بازينجا

شركة هيوماين

شركة هيوماين السعودية

Written by

Picture of فريقنا

فريقنا

Communications Consultant

مقدمة

شركة “هيوماين” (HUMAIN) هي شركة سعودية جديدة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، أُطلقت بدعم من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) بهدف أن تكون لاعبًا رئيسيًا على الساحة العالمية في هذا المجال. تمتاز “هيوماين” بنهج شامل يغطي سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي، بدءًا من تطوير البنية التحتية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية، مرورًا بمعالجة البيانات وتطوير النماذج الذكية، وصولًا إلى التطبيقات والحلول العملية. وتسعى الشركة عبر هذا النهج إلى تسريع التقدم التقني وتحقيق تأثير ملموس في الواقع على نطاق واسع، مع التركيز بشكل خاص على تمكين اللغة العربية تقنيًا من خلال بناء أحد أقوى نماذج اللغة الضخمة متعددة الوسائط باللغة العربية. وبفضل دعم الحكومة السعودية ورؤيتها المستقبلية، تهدف “هيوماين” إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز عالمي رائد لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

تاريخ الشركة والخلفية

تأسست شركة “هيوماين” رسميًا في مايو 2025 بإعلان من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 12 مايو 2025. جاءت هذه الخطوة ضمن جهود المملكة لتنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط وتعزيز الاقتصاد المعرفي، تماشيًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. تحت قيادة ولي العهد بصفته رئيس مجلس الإدارة، وبدعم كامل من صندوق الاستثمارات العامة، وُضعت “هيوماين” كحجر الزاوية في استراتيجية السعودية للذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من تصدّر المملكة للمؤشر العالمي لاستراتيجيات الحكومات في الذكاء الاصطناعي لعام 2024.

منذ انطلاقتها، شهدت الشركة محطات بارزة. ففي 13 مايو 2025 تم الإعلان عن تعيين المهندس طارق أمين رئيسًا تنفيذيًا لـ”هيوماين”. ويُعد طارق أمين شخصية بارزة في مجال التقنية، حيث يمتلك خبرات قيادية من شركات عالمية (مثل راكوتن اليابانية وذراع التحول الرقمي لشركة أرامكو)، مما يعكس حرص “هيوماين” على استقطاب الكفاءات المرموقة لقيادة دفة المشاريع الطموحة. كما تزامن إطلاق الشركة مع منتدى استثماري سعودي-أميركي رفيع المستوى في الرياض، شهد حضور قادة كبرى شركات التقنية العالمية، مما أتاح لـ”هيوماين” فور بدايتها توقيع اتفاقات استراتيجية مع هذه الجهات (سيأتي ذكرها بالتفصيل لاحقًا). هذه البداية القوية والارتباط الوثيق برؤية 2030 يؤكدان الخلفية الاستراتيجية لتأسيس “هيوماين”، والمتمثلة في سعي السعودية للتحول إلى مركز تقني عالمي وخلق اقتصاد رقمي قائم على المعرفة والابتكار.


500 مليون دولار في الأفق: هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي؟


الرسالة والرؤية والقيم

ترتكز رسالة شركة “هيوماين” على بناء مستقبل يعمل فيه الذكاء الاصطناعي بتناغم تام مع العنصر البشري لتحقيق الابتكار وفتح آفاق غير مسبوقة للنمو والتقدم. صرّح الرئيس التنفيذي طارق أمين بأن رؤية “هيوماين” تتمثل في تمكين الاقتصاد الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في السعودية، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري جنبًا إلى جنب لتحفيز الإبداع وتحقيق فرص غير مسبوقة للمملكة والعالم. وتسعى الشركة لأن تكون الجسر الذي يربط البصيرة البشرية بالدقة الآلية في مختلف القطاعات، بحيث يتم توظيف التقنيات المتقدمة لخدمة المجتمع وتنمية الاقتصاد على حد سواء.

من جهة القيم، تلتزم “هيوماين” بمبادئ الجرأة والابتكار والشمولية. يتجلى ذلك في تبنيها لمشاريع ضخمة وغير تقليدية في مجال الذكاء الاصطناعي وحرصها على الشراكة مع رواد التقنية العالميين. كما تُعلي الشركة قيمة تمكين القدرات المحلية؛ فهي تتبنى نهجًا يشجّع على تطوير المواهب السعودية وجذب أفضل الخبرات العالمية للعمل في مشاريعها. وتشمل قيمها كذلك الالتزام بالتنمية المستدامة والمسؤولية المجتمعية في المجال التقني، حيث أكّد طارق أمين على أهمية خلق بيئة يتعاون فيها الذكاء الاصطناعي مع البشر بصورة أخلاقية وآمنة لدفع عجلة التطور. وفي هذا الإطار، تولي “هيوماين” عناية لمسألة خصوصية البيانات وأمنها، إذ تخطط لتوفير منظومة تتيح للعملاء مراقبة كيفية استخدام بياناتهم بشكل فوري، مع الامتثال للأنظمة القانونية سواء داخل المملكة أو في بلدان عملاء الشركة. هذه الرسالة الواضحة والرؤية الطموحة، المرتكزة إلى قيم راسخة، توجه أنشطة “هيوماين” واستراتيجياتها منذ يومها الأول.

