ماهي أوبن أيه آي؟
أوبن أيه آي هي منظمة أمريكية للأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي تأسست في ديسمبر ٢٠١٥ ويقع مقرها الرئيسي في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا. تتمثل مهمتها المعلنة في تطوير ذكاء اصطناعي عام (AGI) يكون «آمنًا وذو فائدة»، والذي تُعرفه بأنه «أنظمة ذاتية عالية الكفاءة تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية». باعتبارها منظمة رائدة في ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية، تشتهر أوبن أيه آي بعائلة نماذج اللغة الكبيرة «جي بي تي»، وسلسلة نماذج تحويل النص إلى صورة «دالي»، ونموذج تحويل النص إلى فيديو المسمى «سورا». يُنسب لإطلاق شات جي بي تي في نوفمبر ٢٠٢٢ إثارة اهتمام واسع النطاق بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
تتكون المنظمة من الكيان غير الربحي أوبن أيه آي، والمسجل في ولاية ديلاوير، وشركة فرعية هادفة للربح تأسست في عام ٢٠١٩ تحت اسم أوبن أيه آي جلوبال. تمتلك مايكروسوفت حوالي ٤٩٪ من أسهم أوبن أيه آي، بعد استثمارها مبلغ ١٣ مليار دولار، كما توفر موارد الحوسبة عبر منصتها السحابية «مايكروسوفت أزور».
القضايا القانونية والجدل
في عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، واجهت أوبن أيه آي عدة دعاوى قضائية تتعلق بانتهاك حقوق الطبع والنشر من قبل مؤلفين وشركات إعلامية زُعم أن أعمالهم استخدمت لتدريب بعض منتجات أوبن أيه آي. وفي نوفمبر ٢٠٢٣، أقال مجلس إدارة أوبن أيه آي المدير التنفيذي سام ألتمان بسبب «فقدان الثقة» به، ولكن بعد خمسة أيام، عاد إلى منصبه بعد مفاوضات أسفرت عن إعادة تشكيل المجلس. غادر العديد من الباحثين في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي المنظمة في عام ٢٠٢٤.
التاريخ
٢٠١٥-٢٠١٨: البدايات كمنظمة غير ربحية
في ديسمبر ٢٠١٥، تأسست أوبن أيه آي على يد سام ألتمان، إيلون ماسك، إيليا سوتسكيفر، جريج بروكمان، تريفور بلاكويل، فيكي تشيونج، أندريه كارباثي، دورك كينجما، جون شولمان، باميلا فاجاتا، ووشيك زاريمبا، وكان سام ألتمان وإيلون ماسك رئيسين مشاركين للمجلس. تم التعهد بتقديم مليار دولار كتمويل من قبل سام ألتمان، جريج بروكمان، إيلون ماسك، ريد هوفمان، جيسيكا ليفينجستون، بيتر ثيل، أمازون ويب سيرفيسز (AWS)، إنفوسيس، ومؤسسة YC Research. ومع ذلك، بلغ إجمالي المساهمات الفعلية حتى عام ٢٠١٩ حوالي ١٣٠ مليون دولار فقط.
وفقًا لتحقيق أجرته TechCrunch، كان ماسك أكبر المتبرعين، بينما لم تساهم YC Research بأي شيء. صرحت أوبن أيه آي بأنها ستتعاون بحرية مع المؤسسات والباحثين الآخرين من خلال إتاحة براءات الاختراع والأبحاث للجمهور. في البداية، أُديرت المنظمة من غرفة معيشة بروكمان، ثم انتقل مقرها إلى مبنى بايونير في منطقة ميشن، سان فرانسيسكو.
وفقًا لمجلة Wired، اجتمع بروكمان مع يوشوا بنجيو، أحد «الآباء المؤسسين» للتعلم العميق، ووضع قائمة بأفضل الباحثين في المجال، واستطاع توظيف تسعة منهم كأول موظفين في ديسمبر ٢٠١٥. في عام ٢٠١٦، دفعت أوبن أيه آي رواتب على مستوى الشركات، لكنها لم تدفع رواتب للباحثين تضاهي تلك التي تقدمها فيسبوك أو جوجل.
صرح بيتر لي من مايكروسوفت بأن تكلفة توظيف باحث ذكاء اصطناعي كبير تتجاوز تكلفة التعاقد مع لاعب كرة قدم أمريكي محترف. وقد جذب هدف ومهمة أوبن أيه آي هؤلاء الباحثين للانضمام، حيث قال أحد موظفي جوجل إنه مستعد لترك وظيفته والانضمام إلى أوبن أيه آي بسبب «فريق العمل القوي للغاية وإلى حد كبير بسبب مهمتها». وذكر بروكمان أن «أفضل شيء يمكنني تخيله هو دفع الإنسانية نحو بناء ذكاء اصطناعي حقيقي بطريقة آمنة». كما صرح زاريمبا بأنه رفض عروضًا مالية «مجنونة» تصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف قيمته السوقية للانضمام إلى أوبن أيه آي.
في أبريل ٢٠١٦، أطلقت أوبن أيه آي النسخة التجريبية العامة من منصة «OpenAI Gym» للبحث في التعلم التعزيزي. وفي أغسطس ٢٠١٦، أهدت Nvidia أول كمبيوتر خارق DGX-1 إلى أوبن أيه آي لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكبر وأكثر تعقيدًا، مما قلل وقت المعالجة من ستة أيام إلى ساعتين. وفي ديسمبر ٢٠١٦، أطلقت أوبن أيه آي منصة «Universe»، وهي منصة برمجية لقياس وتدريب الذكاء العام للذكاء الاصطناعي عبر الألعاب والمواقع الإلكترونية والتطبيقات.
٢٠١٩: التحول إلى الربح المحدود
شهد عام ٢٠١٩ نقطة تحول كبيرة في مسار أوبن أيه آي، حيث انتقلت المنظمة من كيان غير ربحي إلى نموذج أعمال جديد أطلق عليه اسم «ذات ربح محدود». كان هذا التحول مدفوعًا بالرغبة في جذب المزيد من الاستثمارات لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وفقًا لهذا النموذج، تم تحديد أرباح المستثمرين بمئة ضعف قيمة استثماراتهم الأصلية، وهو ما أتاح للشركة تحقيق توازن بين جذب رأس المال والحفاظ على التزامها بمهمتها المتمثلة في تطوير ذكاء اصطناعي آمن ومفيد.
هذا التحول كان ضروريًا لجذب الاستثمارات من صناديق رأس المال الاستثماري الكبرى، بالإضافة إلى تقديم حوافز تنافسية للموظفين من خلال منحهم حصصًا في الشركة. أتاح النموذج الجديد للشركة أن تكون قادرة على توظيف أفضل الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة في مواجهة المنافسة الشديدة مع شركات مثل جوجل وفيسبوك، التي تقدم حزم رواتب ضخمة وخيارات أسهم جذابة للباحثين.
أبرمت أوبن أيه آي خلال هذا العام شراكة استراتيجية مع مايكروسوفت، والتي استثمرت مليار دولار في الشركة. لم يقتصر دور مايكروسوفت على الدعم المالي فقط، بل أصبحت منصة أزور السحابية أساسًا لتشغيل أنظمة أوبن أيه آي، مما وفر للشركة بنية تحتية قوية وسريعة لتطوير وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. شكّل هذا الاستثمار بداية علاقة استراتيجية طويلة الأمد بين أوبن أيه آي ومايكروسوفت، مما أدى إلى تعزيز مكانة الشركتين في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.
٢٠٢٠-٢٠٢٣: إطلاق شات جي بي تي وشراكة مع مايكروسوفت
في عام ٢٠٢٠، أطلقت أوبن أيه آي نموذج اللغة المتقدم GPT-3، الذي يعد واحدًا من أبرز إنجازات الشركة. تم تدريب هذا النموذج على مجموعات بيانات ضخمة مستخرجة من الإنترنت، مما جعله قادرًا على فهم اللغة البشرية وإنتاج نصوص ذات طابع إنساني بدرجة كبيرة من الإبداع والتنوع. لم يكن الهدف من GPT-3 مقتصرًا على الإجابة عن الأسئلة فقط، بل شمل أيضًا القدرة على ترجمة النصوص بين اللغات، وكتابة المقالات، وحتى إنشاء نصوص أدبية مبتكرة.
في عام ٢٠٢٢، أطلقت أوبن أيه آي شات جي بي تي، وهو تطبيق يعتمد على تقنيات GPT-3 لكنه مصمم لتقديم تجربة محادثة متقدمة للمستخدمين. أثار شات جي بي تي اهتمامًا عالميًا، حيث جذب أكثر من ١٠٠ مليون مستخدم في غضون شهرين فقط من إطلاقه، ليصبح أسرع تطبيق نموًا في تاريخ التطبيقات الاستهلاكية.
هذا النجاح لم يكن مصادفة؛ فقد قدم شات جي بي تي تجربة تفاعلية مذهلة بفضل قدرته على فهم أسئلة المستخدمين وتقديم إجابات دقيقة ومخصصة. كما أصبح أداة متعددة الاستخدامات تُستخدم في مجالات التعليم، الكتابة الإبداعية، وتطوير الأعمال، مما ساهم في تعزيز مكانة أوبن أيه آي كشركة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي.
عززت أوبن أيه آي شراكتها مع مايكروسوفت خلال هذه الفترة، حيث استمرت الشركة في الاعتماد على منصة أزور لتدريب وتشغيل نماذجها. أدى هذا التعاون إلى تعزيز قدرات الشركتين وتوسيع نطاق التطبيقات الممكنة للذكاء الاصطناعي، مما جعل أوبن أيه آي لاعبًا رئيسيًا في هذا المجال.
٢٠٢٤: المشاريع العامة والتعاون مع آبل
في فبراير ٢٠٢٤، أعلنت أوبن أيه آي عن نموذج «سورا» الجديد لتحويل النصوص إلى فيديوهات، وهو إنجاز تقني متقدم يعزز قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع الوسائط المتعددة بشكل أكثر فعالية. يتيح هذا النموذج إنشاء فيديوهات دقيقة وواقعية بناءً على أوصاف نصية، مما يمهد الطريق لتطبيقات مبتكرة في مجال الإعلام، التعليم، والتسويق. رغم أن النموذج متاح حاليًا للاختبارات الداخلية من قبل فرق مختصة بتقييم المخاطر، تخطط أوبن أيه آي لإطلاقه للجمهور قريبًا، مما يجعل التكنولوجيا أكثر شمولية ومتاحة للمستخدمين النهائيين.
تحديات قانونية وتحقيقات تنظيمية
في فبراير ٢٠٢٤، خضعت أوبن أيه آي لتحقيقات مكثفة من قبل لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية. ركزت التحقيقات على ما إذا كانت التصريحات الداخلية التي أدلى بها الرئيس التنفيذي سام ألتمان قد استُخدمت لتضليل المستثمرين. تزامن ذلك مع تحقيق آخر من مكتب المدعي العام الأمريكي في نيويورك، الذي استمر منذ نوفمبر ٢٠٢٣، مما أثار العديد من التساؤلات حول الشفافية في إدارة الشركة والتزامها بمهمتها الأصلية.
في مارس ٢٠٢٤، اندلعت معركة قانونية بين أوبن أيه آي وإيلون ماسك، حيث رفع الأخير دعوى قضائية ضد الشركة، متهمًا إياها بالتحول عن هدفها الأصلي المتمثل في تطوير ذكاء اصطناعي مفيد للبشرية والتركيز على تحقيق الأرباح. أثارت هذه الدعوى موجة من الجدل العام حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ودور الشركات الكبرى في هذا المجال. ردت أوبن أيه آي ببيان رسمي قالت فيه إن «مفهوم المهمة الأصلية لم يتضمن التزامًا مفتوح المصدر بالكامل»، مشيرة إلى أن التحولات التي أجرتها كانت ضرورية لتأمين التمويل وجذب المواهب.
استقالات بارزة وتحديات داخلية
شهد مايو ٢٠٢٤ تطورات مثيرة داخل أوبن أيه آي، حيث استقال إيليا سوتسكيفر، كبير العلماء في الشركة، وأعلن جان لايك، قائد فريق السوبرالاينمنت، مغادرته أيضًا. أشارت التقارير إلى أن هذه الاستقالات جاءت نتيجة خلافات حول مسار الشركة وافتقار القيادة إلى الشفافية والثقة. أدى ذلك إلى إغلاق فريق السوبرالاينمنت ودمج أبحاثه في أقسام أخرى، وهو ما أثار قلق العديد من المراقبين الذين رأوا في ذلك تراجعًا عن الالتزام بمبادئ السلامة والأمان في تطوير الذكاء الاصطناعي.
شراكات استراتيجية وتوسعات جديدة
في نفس الشهر، أبرمت أوبن أيه آي شراكة مع منصة «ريديت» لإدماج محتوى المنصة ضمن منتجاتها مثل شات جي بي تي. يُعد هذا التعاون خطوة مهمة لتحسين التفاعل وتوفير معلومات محدثة ودقيقة، حيث يمكن للمستخدمين الاستفادة من المحتوى المباشر والمتنوع لزيادة دقة النتائج التي يقدمها الذكاء الاصطناعي.
كما دخلت الشركة في شراكات مع مؤسسات إعلامية كبرى مثل نيوز كورب، مما أتاح إدماج محتوى صحف مثل وول ستريت جورنال ونيويورك بوست. على الرغم من ذلك، واجهت أوبن أيه آي دعاوى قضائية من وسائل إعلام أخرى، مثل نيويورك تايمز، التي اتهمت الشركة بانتهاك حقوق النشر من خلال استخدام محتوياتها لتدريب النماذج.
جولات تمويلية وتعزيز القيمة السوقية
في أكتوبر ٢٠٢٤، جمعت أوبن أيه آي تمويلًا بقيمة ٦.٦ مليار دولار من مستثمرين مثل مايكروسوفت، إنفيديا، وسوفت بنك. أدى ذلك إلى رفع قيمة الشركة السوقية إلى ١٥٧ مليار دولار، مما يعكس الثقة المتزايدة في إمكانياتها وتأثيرها في مجال الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أثارت بعض الانتقادات بشأن تأثير هذه الاستثمارات الكبيرة على التزام الشركة بمبادئ الشفافية والابتكار الأخلاقي.
إطلاقات جديدة ومبادرات مبتكرة
خلال ديسمبر ٢٠٢٤، كشفت أوبن أيه آي عن عدة ابتكارات خلال حدث «١٢ يومًا مع أوبن أيه آي»، بما في ذلك:
- نموذج «سورا»: أداة لتحويل النصوص إلى فيديوهات عالية الجودة، متاحة لمشتركي شات جي بي تي بلس وبرو.
- نموذج «o1»: مصمم لتقديم استدلال متسلسل يعزز دقة وشفافية القرارات التي يتخذها الذكاء الاصطناعي.
- خدمة «شات جي بي تي برو»: اشتراك شهري بقيمة ٢٠٠ دولار يوفر وصولًا غير محدود للنماذج المتقدمة.
الرؤية المستقبلية
مع توسعها المستمر وشراكاتها الاستراتيجية، تواصل أوبن أيه آي العمل على تحقيق رؤيتها المتمثلة في تطوير ذكاء اصطناعي قوي وآمن يخدم الإنسانية. ورغم التحديات القانونية والتنظيمية، تسعى الشركة للابتكار في مجالات جديدة، مع التركيز على تحقيق التوازن بين الابتكار والأخلاقيات لضمان مستقبل أكثر إشراقًا للبشرية.