طفرة تقنية جديدة تلوح في الأفق، وأوبن أيه آي تحاول كسر احتكار إنفيديا بفضل تصميم معالج داخلي قد يُحدث ثورة في عالم الذكاء الاصطناعي.
تعمل شركة أوبن أيه آي منذ فترة على تطوير معالج مخصص للذكاء الاصطناعي بهدف تقليل اعتمادها الكبير على شركة إنفيديا ومعالجاتها القوية. وعلى الرغم من أنّ إنفيديا هي رائدة في سوق وحدات معالجة الرسومات عالية الأداء، إلا أنّ ارتفاع تكاليف اعتماد هذه الشرائح والتحديات المرافقة لها دفع أوبن أيه آي إلى التفكير في حلول بديلة. تشير تقارير صادرة عن رويترز إلى أنّ فريق المهندسين في أوبن أيه آي يضع اللمسات الأخيرة على تصميم معالج جديد سيتم إرساله إلى شركة تي إس إم سي للتصنيع خلال الأشهر القليلة المقبلة. هذا التطور لم يُعلن عنه رسمياً بعد، لكنّه يمثل خطوة استراتيجية قد تُغيّر خريطة المنافسة في عالم الذكاء الاصطناعي.
في الوقت الحالي، تحتكر إنفيديا جزءاً كبيراً من سوق المعالجات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، لا سيما في إطار البنية التحتية للحوسبة السحابية ومراكز البيانات المتخصصة. ويرى كثيرون أن التوجّه نحو تطوير معالج داخلي لدى أوبن أيه آي لن يمنحها استقلالاً أوسع فحسب، بل أيضاً نفوذاً أقوى في المفاوضات المقبلة مع مزوّدي الشرائح الآخرين.
اقرأ أيضًا: سباق التفكير المنطقي: بايتدانس وديبسيك ينقلان المنافسة إلى مستوى جديد
أهمية المعالجات المخصصة
تسعى شركات تقنية كبرى مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل وميتا إلى تطوير معالجات مخصصة للذكاء الاصطناعي لعدة أسباب، من بينها خفض تكاليف الإنتاج والتقليل من أثر أي نقص محتمل في توافر رقاقات إنفيديا. إذ تتميّز هذه المعالجات المتخصصة بقدرتها على دعم نماذج ضخمة بكفاءة عالية، مما يمكّن من تنفيذ عمليات تدريب أكثر سرعة ويقلّل زمن معالجة الاستدلال، أي تشغيل النموذج بالفعل.
ويأتي دور أوبن أيه آي في هذا السياق لافتاً للنظر، خصوصاً بعد شهرتها الواسعة التي حصدتها عبر منصة شات جي بي تي. فمنذ أن سطعت أنظار العالم على هذا النموذج، بات واضحاً أن الشركة بحاجة إلى بنية تحتية أقوى تستوعب عدد المستخدمين المتزايد باستمرار، إلى جانب قدرات تقنية تتجاوز الحدود التقليدية.
تقارير سابقة واستثمارات ضخمة
كانت هناك تقارير سابقة تتحدث عن رغبة أوبن أيه آي في بناء معالجها الخاص لأغراض تدريب النماذج وتشغيلها. وفي أكتوبر عام 2023، وردت أنباء عن أن أوبن أيه آي بدأت خطوات فعلية في هذا المجال. وبحلول أوائل عام 2024، ركّز الرئيس التنفيذي للشركة، سام ألتمان، على جمع أموال طائلة قد تصل إلى 7 تريليون دولار لتعزيز طاقات التصنيع حول العالم، ما يؤكّد جدّية التوجه نحو استقلالية أشمل في مجال العتاد.
على الجانب الآخر، تتطلب عملية تصميم معالج ذكاء اصطناعي موثوق وفعّال استثماراً ضخماً. تشير تقديرات الخبراء إلى أن عملية تصميم نسخة واحدة فقط قد تكلّف ما يصل إلى 500 مليون دولار، في حين تصل تكلفة تطوير النظام البرمجي والدعم التقني اللازم إلى أضعاف ذلك.
بحسب التقارير، يقود فريق المعالجات لدى أوبن أيه آي المهندس ريتشارد هو، القادم من غوغل والذي كان يعمل على شرائح تي بي يو. يضم هذا الفريق نحو 40 مهندساً، ويتعاون مع شركة برودكوم وشركة تي إس إم سي التي ستتكفل بالتصنيع بتقنية 3 نانومتر، إضافة إلى دمج تقنيات الذاكرة عالية النطاق الترددي والاتصال الشبكي الذي يواكب ما هو متاح لدى إنفيديا.
اقرأ أيضًا: أغلى شركة في العالم: «انفيديا» تتفوق على «آبل» في القيمة السوقية
تأثيرات المرحلة الأولى والتطلعات المستقبلية
تستهدف الشريحة الأولى تشغيل النماذج (الاستدلال) أكثر من التركيز على التدريب، وستُستخدم مبدئياً على نطاق محدود داخل أوبن أيه آي. من المحتمل أن يبدأ الإنتاج الضخم في شركة تي إس إم سي عام 2026، إلا أنّ أي تأخير تقني قد يرجئ انطلاقة التصنيع. وإذا أثبتت هذه الشريحة جدواها، قد تخطو أوبن أيه آي خطوة هائلة نحو استقلالية كاملة عن مزوّدي الشرائح الخارجيين، ما يضمن لها قدرة تنافسية أكبر.
تأتي هذه التحركات في سياق إنفاق كبير على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إذ وضعت مايكروسوفت خططاً للاستثمار بـ 80 مليار دولار عام 2025، بينما خصصت ميتا 60 مليار دولار للعام المقبل. أما أوبن أيه آي، فتسعى لتأسيس مراكز بيانات جديدة في الولايات المتحدة ضمن مشروع ضخم بقيمة 500 مليار دولار يُعرف باسم “ستارغيت”، بتعاون مع مجموعة من الشركاء.
لا شك أن نجاح أوبن أيه آي في تصميم وإنتاج معالج مخصص سيشكل نقطة تحول في عالم الذكاء الاصطناعي، ويساعدها على تصدّر الساحة من خلال تخفيض التكاليف وزيادة القدرة التنافسية. ورغم وجود تحديات فنية وتمويلية كبرى، فإن الشركات العملاقة طالما أثبتت أن الإرادة والابتكار كفيلان بتجاوز أصعب العقبات.