بازينجا

شرائح نيورالينك الذكية

هل هذا هو إنسان الغد؟

Written by

Picture of فريقنا

فريقنا

Communications Consultant

كيف تمتزج الأسلاك والشرائح الإلكترونية مع الأوعية الدموية والأعصاب لتغيّر مسار التطور البشري وتفتح آفاقًا جديدة أمام قدرات الإنسان.

كيف تمتزج الأسلاك والشرائح الإلكترونية مع الأوعية الدموية والأعصاب لتغيّر مسار التطور البشري وتفتح آفاقًا جديدة أمام قدرات الإنسان عبر تقنيات مثل شرائح نيورالينك الذكية.

محتويات المقالة:

يشهد عالمنا اليوم تحولًا تقنيًا لا رجعة فيه. فمع مرور كل عام، تتسلل التقنيات السيبرانية والذكاء الاصطناعي إلى مختلف جوانب الحياة، حتى باتت تؤثر في أجسادنا نفسها. فالهواتف الذكية أصبحت امتدادًا طبيعيًا لأيدينا، وتلوح في الأفق احتمالات زرع أطراف آلية أو استخدام روبوتات دقيقة «نانوبوت» لدعم جهاز المناعة. لكن ما الذي يدفعنا إلى السماح للتكنولوجيا بالتوغل في فيسيولوجيتنا البشرية؟ إن أحد أهم الدوافع هو إعادة وظيفة مفقودة أو تصحيح نقص خلقي، مثل تعويض الأطراف عن طريق الأطراف الاصطناعية التي تساعد الأفراد على استعادة الحركة والتحكم. وفي طليعة هذه التطورات تأتي شرائح نيورالينك الذكية التي قد تُغيّر مفهومنا عن حدود القدرات البشرية.

الأطراف الاصطناعية الحديثة

منذ أوائل القرن التاسع عشر، ظهرت أجهزة ميكانيكية تحاكي عمل الأطراف المفقودة. أما اليوم، فبعض أكثر الأطراف الاصطناعية تقدمًا في العالم تدمج إشارات الجهاز العصبي، بحيث يتحكم المستخدم في الطرف الاصطناعي بمجرد التفكير في الحركة. وتُعرَف هذه التقنية بالأطراف الاصطناعية العضلية الكهربائية، حيث تعتمد على أقطاب كهربائية داخل المقبس الملامس للجلد في الجزء المتبقي من الطرف. وعندما ينقبض المستخدم في عضلات محددة للقيام بحركة معينة مثل قبض الأصابع أو ثني المرفق أو تدوير المعصم، يميّز الجهاز تلك الإشارة الكهربائية ويستجيب لها، محققًا درجة عالية من الحرية الحركية. هذه التقنيات تمهّد الطريق لدمج شرائح نيورالينك الذكية مع الأطراف للحصول على استجابة أكثر دقة وطبيعية.

تعزيز القدرات البشرية بالأجهزة الخارجية

لم يعد الأمر مقتصرًا على التعويض فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الإمكانات البشرية بما قد يصل إلى قدرات خارقة. فعلى سبيل المثال، هناك هياكل خارجية «إكسوسكيليتون» ترتديها كإطار خارجي للجسم. وتعمل الهياكل النشطة بمحركات مدعومة بتعلم الآلة، مثل «أبوجي ألترا» الذي طورته شركة «جيرمان بيونيك»، على رفع قدرة الإنسان على حمل الأوزان. إذ يوفر «أبوجي ألترا» دعمًا لرفع أوزان تصل إلى 36 كيلوجرامًا، فضلاً عن مساعدة المشي، مما يجعل السير لمسافة 6 أميال يبدو كأنه 5 أميال فقط. وفي المقابل، هناك هياكل خارجية تُسمّى «سلبية» مثل «هيرووير أبيكس 2»، والتي تستخدم نظامًا من الأشرطة المرنة لتخفيف إجهاد الجسم عند الرفع والحركة، ثم تساعد الشخص في العودة إلى وضع الوقوف.