المنتجات والخدمات

تقدم “هيوماين” حزمة شاملة من المنتجات والخدمات في مجال الذكاء الاصطناعي، تركّز على تلبية احتياجات السوق المحلي والإقليمي مع مواكبة أحدث الاتجاهات العالمية. أبرز ما تضمه هذه الحزمة:

  • البنية التحتية ومراكز البيانات المتقدمة: تنشئ الشركة مراكز بيانات عملاقة مخصّصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتشمل خططها بناء الجيل الجديد من مراكز البيانات بقدرة حوسبية هائلة، حيث تستهدف سعة تصل إلى 1.9 غيغاواط بحلول 2030 لعمليات المعالجة والتدريب، مع التوسع لاحقًا إلى 6.6 غيغاواط. هذه المراكز ستكون مدعومة بأحدث العتاد التقني، ومنها عشرات الآلاف من معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة من شركاء عالميين (مثل رقاقات Nvidia وغيرها) لضمان قدرة معالجة عالية تلبي الطلب المتزايد على حلول الذكاء الاصطناعي.
  • منصة حوسبة سحابية للذكاء الاصطناعي: تعمل “هيوماين” على تطوير منصة سحابية شاملة تقدم خدمات البنية التحتية كخدمة (IaaS) ومنصة كخدمة (PaaS) مخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ستمكّن هذه المنصة الشركات والمؤسسات من الوصول إلى قدرات حوسبية عالية الأداء ومعمارية جاهزة لتشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بكفاءة وبتكلفة مناسبة محليًا، دون الحاجة للاعتماد الكامل على مراكز بيانات خارجية. كما تتضمن خطط الشركة إنشاء ما يُعرف بـ”منطقة الذكاء الاصطناعي” بالتعاون مع مزودي خدمات سحابية عالميين، مما يتيح للمطورين نشر حلولهم في بيئة سحابية موثوقة داخل السعودية.
  • النماذج والحلول الذكية المتقدمة: تضع “هيوماين” تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في صميم خدماتها. ومن أبرز أهدافها إنشاء أحد أقوى النماذج اللغوية الكبيرة (LLM) باللغة العربية في العالم. هذا النموذج اللغوي المتعدد الوسائط سيكون قادرًا على فهم السياقات اللغوية العربية وتوليد استجابات ذكية تخدم تطبيقات عديدة من معالجة اللغة الطبيعية إلى المساعدات الذكية والترجمة الآلية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الشركة على تطوير حلول ذكاء اصطناعي تطبيقية تخدم قطاعات متنوعة، مثل الرعاية الصحية والطاقة والتعليم والصناعة والخدمات المالية، عبر توفير نماذج وتطبيقات جاهزة يمكن دمجها في أنظمة هذه القطاعات. هذه الحلول مصممة لتلبية احتياجات السوق المحلي مع مراعاة الخصوصية الثقافية واللغوية، ما يمنحها ميزة نوعية عن الحلول المستوردة.
  • الاستشارات والدعم التقني في مجال الذكاء الاصطناعي: إلى جانب المنتجات الملموسة، توفر “هيوماين” خدمات استشارية وتقنية لمساعدة الجهات الحكومية والشركات الخاصة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بفعالية. يشمل ذلك تدريب الكوادر على التقنيات الجديدة، وتقديم الدعم الفني في تنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي، ومشاركة أفضل الممارسات العالمية. وتهدف الشركة من خلال ذلك إلى تسريع وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات محليًا وإقليميًا، مما يخلق نظامًا بيئيًا متكاملاً يربط بين مقدمي التكنولوجيا ومستخدميها ضمن منظومة الاقتصاد الرقمي.

يجمع عرض “هيوماين” بين توفير القوة الحاسوبية الهائلة وتطوير البرمجيات والنماذج المتقدمة، وهو ما يجعلها مزودًا متكاملاً (Full-Stack) في سوق الذكاء الاصطناعي. وبفضل هذه التوليفة، تستطيع الشركة تلبية حاجات العملاء المختلفة، من توفير البنية التحتية اللازمة للمشاريع الضخمة، إلى تقديم حلول جاهزة للاستخدام المباشر، الأمر الذي يميزها عن كثير من اللاعبين التقليديين في القطاع.

الحضور السوقي والمكانة الصناعية

رغم حداثة عهدها، بدأت “هيوماين” ترسخ حضورًا قويًا في سوق التقنية محليًا ودوليًا، مستندةً إلى الدعم الحكومي وشبكة واسعة من الشراكات العالمية. الأسواق المستهدفة للشركة تشمل في المقام الأول السوق السعودي وأسواق الشرق الأوسط، مع تطلع واضح للتوسع نحو الأسواق العالمية. فالشركة منذ تأسيسها أعلنت أنها ستعمل محليًا وإقليميًا ودوليًا على تقديم حلولها، مما يعني أنها تخطط لتكون لاعبًا عالميًا وليس مجرد شركة محلية. وفي هذا الصدد، استفادت “هيوماين” من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسعودية بين ثلاث قارات، والذي يسهّل الربط الشبكي وسرعة نقل ومعالجة البيانات بين الشرق والغرب. هذا التموضع يتيح لها خدمة عملاء من مناطق مختلفة بكفاءة، ويؤهل المملكة لتكون عقدة مركزية في البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.

السمعة في المجال: حظيت “هيوماين” باهتمام إعلامي وتكنولوجي واسع منذ انطلاقها. فقد وُصفت بأنها ركيزة استراتيجية ضمن مساعي المملكة لتصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي. كما اعتُبر إنشاؤها خطوة جريئة تعكس جدية السعودية في اقتحام مضمار التقنية المتقدمة. وفي غضون أسابيع من الإعلان عنها، تمكنت الشركة من بناء سمعة قوية من خلال إبرام صفقات ضخمة مع شركات تكنولوجيا رائدة (تفاصيلها أدناه)، ما أعطاها مصداقية فورية كمنافس جديد ذو ثقل. ويُتوقع أن هيوماين ستسهم في استقطاب الاستثمارات والمواهب العالمية إلى السوق السعودية، الأمر الذي يعزز صورتها كمحفز للابتكار الإقليمي.

الشراكات البارزة: تُعد استراتيجية الشراكات العالمية إحدى أهم نقاط قوة “هيوماين”. فمنذ أيامها الأولى، عقدت الشركة سلسلة اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع عمالقة التقنية في الولايات المتحدة وغيرها، أبرزها:

  • شركة NVIDIA: تعاونت “هيوماين” مع إنفيديا لتزويدها بمعدات حوسبة فائقة، حيث أعلن الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جينسن هوانغ أن شركته ستبيع أكثر من 18 ألف وحدة معالجة رسومية متقدمة (GPU) لمنظومات “هيوماين”. هذه الشراكة تضمن حصول “هيوماين” على أحدث رقاقات الذكاء الاصطناعي لتشغيل مراكز بياناتها ورفع قدرتها على تدريب النماذج بسرعة وكفاءة.
  • شركة AMD: وقّعت “هيوماين” اتفاقًا ضخمًا مع شركة أي إم دي بقيمة 10 مليارات دولار لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية. يشمل هذا التعاون خطة لنشر قدرة حوسبية تبلغ 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، وبناء منصة سحابية من الجيل الجديد تعتمد على معالجات AMD الفائقة. هذه الصفقة تعزز قدرات الشركة في جانب المعالجة وتوفر أساسًا تقنيًا متينًا لمشروعاتها المقبلة.
  • شركة Amazon Web Services (AWS): ضمن مساعي تطوير البنية السحابية، دخلت “هيوماين” في شراكة مع خدمة AWS السحابية التابعة لأمازون لإطلاق ما سُمّي “منطقة ذكاء اصطناعي” في المملكة باستثمار قدره 5 مليارات دولار. هذه المنطقة الخاصة ستمكن من تقديم خدمات سحابية متقدمة محليًا وتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالقرب من المستخدمين في الشرق الأوسط، مما يقلل زمن الاستجابة ويضمن السيادة على البيانات.
  • شركة Qualcomm: عقدت “هيوماين” مذكرة تفاهم مع كوالكوم بهدف دمج أحدث شرائحها (مثل Snapdragon وDragonwing) في منظومات حوسبة الذكاء الاصطناعي. وتطورت الشراكة لاحقًا إلى خطة استثمارية بقيمة 2 مليار دولار لبناء مراكز بيانات وتعزيز قدرات تصميم الرقاقات في المملكة. ضمن هذا الجهد، ستقوم كوالكوم بإنشاء مركز لتصميم الشرائح الإلكترونية في الرياض وتوظيف 500 مهندس، مما يساعد في نقل المعرفة التقنية المتقدمة إلى داخل السعودية. تهدف هذه الشراكة أيضًا إلى تسهيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الأجهزة، مع التركيز على قطاعات كالصحة والخدمات العامة والأتمتة الصناعية.
  • شركة Cisco: أعلنت “هيوماين” تعاونًا مع سيسكو (بالشراكة أيضًا مع AMD) لبناء ما وُصف بـبنية تحتية فائقة للذكاء الاصطناعي (AI Superstructure). يهدف هذا المشروع إلى تسريع عمليات تدريب ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي في السعودية، مع خطط لدعم فعاليات عالمية مهمة مثل معرض إكسبو 2030 بالرياض وكأس العالم 2034 عبر بنية رقمية ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذه الخطوة تؤشر إلى طموح “هيوماين” في أن تكون مزودًا رئيسيًا للبنية التحتية التقنية في المناسبات الدولية الضخمة التي ستستضيفها المملكة.

إلى جانب ما سبق، تبحث “هيوماين” أيضًا عن شراكات إستراتيجية خارجية لتعزيز حضورها. فقد كشف طارق أمين عن محادثات جارية مع شركات وادي السيليكون البارزة مثل OpenAI (المطورة لـChatGPT) وشركة xAI المملوكة لإيلون ماسك، وكذلك مع كبرى شركات الاستثمار الجريء مثل Andreessen Horowitz، بهدف إقامة شراكات أو استثمارات متبادلة. كما أبدت الشركة استعدادها لبحث بيع حصة من قطاع مراكز البيانات لمستثمرين إستراتيجيين من الولايات المتحدة، وذلك لضمان نقل الخبرات وتوزيع الانتشار الجغرافي لأصولها.

المزايا التنافسية: تمتلك “هيوماين” عدة عوامل تمنحها أفضلية في المشهد الصناعي للذكاء الاصطناعي:

  • دعم سيادي وموارد مالية ضخمة: كون الشركة مملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، فهي تحظى بملاءة مالية واستثمارية هائلة تمكنها من تنفيذ مشاريع ضخمة بسرعة (مثل استثمار 77 مليار دولار المخطط له في البنية التحتية). هذا الدعم يخفف عنها ضغوط التمويل التي تواجهها عادةً الشركات الناشئة، ويمنحها ثقة السوق.
  • نموذج عمل متكامل وفريد: تسعى “هيوماين” للعب دور في كل مفاصل صناعة الذكاء الاصطناعي من الاستثمار في الشركات الناشئة إلى بناء مراكز البيانات وتصميم الرقائق وحتى تطوير الخوارزميات والنماذج. هذه الإستراتيجية الشمولية غير مسبوقة تقريبًا خارج نطاق عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة والصين الذين استغرقوا عقودًا لبناء قدراتهم. الجمع بين جميع هذه الأدوار في كيان واحد يعطي “هيوماين” قدرة على التنسيق والتكامل الداخلي يصعب منافستها.
  • موقع جغرافي وبنية تحتية داعمة: تستفيد الشركة من الموقع الاستراتيجي للمملكة الذي يتيح لها أن تكون عقدة ربط بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما تستفيد من توفر مصادر الطاقة بأسعار مدعومة محليًا لتشغيل مراكز بياناتها العملاقة بكلفة تنافسية، فضلًا عن توفر مساحات كبيرة من الأراضي (حصلت على 2.3 ميل مربع في المنطقة الشرقية لبناء منشآت حوسبة ضخمة). هذه العوامل تخفض تكاليف التشغيل وتزيد جاذبية المملكة كمركز لاستضافة البنية التحتية الرقمية.
  • الشراكات التقنية والمعرفة المنقولة: بشراكتها مع نخبة شركات التكنولوجيا، تحصل “هيوماين” ليس فقط على أحدث المنتجات، بل أيضًا على المعرفة التقنية والخبرات التشغيلية المتقدمة. فعلى سبيل المثال، تعاونها مع Nvidia وAMD يضمن مواكبتها لأحدث ما تصل إليه هندسة الشرائح، وشراكتها مع كوالكوم تؤسس لقدرات تصميم محلية، وتحالفها مع AWS وسيسكو يمنحها خبرات في تشغيل الخدمات السحابية وشبكات البيانات على المستوى العالمي. هذا المزيج من التقنيات والمعرفة يشكّل حاجز دخول عالٍ لأي منافس جديد.
  • المواءمة مع التوجهات الحكومية والتنظيمية: تعمل “هيوماين” بانسجام مع استراتيجية السعودية في التحول الرقمي ورؤية 2030، وتحظى بدعم تنظيمي واضح. وقد انعكس ذلك في إزالة العقبات أمامها، مثل تخفيف قيود تصدير الرقاقات الأميركية المتقدمة إلى السعودية بجهود دبلوماسية في الفترة الأخيرة. إن هذه البيئة المواتية تقلل المخاطر التنظيمية على أعمال الشركة، وتسرّع وتيرة تنفيذ مشاريعها.

بفضل هذه المزايا، استطاعت “هيوماين” أن تتموضع سريعًا كمنافس قوي وطموح في الصناعة. ورغم أنها ما زالت في بداياتها، فإن تحركاتها السريعة وتحالفاتها الإستراتيجية تشير إلى قدرتها على مقارعة كبرى شركات التقنية في مجالات محددة، خصوصًا فيما يتعلق بالبنية التحتية والنماذج اللغوية الإقليمية.


من أوروبا إلى الخليج: لماذا اختار رائد الذكاء الاصطناعي السعوديّة؟


القيادة والفريق

تتمتع “هيوماين” بهيكل قيادة يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والدراية التقنية العميقة. على قمة الهرم يجلس سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كرئيس لمجلس إدارة الشركة، حيث يضمن ذلك ارتباط أهداف “هيوماين” بالأهداف الوطنية الكبرى ودعمها على أعلى المستويات. هذا الإشراف المباشر من قبل القيادة السعودية يبعث برسالة قوية عن الأهمية التي توليها المملكة لمشروع “هيوماين” ولدورها المتوقع في المستقبل.

أما الإدارة التنفيذية، فيقود الشركة المهندس طارق أمين بصفته الرئيس التنفيذي (CEO). يعد طارق أمين من الكفاءات السعودية والعالمية المتميزة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وقد تم تعيينه في هذا المنصب في مايو 2025. قبل انضمامه إلى “هيوماين”، شغل أمين مناصب قيادية رفيعة، منها الرئيس التنفيذي للتقنية في شركة Rakuten Mobile اليابانية ولاحقًا الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو الرقمية، مما أكسبه خبرة واسعة في بناء وتشغيل البنى التحتية الرقمية على نطاق ضخم. يعرف عن طارق أمين نهجه الابتكاري وسعيه لخلق تحولات جذرية (Disruptive) في المجالات التي يعمل بها، وهو ما يتوافق تمامًا مع طموحات “هيوماين” في إحداث نقلة نوعية بقطاع الذكاء الاصطناعي في المنطقة. تحت قيادته، تمكنت الشركة خلال أيام من إطلاقها من تأمين شراكات رئيسية مع شركات مثل AMD وسيسكو وكوالكوم وNVIDIA وغيرها، مما يعكس قدرته على بناء الجسور وعقد الصفقات الكبرى بثقة وسرعة.

يتألف فريق “هيوماين” من مزيج منتقى بعناية من المواهب المحلية والدولية. فمن جهة، هناك حرص على الاستفادة من الخبرات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي عبر استقطاب كوادر متمرّسة من شركات تقنية رائدة عالميًا. هذا يضمن نقل المعرفة المتقدمة وأفضل الممارسات إلى داخل الشركة. ومن جهة أخرى، تركز “هيوماين” على تطوير الكفاءات السعودية الشابة ودمجها في مشاريعها. فمع النمو المتسارع لقطاع التقنية في المملكة وارتفاع نسبة الشباب المتخصصين في المجالات الحديثة، لدى الشركة قاعدة غنية يمكن الاستناد إليها. وتوفّر “هيوماين” لهؤلاء فرص العمل في مشاريع عالمية المستوى داخل الوطن، مما يساعد في بناء جيل جديد من خبراء الذكاء الاصطناعي السعوديين.

ثقافة الشركة تعزز الإبداع وروح المبادرة. بيئة العمل في “هيوماين” تتسم بالديناميكية والانفتاح، حيث يُشجَّع الموظفون على طرح الأفكار الجديدة والتجريب في الحلول التقنية. كما تركز الثقافة الداخلية على التعلم المستمر نتيجة الطابع سريع التطور لصناعة الذكاء الاصطناعي. ويتم ذلك عبر ورش عمل وتدريبات وشراكات أكاديمية لتحديث معارف الفريق باستمرار. وباعتبار أن الشركة تسعى أن تكون في طليعة الابتكار، فإن ثقافة “التحرك السريع والتجربة” (Move Fast & Innovate) تبدو واضحة في نهج إدارتها للمشاريع، وفق ما ألمح إليه طارق أمين عن اختيارهم منهج الذهاب السريع بدل الانتظار الطويل لتحقيق الأهداف.

