تتسارع وتيرة الجهود التي تبذلها الحكومات في جميع أنحاء العالم بهدف حماية الأطفال والقاصرين من المخاطر المتزايدة التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي. وتأتي هذه التحركات مدعومة بسلسلة من الأحكام القضائية المتتالية والتاريخية التي صدرت مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أدانت شركات التكنولوجيا العملاقة، وعلى رأسها شركة «ميتا» ومنصة «يوتيوب»، وحملتها المسؤولية القانونية والأخلاقية عن إلحاق الضرر بالقاصرين عبر منصاتها الرقمية. وتمثل هذه الأحكام القضائية التي صدرت هذا الأسبوع، إلى جانب الإجراءات التشريعية الواسعة التي تمتد من دول جنوب شرق آسيا وصولاً إلى القارة الأوروبية، نقطة تحول حاسمة في مسار الحملة العالمية الهادفة إلى تنظيم الحياة الرقمية للأطفال وضمان بيئة آمنة لهم عبر الإنترنت.
أحكام قضائية تاريخية في الولايات المتحدة
شهدت الساحة القضائية الأمريكية تطورات لافتة وغير مسبوقة، حيث أصدرت هيئة محلفين في مدينة سانتا في بولاية نيو مكسيكو يوم الثلاثاء حكماً يدين شركة «ميتا» بجميع التهم الموجهة إليها والمتعلقة بانتهاك قانون حماية المستهلك في الولاية. وبناءً على ذلك، أمرت المحكمة الشركة بدفع تعويضات مالية ضخمة تصل إلى 375 مليون دولار أمريكي. وقد توصل المحلفون إلى استنتاج قاطع بأن «ميتا» قد غلبت مصالحها المادية وأرباحها التجارية على حساب سلامة المستخدمين، وتعمدت إخفاء ما كانت تعرفه من معلومات حول الاستغلال الجنسي للأطفال عبر منصاتها المتعددة.
وفي هذا السياق الحاسم، أدلى المدعي العام لولاية نيو مكسيكو، راؤول توريز، بتصريح قوي قال فيه:
«لقد كان كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة ميتا على دراية تامة بأن منتجاتهم الرقمية تلحق أضراراً بالغة بالأطفال، ومع ذلك فقد تجاهلوا التحذيرات المتكررة التي صدرت عن موظفيهم، وقاموا بتضليل الرأي العام حول حقيقة معرفتهم بتلك المخاطر».
وفي اليوم التالي، شهدت مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا حكماً قضائياً آخر، حيث ألزمت هيئة محلفين كلاً من شركة «ميتا» ومنصة «يوتيوب» بدفع تعويضات مجمعة وتأديبية بقيمة 6 ملايين دولار أمريكي لصالح مدعية تبلغ من العمر 20 عاماً. وقد أدلت هذه الشابة بشهادتها أمام المحكمة مبينة أنها بدأت في استخدام منصة «يوتيوب» عندما كانت في السادسة من عمرها فقط، وتطبيق «إنستغرام» في سن التاسعة. وخلص المحلفون إلى أن هذه الشركات قد تصرفت بسوء نية، من خلال تصميم ميزات تقنية وإدمانية تسببت في إصابة المدعية بالاكتئاب الحاد وتوليد أفكار انتحارية لديها، فيما أعلنت كلتا الشركتين عن نيتهما في استئناف هذه الأحكام القضائية.
موجة من الإجراءات الدولية الحازمة
على الصعيد الدولي، تتخذ العديد من الدول خطوات سباقة للحد من تأثير هذه المنصات على الأجيال الناشئة. وتتوزع هذه الجهود لتشمل قارات مختلفة، وفقاً للآتي:
- إندونيسيا: تستعد البلاد لتصبح أول دولة في منطقة جنوب شرق آسيا تفرض حظراً شاملاً على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، وذلك مع بدء تنفيذ القوانين الجديدة يوم السبت الموافق 28 مارس 2026. وبموجب اللائحة الوزارية، سيتم تدريجياً إيقاف وتعطيل الحسابات التي تعود للقاصرين على منصات شهيرة تشمل «يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس».
- المملكة المتحدة: أعلنت الحكومة البريطانية عن إطلاق برنامج تجريبي رائد يستمر لمدة ستة أسابيع ويشمل 300 مراهق. يهدف هذا البرنامج إلى اختبار جدوى فرض حظر على استخدام التطبيقات، وتطبيق حدود زمنية يومية لا تتجاوز الساعة الواحدة، بالإضافة إلى حظر تجول رقمي طوال ساعات الليل.
- الاتحاد الأوروبي: شرعت المفوضية الأوروبية في فتح تحقيق رسمي يستهدف منصة «سناب تشات»، وذلك استجابة لمخاوف جدية تتعلق بعدم كفاية التدابير التي تتخذها المنصة للتحقق من أعمار المستخدمين، واحتمالية تعرض القاصرين لعمليات استدراج إلكتروني.
- الهند: عبر وزير الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات الهندي عن قلقه البالغ إزاء هذا الملف، واصفاً وصول الأطفال غير المقيد إلى الشبكات بأنه مصدر قلق رئيسي، وأكد أن الحكومة الهندية تجري حالياً مناقشات مكثفة لبحث إمكانية فرض قيود صارمة على الفئات العمرية.
زخم متزايد نحو تقنين الفضاء الرقمي
لقد شكل الحظر الأول من نوعه على مستوى العالم الذي فرضته أستراليا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً، والذي دخل حيز التنفيذ الفعلي في شهر ديسمبر من عام 2024، نموذجاً رائداً ومصدراً لإلهام الموجة الحالية من الإجراءات الدولية. ومنذ ذلك الحين، أعلنت دول أخرى مثل فرنسا وإسبانيا والدنمارك وماليزيا عن خططها الخاصة، أو قامت بالفعل بتمرير تشريعات تفرض قيوداً مشابهة لحماية شبابها.
ومن المتوقع أن تؤدي الأحكام القضائية الأخيرة الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعزيز هذا الزخم العالمي بشكل كبير وتسريع وتيرة إقرار القوانين المشابهة. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يواجه عمالقة التكنولوجيا حالياً أكثر من 2300 قضية فيدرالية معلقة أمام المحاكم الأمريكية، مع تحديد موعد لمحاكمة كبرى ثانية في شهر يونيو المقبل، مما ينذر بمرحلة جديدة من الرقابة والمساءلة القانونية التي قد تعيد تشكيل مستقبل الفضاء الرقمي برمته وتضمن بيئة آمنة للأجيال القادمة.
الأسئلة الشائعة
ما هي أسباب الغرامات المفروضة مؤخراً على شركتي ميتا ويوتيوب؟
أدانت هيئات المحلفين في الولايات المتحدة هذه الشركات بتعمد تصميم ميزات إدمانية تضر بالصحة النفسية للأطفال، وتغليب الأرباح المادية على سلامة المستخدمين، بالإضافة إلى إخفاء معلومات تتعلق بالاستغلال عبر الإنترنت وتجاهل تحذيرات الموظفين الداخليين.
متى يدخل قرار حظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في إندونيسيا حيز التنفيذ؟
يبدأ تنفيذ القرار رسمياً يوم السبت الموافق 28 مارس 2026، حيث سيتم بموجبه تدريجياً تعطيل وإيقاف حسابات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً على مختلف المنصات الرقمية الكبرى.
كيف تتجه الدول الأوروبية نحو حماية القاصرين رقمياً في الوقت الراهن؟
تتجه الدول الأوروبية نحو اتخاذ تدابير صارمة وغير مسبوقة؛ حيث تختبر المملكة المتحدة حالياً برامج لتقييد ساعات الاستخدام وفرض حظر تجول ليلي، بينما تقوم المفوضية الأوروبية بفتح تحقيقات رسمية للتأكد من فاعلية آليات التحقق من العمر وحماية الأطفال من الاستدراج الإلكتروني.