واجهات الدماغ الحاسوبية

تُعَد واجهات الدماغ الحاسوبية مجالًا جديدًا يتقدم بسرعة في ميدان تعزيز القدرات البشرية. إذ تتم قراءة الموجات الدماغية وإرسالها إلى الحاسوب بوساطة أقطاب كهربائية توضع على الرأس أو تُزرع داخل الدماغ. تلتقط هذه الأقطاب الإشارات الكهربائية الناتجة عن مليارات الخلايا العصبية، ويمكن ترجمة كل إشارة إلى فعل محدد. على سبيل المثال، تُعرَف الإشارات الصادرة عند التفكير في تحريك المؤشر على الشاشة، ثم تُنفّذ فعليًا على الحاسوب. وتُستخدم هذه التقنية لمساعدة المصابين بأمراض مضعِفة للحركة أو النطق، لتمكينهم من تصفح الإنترنت أو تحويل أفكارهم إلى نص مكتوب. تُعد شرائح نيورالينك الذكية من أبرز الأمثلة على هذه الواجهات المتقدمة.

أبرز الشركات وابتكاراتها

من أبرز الشركات التي تقود هذا الميدان «بارادروميكس» و«سينكرون». وقد طورت «بارادروميكس» جهازًا يُدعى «كونكسس دايركت داتا إنترفيس دي دي آي» لمساعدة ذوي الإعاقات الحركية على استعادة القدرة على النطق عبر الحاسوب. يعتمد هذا الجهاز على مئات من «الأسلاك فائقة الصغر» التي تخترق القشرة الدماغية لمسافة تزيد قليلًا عن مليمتر واحد لجمع أقوى الإشارات. بعدها تُنقل البيانات لاسلكيًا لتتحول إلى أوامر تتحكم في برامج الكلام على الحاسوب. أما «سينكرون» فقد ابتكرت جهازًا يُعرَف باسم «ستينترويد»، وهو يقوم بالمهمة نفسها تقريبًا، لكنه يعتمد على إدخال دعامة كهربية داخل الأوعية الدموية في الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية.

نيورالينك والذكاء الاصطناعي

أكثر المشاريع إثارة للجدل هي «نيورالينك إن١» لإيلون ماسك، والتي صُممت لترجمة نشاط الدماغ البشري إلى أوامر رقمية. يتم زرع هذه الشريحة بحجم عملة معدنية أسفل الجمجمة، وتلتقط الإشارات العصبية لتنفذ أوامر على الحاسوب دون استخدام اليدين، مثل تصفح الإنترنت أو ممارسة ألعاب الفيديو. ويُقال إن دمج شرائح نيورالينك الذكية بالذكاء الاصطناعي قد يكون خطوة نحو مستقبل بلا حدود، إذ يمكن نظريًا الحصول على الإجابات والمعرفة بمجرد التفكير فيها. وقد ألمح ماسك في القمة العالمية للحكومات في دبي عام 2017 إلى أن الدمج بين الذكاء البيولوجي والذكاء الرقمي سيزداد بمرور الوقت.

تقنية اللمس في الأطراف الاصطناعية

لا تزال معظم واجهات الدماغ الحاسوبية مخصصة للتفاعل مع الشاشات، لكن مؤخرًا حقق الباحثون في جامعة شيكاغو إنجازًا مثيرًا في يناير 2025، حيث نجحوا في جعل المستخدم يشعر بملمس الأشياء التي يلتقطها الطرف الاصطناعي. يتم ذلك عن طريق وضع أقطاب كهربائية على جانبي الرأس؛ جانب للتحكم في حركة الطرف، وآخر للإحساس باللمس. ثم تُستخدم مستشعرات في الذراع الاصطناعية، ترسل نبضات كهربائية إلى الأقطاب المسؤولة عن اللمس، ما يمنح الدماغ شعورًا يشبه الإحساس الفعلي. تُعد هذه التقنية تطوراً مهماً يمكن دمجه مع شرائح نيورالينك الذكية لتحقيق تجربة حسية أكثر اكتمالاً.

