في تحول جذري، اعترفت شركة PwC العملاقة بأنها خفضت أسعار بعض خدماتها بعد أن طالب العملاء بحصتهم من الكفاءة التي حققها الذكاء الاصطناعي. فهل هذه بداية نهاية نموذج “الساعة القابلة للفوترة”؟
مقدمة: عندما يطالب العميل بحصته من الكفاءة
في اعتراف نادر ومهم، كشفت شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، إحدى أكبر شركات الخدمات الاستشارية المهنية في العالم، أنها خفضت أسعار بعض خدماتها. السبب؟ أشار العملاء إلى أن الشركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالها بشكل أسرع، وطالبوا بالحصول على «نصيبهم العادل من هذه الكفاءة». هذا التصريح، الذي أدلى به دان بريست، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في PwC، ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو مؤشر على تحول زلزالي قد يعيد تشكيل نماذج الأعمال في قطاعات بأكملها، خاصة تلك التي تعتمد على فوترة العملاء بناءً على الوقت المستغرق.
أوبن إيه آي تغير هيكل التسعير لإصدار الأعمال من تشات جي بي تي
قال بريست في مقابلة مع بلومبرغ نيوز: «كان العملاء يسمعوننا نتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي ويقولون: نريد نصيبنا العادل من تلك الكفاءة». وأضاف: «لقد منحنا عملاءنا بالتأكيد، حسب الاقتضاء، ميزة التسعير الناتجة عن الكفاءة التي نحققها». هذا التحول يضع ضغطًا كبيرًا على نموذج «الساعة القابلة للفوترة» الذي هيمن على صناعات مثل الاستشارات والقانون والمحاسبة لعقود.
تأثير الذكاء الاصطناعي على نموذج الأعمال الاستشاري
تعتمد شركات الاستشارات بشكل تقليدي على فرض رسوم على العملاء بناءً على عدد الساعات التي يقضيها مستشاروها في المشاريع. لكن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية تهدد بقلب هذا النموذج رأسًا على عقب. يمكن للذكاء الاصطناعي الآن أتمتة المهام التي كانت تستغرق ساعات طويلة، مثل تحليل البيانات، وإعداد التقارير، وحتى كتابة الأكواد البرمجية لدمج الأنظمة.
على سبيل المثال، أشار بريست إلى أن PwC، مثل منافسيها، تساعد العملاء على دمج التطبيقات، وقد استخدمت الذكاء الاصطناعي لتقليل الموارد المطلوبة لتنفيذ هذا العمل بشكل كبير. وقدر أن شركات الاستشارات التقنية قد حسنت كفاءة أعمال تكامل الأنظمة بنحو 30% بفضل الذكاء الاصطناعي. في البداية، ظهرت هذه المكاسب «إلى حد كبير على شكل تخفيضات في الأسعار».
من الكفاءة إلى القيمة: التحدي الجديد
لكن القصة لا تنتهي عند تخفيض الأسعار. لاحظ بريست أن هذه التخفيضات قد «استقرت» لأن استخدام الشركة للتكنولوجيا لا يوفر الوقت فحسب، بل يحسن أيضًا جودة خدماتها. قال: «نحن نحاول التركيز أكثر على خلق القيمة. هناك قيمة لتلك المعلومات الاستخباراتية». هذه هي المعادلة الجديدة التي تواجهها الشركات: كيف توازن بين تمرير وفورات الكفاءة للعميل وإقناعه بدفع ثمن القيمة المضافة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، مثل رؤى أعمق أو نتائج أسرع وأكثر دقة؟
هذا التحول يعكس اعتقادًا طويل الأمد لدى بعض خبراء الذكاء الاصطناعي بأن الانتشار الواسع للتكنولوجيا سيؤدي في النهاية إلى دفع المستهلكين أموالًا أقل مقابل المنتجات. تنبأ سام ألتمان، رئيس شركة OpenAI، بأن أسعار العديد من السلع ستنخفض بشكل كبير بسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ومع ذلك، منذ بداية طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ركزت الشركات بشكل أكبر على توفير الوقت والتكاليف المرتبطة بالاستثمار في التكنولوجيا.
المستقبل: تسعير قائم على القيمة
يشير اعتراف PwC إلى أن السوق بدأ يلحق بالركب. لم يعد العملاء على استعداد لدفع ثمن ساعات العمل البشرية إذا كان بإمكان الآلة القيام بنفس العمل في جزء صغير من الوقت. هذا يجبر الشركات على إعادة التفكير في كيفية تسعير خدماتها، والانتقال من نموذج قائم على الجهد إلى نموذج قائم على القيمة والنتائج.
قد يعني هذا في المستقبل أن الشركات الاستشارية ستقدم أسعارًا ثابتة للمشاريع، أو نماذج تسعير قائمة على الأداء، حيث يتم ربط الرسوم بتحقيق نتائج أعمال محددة. سيكون العبء على شركات مثل PwC لإثبات أن الرؤى التي يولدها الذكاء الاصطناعي تستحق سعرًا أعلى، حتى لو تم إنتاجها في وقت أقل.
خاتمة: بداية عصر جديد
إن تصريحات PwC هي أكثر من مجرد خبر عن شركة واحدة؛ إنها لمحة عن الاضطراب الاقتصادي الذي يجلبه الذكاء الاصطناعي. إنها تؤكد أن فوائد التكنولوجيا لن تظل محصورة داخل الشركات التي تطبقها. يطالب العملاء الآن، وبشكل متزايد، بحصتهم من الكعكة. في نهاية المطاف، كما قال بريست لاحقًا في بيان: «أكبر فائدة لعملائنا هي أكثر بكثير من السعر، إنها القدرة على التحرك بشكل أسرع، والعمل بذكاء أكبر، والثقة في النتائج». المعركة الآن تدور حول من يمكنه إثبات هذه القيمة بشكل أفضل.