إضافةً إلى ذلك، تولي “هيوماين” أهمية لقيم التنوع والشمول في فريقها، حيث تعمل على جذب خبراء من خلفيات وجنسيات مختلفة. فمن خلال فرق عمل متعددة الثقافات والتخصصات، تستفيد الشركة من زوايا نظر متنوعة لحل المشكلات وابتكار منتجات أكثر شمولًا. ويُعد هذا النهج مهمًا خصوصًا في تطوير نموذج لغوي عربي متعدد الوسائط يستلزم فهمًا عميقًا للثقافة واللغة العربية إلى جانب خبرات الذكاء الاصطناعي العالمية.

باختصار، يجمع فريق قيادة “هيوماين” وفريق عملها بين الرؤية الوطنية والدراية التقنية العالمية، ضمن ثقافة تنظيمية حديثة ومحفزة. هذا المزيج هو أحد أهم عوامل تمكين الشركة من تحقيق أهدافها الطموحة في سوق تنافسي يتطلب أفضل العقول والمهارات.

الأداء المالي والنمو

نظرًا لحداثة تأسيس “هيوماين”، لم تُنشر بعد بيانات مالية تفصيلية عن إيراداتها أو أرباحها. ومع ذلك، فإن المؤشرات والاستثمارات المعلنة تعطي صورة واضحة عن حجم الإنفاق والتوسّع المخطط للشركة. تستند “هيوماين” إلى تمويل قوي من صندوق الاستثمارات العامة، وقد تم الإعلان منذ البداية عن نية ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في مشاريعها المختلفة. فيما يلي أبرز ملامح الأداء المالي وخطط النمو كما نُشرت:

  • الاستثمارات الرأسمالية الضخمة: وضعت “هيوماين” خطة استثمارية طويلة الأجل تقدر بحوالي 77 مليار دولار لإنشاء البنية التحتية اللازمة وتحقيق أهدافها بحلول 2030 وما بعدها. يشمل هذا المبلغ تمويل بناء مراكز البيانات العملاقة وشراء المعدات التقنية المتطورة وتطوير المنصات البرمجية. وتعد هذه الميزانية مؤشرًا غير معتاد بالنسبة لشركة في بداياتها، ما يبرز حجم الرهان الموضوع على نجاح “هيوماين”.
  • صندوق الاستثمار الجريء (HUMAIN Ventures): أعلنت الشركة عزمها إطلاق صندوق استثماري بقيمة 10 مليارات دولار تحت اسم “هيوماين فنتشرز” خلال صيف 2025. مهمة هذا الصندوق هي الاستثمار في شركات ناشئة واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي حول العالم (خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا). ويهدف ذلك إلى توسيع نفوذ “هيوماين” عالميًا وتأمين موطئ قدم لها في منظومة الابتكار الدولي، فضلًا عن جلب أحدث التقنيات إلى المملكة عبر هذه الاستثمارات. يمثل هذا الصندوق أحد محاور النمو المهمّة للشركة، حيث سيمكنها من تحقيق عوائد مالية مستقبلية والمشاركة في نجاحات شركات أخرى في المجال.
  • الإنفاق على البنية التحتية والتقنيات: كما ذكر أعلاه، تخطط “هيوماين” لتطوير قدرة مراكز بيانات 1.9 غيغاواط بحلول 2030 والتوسع إلى 6.6 غيغاواط بحلول 2034. هذه الأرقام تعكس مشاريع بناء متعددة المراحل لمنشآت حوسبية هائلة الحجم. فعلى المدى القريب، بدأت الشركة بالفعل في إنشاء مركز بيانات تجريبي بقدرة 50 ميغاواط يضم 18 ألف شريحة إنفيديا، يتوقع تشغيله في عام 2026. ثم سيتم رفع الطاقة تدريجيًا إلى 500 ميغاواط عبر مراحل توسعة لاحقة. وكل مرحلة من هذه المشاريع تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات (على سبيل المثال، صفقة AMD بقيمة 10 مليار دولار لتوفير 500 ميغاواط من القدرة الحاسوبية خلال 5 سنوات). كذلك هناك استثمار 2 مليار دولار مع كوالكوم لبناء مركز تصميم شرائح ورفع القدرات التقنية المحلية. إجمالًا، وقّعت “هيوماين” منذ إطلاقها صفقات تقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 23 مليار دولار مع شركات تقنية أميركية، مما يشير إلى التزامات إنفاق ضخمة في السنوات القليلة القادمة.
  • خطط التوسع الجغرافي: على صعيد النمو الدولي، وضعت “هيوماين” نصب أعينها التوسع خارج حدود المملكة من خلال بناء أو شراء حصص في مراكز بيانات في الخارج. وقد ذكر الرئيس التنفيذي أنهم يبحثون عن شريك في الولايات المتحدة للدخول في ملكية مشتركة لمشروع مراكز البيانات، بهدف تواجد جزء من البنية التحتية للشركة في السوق الأميركي المهم. كما أن استثمارات الصندوق الجريء ستمنح الشركة حضورًا عالميًا غير مباشر عبر الشركات التي تستثمر فيها. هذه الخطوات ستنعكس مستقبلًا في شكل أصول أو شركات تابعة خارجية، ما يعني نموًا في حجم أصول وإيرادات “هيوماين” على نطاق عالمي.
  • عدم التركيز على الربحية الآنية: من الواضح أن “هيوماين” في مرحلتها الحالية تركز على الاستثمار والنمو أكثر من تركيزها على تحقيق أرباح سريعة. فالمشاريع الكبيرة كإنشاء مراكز البيانات وتمويل الأبحاث وتطوير النماذج تعتبر استثمارات طويلة الأجل، قد لا تولد عوائد فورية ولكنها تؤسس لمستقبل مالي قوي. وتنسجم هذه الاستراتيجية مع طبيعة الشركات التقنية الطموحة (حيث كان تركيز شركات كبرى مثل أمازون في بداياتها على التوسع أكثر من الربح المباشر). وفي حالة “هيوماين”، فإن الدعم الحكومي الواسع يمنحها مجالًا للتركيز على النمو دون ضغط عالٍ لتحقيق دخل سريع.
  • المردود الاقتصادي المحلي: بالرغم من غياب أرقام الإيرادات في هذه المرحلة، يمكن قياس أداء “هيوماين” أيضًا بتأثيرها الاقتصادي العام. فمن المتوقع أن تسهم مشاريعها في خلق فرص وظيفية جديدة في قطاع التقنية المتقدمة داخل السعودية، سواء بشكل مباشر في الشركة أو بشكل غير مباشر لدى المقاولين والموردين وشركات الخدمات المساندة. كما ينتظر أن توفر منصاتها فرصًا للشركات السعودية للاستفادة من البنية التحتية المحلية، مما يبقي إنفاق تلك الشركات التقني داخل الاقتصاد الوطني. هذه المساهمات وإن كانت غير مباشرة، إلا أنها جزء من عوائد مشروع “هيوماين” على المدى الأوسع والمتمثل في دعم نمو الاقتصاد الرقمي السعودي.

باختصار، تظهر “هيوماين” ككيان ذو قدرة استثمارية استثنائية في مجال الذكاء الاصطناعي، مع خطط إنفاق طموحة ستجعلها لاعبًا ذا ثقل في البنية التحتية التقنية عالميًا. وسيكون التحدي القادم هو ترجمة هذه الاستثمارات إلى إيرادات مستدامة مع مرور السنوات، عبر تقديم خدمات تجارية للشركات والحكومات، وجني العوائد من الصندوق الاستثماري، وربما من بيع قدرات الحوسبة كخدمة للجهات المختلفة. ومع اقتراب عام 2026 وبدء تشغيل أولى منشآتها، سنشهد تبلور صورة أوضح عن مؤشرات الأداء المالي الفعلية لـ”هيوماين” وقدرتها على تحقيق النمو المربح.

التحديات والرؤية المستقبلية

رغم الزخم الكبير الذي انطلقت به “هيوماين” والموارد الهائلة تحت تصرفها، إلا أنها تواجه مجموعة من التحديات التي يجب معالجتها لضمان تحقيق رؤيتها المستقبلية:

1. حجم المشروع وسقف الطموح: وضعت “هيوماين” لنفسها أهدافًا بالغة الضخامة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. فهي تخطط لمعالجة ما يصل إلى 7% من عمليات تدريب واستنتاج نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية بحلول 2030 – وهي مهمة طموحة جدًا إذا ما قورنت بحصة أكبر شركات التقنية حاليًا. هذه الإستراتيجية “الشاملة” التي تسعى الشركة من خلالها للتواجد في كافة جوانب الصناعة تُعد غير معتادة خارج نطاق عمالقة مثل جوجل ومايكروسوفت الذين استغرقوا عقودًا للوصول إلى هذا الانتشار. لذا يكمن التحدي في قدرة “هيوماين” على التنفيذ السريع بالجودة المطلوبة قبل أن يسبقها منافسون آخرون أو تتغير ظروف السوق. وكما أقرّ طارق أمين نفسه، فإن السباق في هذا المجال هو سباق سرعة، “فالذي يصل أولًا سيحصل على حصة السوق”. عليه، سيكون على الشركة الحفاظ على وتيرة إنجاز عالية جدًا ومتابعة مستمرة للتطورات التقنية لكي تحقق أهدافها في الوقت المحدد.

2. استقطاب وبناء الخبرات البشرية: لتحقيق رؤية “هيوماين”، هناك حاجة إلى جيش من الخبراء والمهندسين في تخصصات نادرة تشمل تعلم الآلة وعلوم البيانات وهندسة الرقاقات وإدارة مراكز البيانات الضخمة. ويشكل النقص العالمي في الكفاءات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي تحديًا لجميع اللاعبين في القطاع. بالنسبة لـ”هيوماين”، عليها أن تثبت قدرتها على جذب أفضل العقول للعمل في مشاريعها داخل المملكة، مع المنافسة الشرسة من شركات وادي السيليكون وغيرها التي تتنافس على نفس المواهب. وقد بدأت الشركة بالفعل بخطوات إيجابية في هذا السياق عبر التعاون مع شركات مثل كوالكوم لإنشاء مركز تصميم شرائح في الرياض وتوظيف مئات المهندسين. لكن على المدى الطويل، ستحتاج “هيوماين” أيضًا إلى الاستثمار في تدريب الجيل الجديد من المهندسين السعوديين، ربما عبر شراكات مع الجامعات وإطلاق برامج زمالة ومنح دراسية في مجال الذكاء الاصطناعي. بناء القدرات البشرية المحلية هو المفتاح لاستدامة أي مشروع تقني طموح، خاصة في ظل تطور التقنية السريع الذي يتطلب التعلم والتأهيل المستمرين.

