يثير بناء مراكز بيانات أمريكية في الخليج جدلاً حاداً في واشنطن. فهل هو تفريط في الأصول الاستراتيجية، أم خطوة ضرورية لضمان تفوق أمريكا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي ومنع الصين من ملء الفراغ؟
مقدمة: جدل في قلب واشنطن
«لماذا نضع مراكز البيانات ومراكز الأبحاث في دبي؟ يجب أن تكون هذه الوظائف التكنولوجية الجديدة عالية الأجر في الولايات المتحدة». هذا ما تساءل به عضو الكونغرس الأمريكي رو خانا، معبرًا عن قلق تيار واسع في واشنطن يُعرف باسم «معسكر عدم انتشار الذكاء الاصطناعي». يرد على هذا التساؤل ديفيد ساكس، مستشار الرئيس ترامب للذكاء الاصطناعي، الذي يرى أن هذه الشراكات ضرورية للحفاظ على تفوق أمريكا.
يدور هذا الجدل حول شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والإمارات، واتفاقيات مماثلة مع المملكة العربية السعودية. فهل تمثل هذه الصفقات تفريطًا في «اليورانيوم المخصب» للقرن الحادي والعشرين – أي القدرة الحاسوبية – أم أنها خطوة استراتيجية ذكية لمواجهة تحديات الطاقة ورأس المال التي تواجهها أمريكا، والأهم من ذلك، مواجهة التوسع التكنولوجي الصيني؟
معسكر «عدم الانتشار»: القدرة الحاسوبية كنز استراتيجي
يرى النقاد، مثل النائب خانا، أن واشنطن تقوم بـ«تصدير» قوتها الحاسوبية الاستراتيجية إلى الشرق الأوسط. بالنسبة لهم، القدرة الحاسوبية (compute) – وهي القدرة على معالجة البيانات التي تشغل كل شيء من العمليات الحسابية البسيطة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة – هي رافعة حاسمة للقوة الوطنية يجب توزيعها بحذر شديد. تمتلك الولايات المتحدة حاليًا ما يقرب من 75% من القدرة الحاسوبية الرائدة في العالم، ويعتقد هذا المعسكر أن الحفاظ على هذه الميزة هو مفتاح الفوز في السباق نحو الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
معسكر «الانتشار العالمي»: الطاقة هي عنق الزجاجة الجديد
على الجانب الآخر، يجادل ديفيد ساكس وسriram Krishnan، كبير مستشاري البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي، بأن عنق الزجاجة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم يعد الرقائق، بل الكهرباء. من المتوقع أن يستهلك الطلب على مراكز البيانات في الولايات المتحدة ما يصل إلى 9% من الشبكة الوطنية بحلول عام 2030، ولا تستطيع أمريكا بناء خطوط الجهد العالي والمحطات الفرعية بالسرعة الكافية لمواكبة هذا الطلب.
في المقابل، يمكن لشركاء الخليج تمويل وتشغيل مجمعات بيانات بقدرة جيجاوات بتكلفة منخفضة تصل إلى 0.03 دولار لكل كيلوواط/ساعة وتشغيلها في غضون أشهر. من وجهة نظر ساكس، الاستفادة من هذه الطاقة الفائضة هي الطريقة الوحيدة الموثوقة لتوسيع القدرة الحاسوبية بسرعة كافية للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة.
التهديد الصيني الحقيقي
يضيف معسكر الانتشار أن الفجوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين أضيق بكثير مما يعتقد دعاة عدم الانتشار. رقائق Ascend من هواوي، مقترنة بنماذج DeepSeek، تزود بكين بـ«حزمة تقنية» (stack) محلية متكاملة بدأت بالفعل في الانتشار في الخارج. مع اقتراب هواوي من التكافؤ مع الرقائق الأمريكية، وتوسع الصين في أسواق مثل باكستان وتايلاند ومصر، يصبح الخيار أمام دول العالم بشكل متزايد بين حزمتين: الحزمة الأمريكية أو الحزمة الصينية.
إذا رفضت الولايات المتحدة الشركاء الراغبين مثل الإمارات والسعودية – الذين أظهروا تفضيلًا واضحًا للحزمة الأمريكية – فإنها تخاطر بخلق فراغ ستسارع الصين لملئه.
القدرة الحاسوبية كسلعة، لا كسر
يجادل البعض بأن التعاون يجب أن يقتصر على الدول التي تشارك الولايات المتحدة قيمها الديمقراطية. لكن هذا الرأي يفترض أن القدرة الحاسوبية أصل سري. في الواقع، هي سلعة، تمامًا مثل النفط في القرن العشرين. القيمة لا تكمن في السرية، بل في السعة والحجم والوصول الموثوق. ما يهم هو من يمكنه بناء وتوسيع البنية التحتية، وليس من يخفيها خلف جدار حماية.
من خلال هذه الشراكات، يمكن لدول الخليج أن تضع نفسها كمزود لخدمات الحوسبة الخلفية (backend) للدول في الأسواق الناشئة التي تفتقر إلى القدرة على تدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو جوهر ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعي السيادي».
الخاتمة: قيادة الانتشار العالمي أو مشاهدة الصين وهي تفوز
لا ينبغي النظر إلى الشراكات الأمريكية الخليجية على أنها نقل للقدرة الحاسوبية إلى الخارج، بل هي خلق لقدرة لم تكن موجودة في المقام الأول. تمثل هذه الصفقات المسار الأكثر واقعية لواشنطن لتوسيع قدرتها الحاسوبية بالشراكة مع دول راغبة وقادرة. الخيار ليس بين الثقة بالأنظمة الاستبدادية أو الحفاظ على القيم الديمقراطية، بل بين قيادة الانتشار العالمي للبنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي، أو الوقوف مكتوفي الأيدي بينما تصبح الحزمة الصينية هي الخيار الافتراضي للعالم.