تقنية ديب سيك تفتح الأبواب أمام جيل جديد من الموظفين الرقميين في الخدمات الحكومية… والصينيون ينقسمون بين الحماسة والحذر.
شهدت الصين في الآونة الأخيرة قفزة نوعية في تبني نماذج الذكاء الاصطناعي على صعيد المؤسسات الحكومية، حيث أصبحت بعض البلديات توظف ما بات يُعرف بـ«الموظفين الرقميين». يأتي هذا التطور وسط موجةٍ عالمية من الاهتمام بالذكاء الاصطناعي وأثره على سوق العمل والحوكمة. بيد أنّ ردود الأفعال لم تكن موحدة، إذ يرى مؤيدون أنّها قفزة نحو الابتكار وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية، بينما يخشى آخرون من التأثير على الموظفين التقليديين، سواء على صعيد فرص العمل أو الخصوصية المهنية.
خلفية التوجه نحو الموظفين الرقميين
تعزّزت فكرة الاعتماد على الموظفين الرقميين في القطاع الحكومي بعد ظهور نموذج ديب سيك في الصين، وهو نموذج ذكاء اصطناعي استطاع أن يقدم أداءً متطورًا في معالجة البيانات المعقدة واستخلاص القرارات الإدارية. إحدى المناطق الرائدة في هذا المجال هي منطقة فوتيان في مدينة شينجن، التي أعلنت قبل أيام نشر 70 وحدة ذكية متخصصة في مهام متنوعة تشمل مراجعة المستندات ومراقبة مشاريع الاستثمار وتنسيق المهام بين الإدارات. جاءت هذه الخطوة بعد الإشادات الواسعة بالنموذج الجديد من قبل مسؤولين حكوميين اعتبروه إنجازًا هامًا على صعيد التطوير الرقمي.
الأثر الاجتماعي والخلافات
رغم حماسة السلطات المحلية لاعتماد هذه التقنية، أبدى بعض الموظفين الحكوميين امتعاضهم من الفكرة، معتبرين أن وجود الذكاء الاصطناعي إلى جانبهم قد يهدد خصوصية وظائفهم أو يقلل من الأهمية النسبية للعنصر البشري. كما يرى البعض أنّ توظيف نماذج كهذه يفرض تحديات أخلاقية، مثل ضمان الشفافية في اتخاذ القرارات ومنع حدوث انحياز تقني غير مقصود. كذلك يطرح اعتماد الذكاء الاصطناعي أسئلة تتعلق بأمن البيانات الشخصية والحكومية.
نظرة عالمية على الثورة التقنية في الصين
تأتي هذه التطورات في وقت ينظر العالم بأسره إلى الصين كقوة صاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد ما وصفه الرئيس الأمريكي السابق بأنه «جرس إنذار» للغرب كي يسرع في تطوير قدراته الرقمية. وفي المقابل، أشادت الحكومة الصينية بالإنجازات التقنية للشركات المحلية، معتبرة إياها دليلًا على مقدرة البلاد على الابتكار رغم القيود المفروضة من بعض الدول الغربية على تصدير التقنيات المتطورة.
وجهات نظر إعلامية وحكومية
تصدرت وسائل الإعلام الصينية القصص الإخبارية عن الموظفين الرقميين، واصفة إياها بأنها إنجازٌ جديد في مسيرة الابتكار الصيني. وركزت بالأساس على الدور الذي يلعبه قطاع التكنولوجيا الخاص في دعم الجهود الحكومية لتطوير الخدمات العامة، لاسيما أن الرئيس شي جينبينغ كان قد دعا الجهات الحكومية إلى تبني أساليب إدارة ذكية ترتكز على البيانات والذكاء الاصطناعي.
التحديات والآفاق المستقبلية
يرى خبراء التقنية والإدارة أن توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في الحكومات لا يزال في مراحله المبكرة، وأن النماذج المستخدمة اليوم قد تتطور بسرعة لتصبح قادرة على التعامل مع ملفات أعمق وأوسع. لكن يبقى السؤال حول مدى جاهزية المؤسسات للبنية التحتية والبيانات الضخمة، فضلًا عن مدى قبول العاملين للمستجدات التي قد تغير طبيعة عملهم اليومي. إذا تمكنت الحكومات من إدارة عملية التحول الرقمي بسلاسة ومنح الموظفين البشريين فرصًا للتدريب على مهارات جديدة، فقد تنجح في تحقيق التوازن المطلوب بين الابتكار والحفاظ على الاستقرار الوظيفي.
إن انطلاقة الموظفين الرقميين في الصين تمثّل تحوّلًا جوهريًا في دور الحكومات المحلية وطريقة تقديمها للخدمات. وعلى الرغم من وجود تخوفات وتحفظات، فإن المؤشرات الأولية توحي بإمكانية دمج الذكاء الاصطناعي بشكل يزيد من كفاءة المؤسسات العامة، شريطة مراعاة الجوانب الأخلاقية والوظيفية والإنسانية. لا شكّ أن التجربة الصينية ستبقى تحت المجهر العالمي، لتحديد ما إذا كانت ستشكل نموذجًا يحتذى به أم تحذيرًا من تبعات الإفراط في الاعتماد على الآلة.