عندما عجز القرن التاسع عشر عن استيعاب تنبّؤات مدهشة حول سيطرة الذكاء الاصطناعي، كانت رسالة صامويل بتلر في نيوزيلندا الإنذار الأول.
قد يبدو القلق من هيمنة الذكاء الاصطناعي فكرة حديثة تستند إلى أفلام مثل «وور غيمز» أو «ذا تيرمينيتور»، لكن اتضح أن التحذير من هيمنة الآلات يعود فعليًّا إلى حقبة الحرب الأهلية الأمريكية. ففي 13 يونيو عام 1863، نُشرت في صحيفة «ذا برس» في مدينة كرايست تشيرش رسالةٌ تحذّر من التهديدات المحتملة لـ«تطوّر الآلات» وتدعو صراحة إلى تدميرها، وذلك درءًا لمستقبل يُخشى أن تتحوّل فيه التكنولوجيا إلى مصدر خطر يهدّد البشرية بالانقراض. وتُعد هذه الرسالة أول دعوة مكتوبة – على الأرجح – لوقف التقدّم التقني لمنع الآلات من الهيمنة على البشر.
نُشرت الرسالة بعنوان «داروين بين الآلات» ووقّعها كاتبها باسم مستعار هو «سيلاريوس»، واتضح لاحقًا أن الكاتب الفعلي هو صامويل بتلر، المزارع الإنجليزي الذي استقر في نيوزيلندا. استلهم بتلر نصه من أفكار تشارلز داروين عن التطور؛ إذ رأى أن الآلات قد تكتسب وعيًا وتطيح بالبشر كجنس مُهيمن على كوكب الأرض. كتب بتلر قائلًا: «نحن نخلق بأنفسنا خلفاءنا. كل يوم نزداد إتقانًا ودقّةً في تطوير بنيتهم المادية… وسوف يحلّ اليوم الذي نجد فيه أنفسنا العرق الأضعف.»
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي والدكتاتوريات: فرصة أم تهديد؟
تخيّل بتلر في رسالته أن البشر سيصبحون «خدمًا» للآلات، مطالبًا في الوقت نفسه بضرورة التصدّي لها قبل أن تكتسب اليد العليا. ورسم تشبيهًا يُظهر البشر كمن يُربّون الحيوانات الأليفة ويؤمّنون لها الطعام والمسكن، موضحًا أنه إذا انقلب الحال، فقد تمسي الآلات هي المهيمنة، ولن يكون باستطاعة البشر إيقافها.
تجلّت أفكار بتلر أيضًا في روايته «إيروون» الصادرة عام 1872، والتي صوّر فيها مجتمعًا يمنع أي اختراع ميكانيكي حديث ويقوم بتدمير كل الآلات التي استحدثت في الثلاثمئة عام الأخيرة، خشية أن يسيطر التطوّر الآلي على البشرية.
أثار بتلر جدلًا واسعًا؛ إذ ظن بعض النقاد أنه يسخر من نظرية داروين، في حين نفى هو ذلك. بل عبّر في رسالة كتبها لداروين نفسه عن انبهاره بكتاب «أصل الأنواع»، موضحًا أنه كان يدافع عن نظرية التطور ضد خصومها في صحافة نيوزيلندا.
ما يجعل رؤية بتلر مدهشة هو السياق الزمني الذي كتب فيه. فقبل إنشاء أول حاسوب ميكانيكي فعلي بعشرات السنوات، ومن دون وجود أي أجهزة حسابية متطورة – سوى الآلات البسيطة وخطوط الإنتاج الأولية – تجرأ بتلر على استنتاج أن التقنية ستتطوّر لتصير آلة تفكير مستقلة، وربما أكثر ذكاءً من البشر. جاءت توقعاته انطلاقًا من ملاحظته لتطوّر الآلات في عصر الثورة الصناعية.
لا يزال الجدل الذي أثاره بتلر حيًّا حتى اليوم. فقبل بضعة أعوام فقط، شهد العالم سلسلة من النقاشات الحادة حول مخاطر «تشات جي بي تي» والذكاء الاصطناعي التوليدي، والتحذيرات التي أطلقها باحثون ورؤساء شركات تقنية من إمكانية أن تتسبب هذه النظم، إن انفلت زمامها، في تهديد وجود البشرية على المدى الطويل. حتى إن هناك من اقترح إيقاف تطويرها تجنبًا لسيناريو كارثي.
يتساءل البعض: هل ستكون هذه المخاوف في المستقبل مجرّد صفحة في تاريخ تطوّر الآلات؟ أم أن الزمن سيؤكد صدق تحذيرات المتشائمين؟ في كل الأحوال، لا يسعنا تجاهل حقيقة تزايد اعتمادنا على الأنظمة الذكية التي تنظّم تفاصيل حياتنا وتتحكم في كثير من قراراتنا. ربما لن تتحوّل الروبوتات إلى حكام مستبدين، لكن فكرة أننا نصبح أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، حتّى أننا نعتمدها في أدقّ المسائل الشخصية، كانت – بالنسبة لبتلر – بمثابة الشرارة التي تستحق أن نُصغي إليها.
في نهاية رسالته المثيرة للجدل، دعا بتلر إلى «إعلان حربٍ بلا هوادة على الآلات، وتدمير كل آلة بلا استثناء، والعودة إلى حالة الإنسان البدائية»؛ إذ رأى أن وقوعنا في شَرك هذه الأجهزة، وعدم قدرتنا على فك الارتباط بها، يعني أننا بدأنا مسيرة العبودية التقنية بالفعل. وفي حال عجزنا عن تنفيذ هذه الدعوة، فهذا أبلغ دليل على أن «شرّ الآلات قد تسلّل إلى حياتنا، وأننا بدأنا بالفعل السير نحو خضوعنا التام.»