في إنجاز علمي وتاريخي غير مسبوق يعزز مكانة المملكة العربية السعودية على الخارطة الفضائية العالمية، أكدت الرياض يوم السبت نجاح عملية نشر قمرها الصناعي الجديد «شمس»، وإجراء الاتصال الأولي معه بكفاءة عالية. وقد حُمل هذا القمر على متن صاروخ نظام الإطلاق الفضائي، وهو الصاروخ الأقوى التابع لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، وذلك في إطار مهمة «أرتيميس 2» التاريخية. وبهذا الإنجاز الاستثنائي، تُتوج المملكة العربية السعودية كأول دولة عربية على الإطلاق تشارك فعلياً في مهمة علمية ضمن برنامج «أرتيميس» الفضائي التابع لوكالة ناسا، والذي يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر واستكشاف الفضاء العميق.
تطوير محلي وإطلاق ناجح
يمثل القمر الصناعي «شمس»، وهو من فئة الأقمار الصناعية المكعبة أو ما يُعرف باسم «كيوب سات»، فخراً كبيراً للصناعة الوطنية السعودية، حيث تم تطويره وبناؤه بالكامل بأيادي فرق علمية وهندسية سعودية شابة ومبدعة داخل المملكة. وقد تمت عملية إطلاق القمر الصناعي بنجاح تام بعد أن انفصلت كبسولة طاقم «أوريون» عن صاروخ نظام الإطلاق الفضائي وبدأت رحلتها الموجهة والمحددة بدقة نحو مسار القمر.
وعقب هذا الانفصال، تم تحرير قمر «شمس» ليبدأ مهمته العلمية المستقلة. وقد صرحت وكالة الفضاء السعودية بشكل رسمي بأنها تمكنت من التقاط إشارات الاتصال الأولية مع القمر الصناعي والتأكد من سلامة كافة أنظمته التشغيلية. وأشارت الوكالة إلى أن القمر يعمل الآن بشكل مستقر ضمن مدار إهليلجي شديد الانحراف، حيث تتراوح المسافة التي تفصله عن كوكب الأرض بين 500 كيلومتر في أقرب نقطة، وتصل إلى نحو 70000 كيلومتر في أبعد نقطة، مما يمنحه نطاقاً واسعاً وعميقاً لجمع البيانات الفضائية الدقيقة.
مهمة علمية دقيقة لدراسة طقس الفضاء
تم تصميم القمر الصناعي «شمس» بعناية فائقة وتزويده بأحدث المستشعرات ليؤدي مهام علمية متقدمة تتمحور بشكل أساسي حول دراسة طقس الفضاء. وتشمل هذه المهام الحيوية رصد وتحليل الإشعاعات الفضائية، ودراسة الأشعة السينية الشمسية، إلى جانب قياس وتحليل المجال المغناطيسي لكوكب الأرض، وتتبع الجسيمات الشمسية عالية الطاقة التي تطلقها الشمس باستمرار.
ويتيح النطاق المداري الواسع الذي يحلق فيه القمر الصناعي إمكانية إجراء مراقبة ممتدة وشاملة للنشاط الشمسي والإشعاعي. وتهدف هذه البيانات القيمة والفريدة التي سيجمعها القمر إلى تحسين الفهم البشري لتقلبات طقس الفضاء وتأثيراتها المباشرة على كوكب الأرض. ومن المعروف أن العواصف الشمسية والجسيمات المشحونة يمكن أن تؤدي إلى تعطيل أنظمة الاتصالات المتقدمة، وتهديد سلامة شبكات الطيران، والتأثير على استقرار أنظمة الملاحة العالمية التي يعتمد عليها العالم الحديث في مختلف القطاعات.
رؤية 2030 وتوطين صناعة الفضاء
وفي هذا السياق الهام، صرح الدكتور محمد بن سعود التميمي، الرئيس التنفيذي المكلف لوكالة الفضاء السعودية، بأن هذه المهمة الرائدة تعكس بوضوح استمرار الاستثمار الاستراتيجي للمملكة في بناء وتطوير القدرات الوطنية، وتعزيز المشاركة الفاعلة والمؤثرة في المبادرات الفضائية الدولية الكبرى.
وقد تم تطوير قمر «شمس» الصناعي داخل المملكة العربية السعودية تحت مظلة برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، والذي يُعد أحد أهم الركائز الأساسية لاستراتيجية رؤية 2030. وتهدف هذه الرؤية الطموحة إلى تنويع الاقتصاد الوطني، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وتوطين الصناعات الدقيقة، بما في ذلك قطاع الفضاء الذي يشهد نمواً متسارعاً وتنافسية عالية على الصعيد العالمي، مما يضع المملكة في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال.
من اتفاقيات أرتيميس إلى رحلة القمر
تأتي المشاركة السعودية البارزة في هذه المهمة الفضائية كتتويج للخطوات الاستراتيجية الثابتة التي اتخذتها المملكة مؤخراً، والتي بدأت بتوقيعها على اتفاقيات أرتيميس في عام 2022، وهي اتفاقيات دولية تهدف إلى تعزيز الاستكشاف السلمي والمستدام للفضاء بالتعاون مع المجتمع الدولي.
وقد تلا ذلك توقيع اتفاقية خاصة بتطوير وإطلاق قمر صناعي مكعب، والتي تم الإعلان عنها رسمياً في شهر مايو من عام 2025 خلال الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الرياض. وخلال تلك الزيارة المفصلية، كشف الرئيس ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن هذا الترتيب المشترك الذي أتاح لحمولة علمية سعودية متطورة التحليق في الفضاء السحيق ضمن مهمة «أرتيميس 2».
تفاصيل مهمة أرتيميس 2 التاريخية
انطلقت مهمة «أرتيميس 2» في 1 أبريل من مركز كينيدي للفضاء التابع لوكالة ناسا في ولاية فلوريدا. وتحمل هذه المهمة على متنها رواد فضاء يتمتعون بخبرات واسعة، وهم رواد فضاء وكالة ناسا: ريد وايزمان، وفيكتور جلوفر، وكريستينا كوش، بالإضافة إلى رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية.
وتستغرق هذه الرحلة المأهولة حوالي 10 أيام، حيث سيقوم الطاقم بالتحليق حول القمر والعودة سالمين إلى كوكب الأرض، وهي تُعد أول رحلة من نوعها تصل إلى هذه المسافة البعيدة وتقل بشراً منذ مهمة «أبولو 17» التاريخية في عام 1972. وفي حين يواصل الطاقم مساره العلمي والتاريخي نحو القمر على متن كبسولة «أوريون»، بدأ القمر الصناعي السعودي «شمس» مهمته العلمية المستقلة في مدار أقرب إلى الأرض، وهو ما وصفته وكالة الفضاء السعودية بأنه خطوة جبارة نحو تعزيز دور المملكة العربية السعودية في الجهود الفضائية العالمية وتسخير أبحاث الفضاء لخدمة البشرية جمعاء.
الأسئلة الشائعة
القمر الصناعي شمس هو قمر صناعي من فئة «كيوب سات» طورته وأنتجته المملكة العربية السعودية بالكامل، ويهدف بشكل رئيسي إلى دراسة طقس الفضاء، والإشعاعات الفضائية، والمجال المغناطيسي للأرض، لفهم تأثيرها العميق على أنظمة الملاحة والاتصالات وسلامة الطيران.
انطلقت المهمة الفضائية التاريخية في 1 أبريل من مركز كينيدي للفضاء، وتضم أربعة رواد فضاء، وهم ريد وايزمان، وفيكتور جلوفر، وكريستينا كوش من وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، بالإضافة إلى رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن.
تدعم المهمة رؤية 2030 من خلال نقل وتوطين تكنولوجيا الفضاء المتقدمة داخل المملكة، حيث تم بناء القمر ضمن مبادرات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، مما يساهم في تعزيز قدرات الكوادر السعودية في قطاع الفضاء العالمي.