الهندسة الوراثية وآفاق المستقبل

قد يصل التطور البشري في المستقبل إلى تعديل التركيبة الوراثية ذاتها. فباستخدام تقنية «كريسبر-كاس9»، يستطيع العلماء «قص» الجينات غير المرغوبة و«لصق» جينات مطلوبة مكانها. تُستخدم هذه التقنية بشكل أساسي في المنتجات الزراعية والدوائية، مثل زيادة إنتاج الألوان في الأناناس أو تمكين الذرة من إفراز مبيداتها الحشرية الخاصة. لكن فكرة تطبيقها على البشر ليست بعيدة المنال. ورغم أن تعديل الأجنة البشرية محظور في معظم دول العالم، إلا أنه لا يخلو من التجارب المثيرة للجدل. قد يُفتح المجال لاحقاً لدمج هذه التقنيات مع شرائح نيورالينك الذكية لخلق قدرات معززة جينياً وتقنياً.

التجربة الصينية

في عام 2018، أثار الباحث الصيني «هي جيانكوي» ضجة عالمية بإعلانه أنه عدّل جينوم توأمتين بإزالة جين يُدعى «سي سي آر 5» المرتبط بزيادة خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، على أمل حمايتهما مستقبلًا. ورغم مخالفة ذلك للقانون الصيني، فقد صرّح عام 2024 لصحيفة «ذي مينيتشي» اليابانية بأن التوأمتين بصحة جيدة ولا تعانيان أي مشكلات في النمو. تثير هذه التجارب تساؤلات أخلاقية مشابهة لتلك المتعلقة بتطوير شرائح نيورالينك الذكية وتأثيرها على مستقبل البشرية.

أول سايبورغ

منذ عام 2004، يحمل الفنان «نيل هاربيسون» هوائيًا في رأسه. وُلد هاربيسون بضعف في تمييز الألوان، لكنه أراد أن يختبر كامل طيف الألوان في العالم. يُثبَّت في نهاية الهوائي مستشعر يستقبل الموجات الضوئية، وتُنقل البيانات إلى رقاقة حاسوبية متصلة بمؤخرة جمجمته. تقوم الرقاقة بتحويل هذه البيانات إلى اهتزازات تنتقل عبر عظام الجمجمة نحو طبلة الأذن، فيسمعها هاربيسون كأصواتٍ مختلفة تُمثل الألوان. وعلى مدى عقدين، تعلّم تمييز الألوان عبر «سماعها»، ليصبح بذلك أحد أوائل من يوصفون بأنهم «سايبورغ». تجربة هاربيسون تمثل بداية مبكرة لما يمكن أن تحققه شرائح نيورالينك الذكية بشكل أكثر تطوراً وتكاملاً مع الجسم البشري.

سواء كنا نتحدث عن أطراف اصطناعية تستجيب مباشرة لأفكارنا، أو شرائح نيورالينك الذكية التي تتصل بالحاسوب، أو حتى تعديل جيناتنا الوراثية، فإن مستقبل التطور البشري مفتوح على احتمالات لا حصر لها. ومع كل ابتكار جديد، نقترب خطوة من عالم تمتزج فيه الحدود بين التقني والبيولوجي، الأمر الذي يثير تساؤلات أخلاقية كبيرة حول ماهيتنا البشرية وحقوقنا في تغيير أنفسنا. ستكون السنوات القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا المزيج من التقنيات سيقودنا إلى عصر ذهبي جديد من التطور البشري، أم أنه سيضعنا أمام تحديات غير مسبوقة.

شارك هذا الموضوع:

شارك هذا الموضوع:

اترك رد

اترك رد

المنشورات الأخيرة

اكتشاف المزيد من بازينجا

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading