في خطوة غير متوقعة جمعت بين اثنين من أشرس المتنافسين في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، أبرمت شركة «أنثروبيك» اتفاقية استراتيجية لتبادل القدرات الحاسوبية مع شركة «إكس إيه آي» التي أسسها الملياردير إيلون ماسك. تمنح هذه الاتفاقية النوعية شركة «أنثروبيك» وصولا مباشرا وموسعا إلى حاسوب «كولوسوس» الخارق والضخم، والذي يقع في مدينة ممفيس بولاية تينيسي الأمريكية. تأتي هذه الصفقة التي تم الإعلان عنها هذا الأسبوع كطوق نجاة طال انتظاره، حيث تهدف بشكل أساسي إلى تخفيف القيود المستمرة على سعة الاستخدام، والتي تسببت في إحباط كبير لمشتركي باقات «كلود برو» و«كلود ماكس» على مدار الأشهر الماضية.
حل جذري لأزمة اختناقات الخدمة في نموذج كلود
تصل هذه الشراكة في لحظة حرجة للغاية بالنسبة لشركة «أنثروبيك». فمنذ أوائل عام 2026، أبلغ مستخدمو نموذج «كلود»، وخاصة المطورين الذين يعتمدون بشكل مكثف على أداة «كلود كود»، عن وجود قيود صارمة ومفرطة على معدلات الاستخدام. وقد لاحظ بعض مشتركي باقة «ماكس» الفاخرة أن مؤشرات الاستهلاك الخاصة بهم تقفز بشكل مفاجئ من أقل من 50 بالمائة إلى 100 بالمائة بمجرد إدخال أمر برمجي واحد. وكانت الشركة قد اعترفت في شهر مارس الماضي بحجم المشكلة، مشيرة إلى أن المستخدمين يستنزفون حدود الاستخدام في «كلود كود» بسرعة تفوق التوقعات بكثير، ومؤكدة أن حل هذه المعضلة يتربع على رأس أولوياتها التقنية والتجارية.
وبحسب الإعلان الرسمي، تخطط الشركة لاستغلال القدرات الحاسوبية الإضافية التي ستوفرها «إكس إيه آي» لتحسين السعة الاستيعابية بشكل مباشر لعملائها من مشتركي «كلود برو» و«كلود ماكس». وتأتي هذه الخطوة لتكمل سلسلة من صفقات البنية التحتية الضخمة التي عقدتها «أنثروبيك» مسبقا، بما في ذلك التزام بقيمة 100 مليار دولار على مدار عقد كامل مع «خدمات أمازون ويب» تم الإعلان عنه في أبريل، بالإضافة إلى اتفاقية ضخمة لتوفير طاقة متعددة الجيجاوات مع شركتي «جوجل» و«برودكوم» للحصول على الجيل القادم من معالجات الموترات.
تحالفات استراتيجية في سباق معالجات الرسوميات
توفر هذه الاتفاقية لشركة «إكس إيه آي» عميلا بارزا وموثوقا للاستفادة من البنية التحتية الجبارة التي قامت ببنائها بالفعل. يذكر أن الشركة أصبحت الآن تابعة لشركة الفضاء «سبيس إكس» عقب استحواذ الأخيرة عليها في فبراير 2026. وقد وصل حاسوب «كولوسوس» الخارق إلى أكثر من 200 ألف وحدة معالجة رسوميات بحلول أواخر عام 2025، حيث يضم مزيجا متطورا من مسرعات «إنفيديا» من طرازات «إتش 100» و«إتش 200» وجيل «بلاك ويل جي بي 200». وقد توسعت هذه المنشأة التقنية لتبلغ سعتها الإجمالية ما يقرب من 2 جيجاوات في يناير 2026، وذلك بعد أن اشترت «إكس إيه آي» مبنى ثالثا بالقرب من موقعها الرئيسي في مدينة ممفيس.
ما هو حاسوب كولوسوس الخارق؟
يعد حاسوب «كولوسوس» بمثابة درة التاج في إمبراطورية إيلون ماسك التقنية. تم تصميمه ليكون واحدا من أقوى المجمعات الحاسوبية على وجه الأرض لدعم وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. إن تجميع مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسوميات في مكان واحد لا يمثل مجرد إنجاز هندسي، بل يطرح تحديات لوجستية معقدة تتعلق باستهلاك الطاقة وأنظمة التبريد. ومن خلال هذه الشراكة، لن تضطر «أنثروبيك» إلى بناء مرافق مشابهة من الصفر، بل ستتمكن من استئجار هذه القدرات الحاسوبية الجاهزة وتوجيهها فورا لخدمة قاعدة مستخدميها المتنامية.
في سياق متصل، أعربت «أنثروبيك» عن اهتمامها الكبير بالتعاون المستقبلي مع «إكس إيه آي» في مجال الحوسبة المدارية للذكاء الاصطناعي. ويعتبر هذا المفهوم من أبرز الأفكار التي يروج لها إيلون ماسك منذ إعلانه عن استحواذ «سبيس إكس» على شركته المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، حيث يكمن الهدف المعلن في بناء مراكز بيانات متطورة في الفضاء تعتمد كليا على الطاقة الشمسية. وعلى الرغم من حماس الشركتين، يتوقع الخبراء التقنيون أن الحوسبة المدارية واسعة النطاق لا تزال بعيدة المنال وتتطلب سنوات طويلة من البحث والتطوير، مما يجعل من غير المرجح نشرها بشكل عملي قبل حلول عقد الثلاثينيات من القرن الحالي.
تعطش أنثروبيك المستمر للقوة الحاسوبية
تبرز اتفاقية التبادل الحاسوبي مع «إكس إيه آي» مدى التعطش الهائل لشركة «أنثروبيك» نحو امتلاك القوة الحاسوبية، وذلك في ظل الارتفاع الصاروخي للطلب على نماذج «كلود». لقد نجحت الشركة حتى الآن في تأمين شراكات بنية تحتية عملاقة مع مجموعة من أكبر الكيانات التكنولوجية في تتابع سريع ومثير للإعجاب.
ويعزى هذا الطلب المتزايد جزئيا إلى التدفق الكبير للمستخدمين الجدد الذين تحولوا إلى منصاتها إثر الخلافات والأزمات التي واجهتها شركة «أوبن إيه آي» المنافسة، فضلا عن إصدار الشركة لنماذج «كلود» أكثر تطورا وقدرة. وتتميز النماذج الحديثة بنوافذ سياق أكبر بكثير، مما يسمح للمستخدمين بإدخال نصوص أطول وتحليل مستندات معقدة في أوامر برمجية واحدة. هذا التطور التقني يستهلك قدرا أكبر بكثير من القدرة الحاسوبية لكل استعلام مقارنة بالنماذج السابقة. وتشمل الأسباب الرئيسية لزيادة الاستهلاك ما يلي:
- التوسع في الاعتماد على المطورين: أصبح المطورون يعتمدون على النماذج اللغوية لكتابة وتدقيق مئات الأسطر البرمجية يوميا.
- التعقيد المتزايد للأوامر: تتطلب معالجة ملفات البيانات الضخمة والنصوص الطويلة قوة معالجة فورية غير مسبوقة.
- تنويع الموردين: من خلال الشراكة مع عدة كيانات تكنولوجية، تتجنب الشركة الاعتماد على مزود سحابي واحد.
«إن ضمان استقرار الخدمة وتوفير قدرات معالجة فائقة السرعة لمشتركي الفئات المتقدمة يعتبران من الركائز الأساسية للحفاظ على ثقة المستخدمين في النماذج اللغوية المتطورة.»
ومع استمرار الابتكار في عالم الذكاء الاصطناعي، يبدو أن قواعد اللعبة بدأت تتغير. فالشركات التي كانت تنظر إلى بعضها البعض كخصوم تقليديين، باتت تدرك اليوم أن التعاون وتبادل الموارد قد يكون السبيل الوحيد للصمود أمام المتطلبات التقنية الفائقة التي تفرضها النماذج اللغوية الكبيرة. وتبقى الأيام القادمة كفيلة بإثبات ما إذا كانت هذه الشراكة الاستراتيجية ستنجح بالفعل في وضع حد نهائي لمشكلات اختناق الخدمة، وتحقيق الوعود الطموحة لمشتركي «كلود» الباحثين عن الأداء المثالي والمستقر.
الأسئلة الشائعة
ما هي تفاصيل الاتفاقية بين أنثروبيك وإكس إيه آي؟
هي اتفاقية استراتيجية لتبادل القدرات الحاسوبية تتيح لشركة أنثروبيك الوصول المباشر إلى حاسوب كولوسوس الخارق التابع لشركة إكس إيه آي، وذلك بهدف حل مشكلات اختناق الخدمة التي يواجهها مشتركو نماذج كلود.
لماذا يواجه مستخدمو نماذج كلود مشكلات في سعة الاستخدام؟
يعود ذلك إلى الإقبال الكبير من المستخدمين، بالإضافة إلى النماذج الحديثة التي تتميز بنوافذ سياق أكبر تسمح بإدخال نصوص طويلة ومعقدة، وهو ما يتطلب قدرات حاسوبية هائلة لمعالجة الأوامر البرمجية، مما أدى إلى استنزاف حدود الاستخدام بسرعة.
أين يقع حاسوب كولوسوس الخارق وما هي قدراته التقنية؟
يقع حاسوب كولوسوس في مدينة ممفيس بولاية تينيسي الأمريكية، ويحتوي على أكثر من 200 ألف وحدة معالجة رسوميات من إنفيديا، وقد بلغت سعة الطاقة الخاصة بالمنشأة حوالي 2 جيجاوات بحلول بداية عام 2026.
ما المقصود بالحوسبة المدارية للذكاء الاصطناعي؟
هي فكرة مستقبلية يروج لها إيلون ماسك تهدف إلى بناء مراكز بيانات متطورة في الفضاء تعتمد كليا على الطاقة الشمسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتهتم أنثروبيك بالتعاون في هذا المجال، رغم أن الخبراء يستبعدون تطبيقها عمليا قبل عقد الثلاثينيات.