغم التغيرات المستمرة في الموقع والسرعة.
مفهوم «حاملة الطائرات البرية»
أثار هذا التطور اهتماما واسعا بين المحللين في قطاع الدفاع، حيث شبه البعض هذا المفهوم بما يسمى «حاملة الطائرات البرية». في هذا السيناريو المستقبلي، ستعمل مركبة مدرعة كمركز قيادة متنقل وعقدة طاقة في الوقت ذاته، حيث تقوم بإطلاق الطائرات المسيرة ودعمها بالطاقة باستمرار، تماما كما تدعم حاملات الطائرات البحرية الطائرات المقاتلة المأهولة.
ومن شأن نظام كهذا أن يوسع نطاق العمليات الميدانية للقوات البرية بشكل جذري. فهو يتيح إمكانيات غير مسبوقة مثل المراقبة المستمرة على مدار الساعة، وتنفيذ الضربات الجوية الدقيقة، والقيام بعمليات الحرب الإلكترونية دون القلق من نفاد طاقة الطائرات المسيرة أو الحاجة لإعادتها إلى القواعد لإعادة الشحن.
المقارنة بين طاقة الميكروويف والليزر
عند النظر إلى السباق التكنولوجي لابتكار طرق نقل الطاقة، تبرز المقارنة بين استخدام موجات الميكروويف وتقنية الليزر. فبينما يتميز الليزر بقدرته على توجيه طاقة مركزة لمسافات طويلة، فإنه غالبا ما يواجه تحديات متعلقة بالظروف الجوية مثل الضباب أو الدخان أو المطر، والتي يمكن أن تشتت الشعاع وتضعف كفاءته. في المقابل، تتمتع موجات الميكروويف بقدرة أكبر على اختراق العوائق الجوية والعمل في ظروف بيئية متنوعة، مما يجعلها خيارا أكثر موثوقية في البيئات العسكرية المتقلبة. ويعكف الباحثون الصينيون في «جامعة شيديان» على استغلال هذه الميزة لضمان استقرار الإمداد بالطاقة للطائرات المسيرة، بغض النظر عن حالة الطقس أو العوامل الجوية المحيطة بساحة المعركة.
سباق عالمي نحو الهيمنة التكنولوجية
على الرغم من أن التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى، وأن تحقيق طيران لمدة 3.1 ساعة على ارتفاع 15 مترا لا يزال بعيدا عن الجاهزية الكاملة لساحات المعارك، إلا أن هذا الإنجاز يمثل إثباتا حقيقيا لفعالية المفهوم. وهو مفهوم تسعى جيوش العالم بأسره إلى تحقيقه وإتقانه.
في سياق متصل، قامت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية الأمريكية «داربا» بعرض تجارب منفصلة لنقل الطاقة لاسلكيا لمسافات طويلة باستخدام أنظمة تعتمد على الليزر. كما حقق مختبر أبحاث البحرية الأمريكية إنجازات مشابهة باستخدام توجيه موجات الميكروويف. وفي القطاع الخاص، قامت شركات تقنية باختبار توجيه الليزر للحفاظ على شحن الطائرات المسيرة في أثناء طيرانها.
تاريخ من الأبحاث المتقدمة
الجدير بالذكر أن «جامعة شيديان» تمتلك سجلا حافلا من الأبحاث المنشورة سابقا حول تحسين نقل طاقة موجات الميكروويف، بما في ذلك ابتكار طرق لزيادة كفاءة جمع الحزم الإشعاعية عبر مصفوفات الهوائيات. وتمثل هذه التجربة الأخيرة خطوة حاسمة تنقل تلك الأعمال النظرية لتصبح تطبيقا عمليا ملموسا، وهو تطبيق يحمل دلالات واضحة لمستقبل ساحات المعارك التي ستتشكل بشكل متزايد بواسطة حروب الطائرات المسيرة.
إن نجاح تقنية نقل الطاقة عبر موجات الميكروويف يفتح الباب واسعا أمام عصر جديد من الطيران المستدام. ومع استمرار الأبحاث وتجاوز العقبات التقنية الحالية، قد نشهد في المستقبل القريب طائرات مسيرة تحلق لأيام أو حتى أسابيع دون انقطاع، مما سيحدث ثورة حقيقية في التطبيقات العسكرية والمدنية على حد سواء.
الأسئلة الشائعة
كيف تعمل تقنية نقل الطاقة لاسلكيا للطائرات المسيرة؟
تعتمد التقنية على استخدام باعث لموجات الميكروويف مثبت على مركبة أرضية، يقوم بإرسال حزم من الطاقة إلى مصفوفة هوائيات موجودة أسفل الطائرة المسيرة، ويتم الحفاظ على الاتصال بينهما من خلال أنظمة تتبع متطورة وتحديد دقيق للمواقع.
ما هي أطول مدة تحليق تم تسجيلها خلال هذه التجارب؟
في التجارب التي أجراها فريق «جامعة شيديان»، نجحت التقنية في إبقاء طائرة مسيرة محلقة في الجو لمدة 3.1 ساعة على ارتفاع بلغ 15 مترا بشكل متواصل.
ما هو مفهوم «حاملة الطائرات البرية»؟
هو مصطلح أطلقه محللو الدفاع لوصف نظام تعمل فيه مركبة أرضية مدرعة كمركز قيادة وطاقة متنقل، يقوم بإطلاق وتوجيه وشحن الطائرات المسيرة في الهواء بشكل مستمر، مما يوسع النطاق التشغيلي للقوات البرية بشكل كبير.
هل الصين هي الدولة الوحيدة التي تطور هذه التكنولوجيا؟
لا، هناك سباق تكنولوجي عالمي في هذا المجال. على سبيل المثال، تجري وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية الأمريكية «داربا» ومختبر أبحاث البحرية الأمريكية تجارب مشابهة لتعزيز قدرات طيران المسيرات.