3. المنافسة العالمية والتغير التقني: تدخل “هيوماين” مجالًا شديد التنافس يشهد تطورات متسارعة. فهناك سباق عالمي بين الدول والشركات على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا (مثل سباق نماذج اللغات العملاقة)، وعلى بناء شرائح حاسوبية أسرع وأكثر كفاءة. ستواجه “هيوماين” منافسة من عدة جهات: شركات تقنية عالمية راسخة، ومشاريع مدعومة من دول أخرى (مثل مبادرات الاتحاد الأوروبي، أو الصين التي تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي). كما قد تظهر شركات ناشئة مبتكرة تغير قواعد اللعبة. لذا على “هيوماين” أن تحافظ على قدرتها التنافسية عبر الابتكار المستمر وليس فقط الإنفاق. هذا يعني تخصيص جزء من مواردها للبحث والتطوير (R&D) بحيث لا تكتفي بتبني التقنيات الحالية، بل تساهم في خلق تقنيات جديدة أيضًا. إضافةً إلى ذلك، التكيف مع التقنيات الجديدة سيكون ضروريًا؛ فلو ظهرت مثلًا معماريات حوسبة أحدث أو خوارزميات جديدة، يجب أن تكون الشركة مرنة بما يكفي لاحتضان التغيير بسرعة وعدم التمسك باستثمارات أصبحت متقادمة.

4. الاعتبارات الجيوسياسية والتنظيمية: يعد الذكاء الاصطناعي حاليًا مجالًا ذا حساسية جيوسياسية، ترتبط به اعتبارات تنظيمية وأمنية دولية. إحدى العقبات التي واجهتها دول المنطقة مؤخرًا كانت القيود الأميركية على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة للاستخدامات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وقد تمكنت السعودية من تخفيف هذه العقبات جزئيًا عبر التفاهم مع الإدارة الأميركية كما ظهر من إلغاء بعض القيود في 2025. لكن سيظل على “هيوماين” الموازنة بين بناء شراكات تقنية مع الغرب وبين عدم تجاوز خطوط حمراء فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا. كذلك قد تظهر تحديات تنظيمية داخلية مع توسع أعمال الشركة، مثل ضمان الامتثال لقوانين حماية البيانات المحلية والدولية، وضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول. وقد أبدت الشركة استباقية في معالجة بعض هذه الجوانب عبر التأكيد على حلول لمراقبة استخدام البيانات وتوافق مراكز البيانات مع الأطر القانونية المتعددة. ومع ذلك، سيتعين على “هيوماين” الاستمرار في مراقبة المشهد التنظيمي العالمي لضمان استمرار حصولها على التقنيات الأحدث دون عوائق.

5. تحقيق الجدوى التجارية على المدى البعيد: رغم توفر التمويل والدعم الحكومي، ستواجه “هيوماين” في المستقبل أسئلة حول الاستدامة المالية ونموذج العمل التجاري الأمثل. مشاريع البنية التحتية الكبرى ستولد تكاليف تشغيلية عالية (من كهرباء وتبريد وصيانة)، وسيكون على الشركة خلق مصادر دخل كافية لتغطيتها وتحقيق أرباح. من بين المسارات المتوقعة للإيرادات: تقديم خدمات الحوسبة السحابية المدفوعة للشركات (على غرار خدمات AWS ولكن بقدرات محسّنة للذكاء الاصطناعي)، وترخيص نماذجها اللغوية وتقنياتها لمطوّرين آخرين، إضافة لعوائد صندوق الاستثمار الجريء مستقبلًا إذا أثمرت استثماراته. نجاح “هيوماين” في بناء قاعدة عملاء واسعة محليًا وإقليميًا سيكون عنصرًا حاسمًا في جدواها التجارية. التحدي إذن هو تطوير عروض تجارية جذابة تتفوق على المنافسين من حيث الجودة والتكلفة، مستغلةً الميزات التنافسية التي لديها مثل السيادة المحلية للبيانات والأسعار المدعومة.

بالنظر إلى هذه التحديات، تبدو الرؤية المستقبلية لـ”هيوماين” طموحة بقدر ما هي مدروسة. فالشركة تهدف بحلول عام 2030 وما بعده إلى أن تصبح محورًا عالميًا في مشهد الذكاء الاصطناعي، بحيث:

  • تكون المملكة العربية السعودية من خلال “هيوماين” مقرًا لجزء مهم من البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي (كما تطمح لنسبة الـ7% من الحوسبة العالمية).
  • يتم تطوير نظام بيئي متكامل للذكاء الاصطناعي محليًا، يشمل شركات ناشئة وحاضنات أعمال ومراكز أبحاث، تُموَّل وتُدعَم عبر “هيوماين فنتشرز” وغيره من المبادرات.
  • يصبح للمملكة اكتفاء ذاتي تقني نسبيًا في بعض جوانب التقنية المتقدمة، مثل امتلاك نموذج لغوي عربي منافس عالميًا، وتصميم أجزاء من الشرائح محليًا بالتعاون مع الشركاء، مما يقلل الاعتماد الكامل على الواردات التقنية.
  • تساهم “هيوماين” في مشاريع وطنية كبرى (مثل مدينة نيوم الذكية أو برامج التحول الرقمي الحكومي) عبر توفير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة مخصصة، وبالتالي يكون لها دور محوري في تحقيق رؤية 2030 على مختلف الأصعدة.
  • وعلى المستوى العالمي، تسعى الشركة لأن تكون جسر تواصل بين الشرق الأوسط وعمالقة التقنية العالميين. فرهانها على الشراكات مع الشركات الأميركية قد يجعلها طرفًا أساسيًا في مشاريع دولية مشتركة بالمنطقة. ولعل استضافتها لمراكز بيانات تخدم المنطقة ككل، أو مشاركتها في مبادرات دولية لوضع سياسات وأطر للذكاء الاصطناعي، ستكون من الصور التي قد نرى بها “هيوماين” في المستقبل.

المرأة السعودية تتصدر عالمياً في الذكاء الاصطناعي


من المتوقع أيضًا أن تستمر “هيوماين” في توسعة تحالفاتها. فبعد إنجاز الشراكات الأولية، قد نسمع عن تعاون مع شركات إضافية (ربما جوجل أو ميكروسوفت مستقبلاً) لتغطية مجالات تقنية مختلفة، أو حتى الدخول في تحالفات مع شركات في الشرق الأقصى لتأمين مصادر متعددة للتكنولوجيا. وقد يكون للشركة أيضًا خطوات في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) بتطبيقاته الأوسع، وربما تطوير منتجات موجهة للمستخدم النهائي في المنطقة (مثل مساعد رقمي باللغة العربية أو منصات تعليمية ذكية).

خلاصة القول، رغم التحديات الكبيرة أمام “هيوماين”، فإن خططها المستقبلية، إذا نُفّذت بنجاح، تعد بإحداث نقلة نوعية في مشهد التكنولوجيا في السعودية والمنطقة. فهي تمثل رؤية شاملة لوضع المملكة في موقع المنتج والمبتكر للتقنية المتقدمة، وليس مجرد المستهلك لها، مع ما يتطلبه ذلك من صبر واستثمار ومثابرة على المدى الطويل.

الخاتمة

في الختام، تمثل شركة “هيوماين” السعودية تجربة فريدة وطموحة في مجال الذكاء الاصطناعي. فهي حصيلة رؤية استراتيجية تجمع بين طموح وطني لجعل المملكة مركزًا عالميًا للتقنية، وبين استثمار ذكي للموارد والشراكات لتحقيق نقل نوعي للمعرفة والبنية التحتية. استعرضنا في هذا التقرير مسيرة “هيوماين” منذ انطلاقتها الحديثة، ورأينا كيف أنها انطلقت بدعم قوي من قيادة البلاد لتحمل على عاتقها تحقيق أهداف كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة. تميزت الشركة ببداية لامعة تضمنت بناء تحالفات دولية بمليارات الدولارات، وجذب كفاءات عالية المستوى، ووضع خطط تنموية غير مسبوقة في المنطقة.

لقد أصبحت “هيوماين” بسرعة مرادفًا للتحول الجريء في النهج الذي تتبعه السعودية لتنمية قدراتها التقنية. فهي لا تكتفي بدور المستهلك للتكنولوجيا، بل تطمح لأن تكون منتجًا ومُصدّرًا لها، عبر تطوير مراكز بيانات عملاقة ونماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها وخدمات سحابية منافسة. ومما لا شك فيه أن نجاح “هيوماين” سيعني قفزة اقتصادية ومعرفية للمملكة: إذ سيساهم في خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز البحث العلمي والتطوير، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط نحو اقتصاد رقمي معرفي. كما أن توفير بنية تحتية محلية للذكاء الاصطناعي سيعود بالنفع على سيادة البيانات الوطنية وأمنها، ويفتح الباب أمام قطاعات حكومية وخاصة لاعتماد التقنيات المتقدمة بثقة أكبر.

مع ذلك، يبقى الطريق أمام “هيوماين” مليئًا بالتحديات. فعليها أن تحقق وعودها ضمن جداول زمنية طموحة، وأن تثبت قدرتها على منافسة عمالقة عالميين لهم باع طويل في هذا المضمار. ستختبر السنوات القليلة القادمة مدى قدرة الشركة على تحويل الخطط إلى إنجازات: بدءًا من تشغيل أول مركز بيانات ضخم، ومرورًا بإطلاق النموذج اللغوي العربي المنتظر، ووصولًا إلى تحقيق عوائد من صندوق الاستثمار الجريء. إن نجاح “هيوماين” أو تعثرها سيقدم دروسًا مهمة للمنطقة بأسرها في كيفية بناء مشاريع تقنية سيادية.

بشكل عام، يمكن التقييم أن آفاق “هيوماين” واعدة في ظل الدعم السياسي والمالي غير المحدود الذي تحظى به، والحماس المحلي لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. إذا استمرت الشركة على مسارها التصاعدي وحافظت على شراكاتها العالمية ونشاطها الابتكاري، فمن المرجح أن نرى السعودية خلال عقد من الزمن قطبًا عالميًا جديدًا للذكاء الاصطناعي بقيادة “هيوماين” وشركات أخرى ستنشأ في فلكها. وحينها، سيكون لهذا المشروع أثر عميق يتجاوز حدود المملكة ليشكل مساهمة عربية بارزة في الثورة التقنية العالمية المقبلة. وختامًا، يبقى شعار المرحلة بالنسبة لهيوماين هو ذاته الذي أعلن عند إطلاقها: جرأة في الطرح، شمولية في التنفيذ، وتأثير عالمي المنال. إنها رحلة بدأت للتو، والعالم يراقب ليرى إلى أي مدى ستصل.

المصادر: تعتمد هذه المقالة على بيانات وتصريحات رسمية من موقع الشركة وصندوق الاستثمارات العامة السعودي، إضافة إلى تقارير إخبارية موثوقة باللغتين العربية والإنجليزية (وكالة الأنباء السعودية “واس”، الشرق للأخبار، Arab News، Reuters وغيرها)، فضلًا عن منصات مهنية مثل تصريحات القيادة على LinkedIn. تم توثيق المعلومات الهامة عبر الاستشهاد بالمراجع لضمان الدقة والمصداقية.

شارك هذا الموضوع:

شارك هذا الموضوع:

اترك رد

اترك رد

المنشورات الأخيرة

اكتشاف المزيد من بازينجا

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading