في مفارقة صادمة تجسد تدمير صناعة الذكاء الاصطناعي للفنون، كشفت وثائق قضائية أن شركة أنثروبيك قامت بتمزيق ملايين الكتب المادية بعد مسحها ضوئياً لتدريب نموذجها اللغوي كلود، مستغلة ثغرة قانونية مثيرة للجدل.
مقدمة: استعارة تتحول إلى حقيقة بشعة
لطالما استخدمنا عبارة «التهام الكتب» كاستعارة ملونة لوصف نهم القراءة أو عملية تدريب الذكاء الاصطناعي على كميات هائلة من النصوص. لكن اليوم، تحولت هذه الاستعارة إلى واقع مادي ومقلق. ففي كشف يصعب تصديقه، تبين أن شركة أنثروبيك، الناشئة المدعومة من جوجل، لم تكتفِ بانتهاك حقوق الطبع والنشر لملايين الكتب، بل قامت بفعل أبشع: لقد مزقت صفحات هذه الكتب بعد استخلاص محتواها الرقمي، ثم تخلصت من ملايين الصفحات الممزقة. لم يعد القول بأن الذكاء الاصطناعي «التهم» هذه الكتب مجرد لغة مجازية.
تم الكشف عن هذه الممارسة الصادمة في حكم قضائي صدر مؤخراً، والذي، في مفارقة مريرة، شكل انتصاراً كبيراً لشركة أنثروبيك وصناعة التكنولوجيا المتعطشة للبيانات بشكل عام. يسلط هذا الحدث الضوء على الجانب المظلم من سباق الذكاء الاصطناعي، حيث يتم تبرير تدمير الثقافة المادية باسم التقدم التكنولوجي.
خطط أنثروبيك لإطلاق صوتي جديد
ثغرة قانونية: عقيدة البيع الأول
كيف تمكنت أنثروبيك من الإفلات من العقاب على هذا الفعل؟ يعود الفضل في ذلك جزئياً إلى طريقة المسح التدميري للكتب واستغلال مفهوم قانوني يُعرف باسم «عقيدة البيع الأول». يسمح هذا المبدأ القانوني، وهو أساس وجود سوق السلع المستعملة، للمشتري بفعل ما يشاء بمشترياته دون تدخل صاحب حقوق الطبع والنشر. فلا يمكن لناشر الكتاب، على سبيل المثال، أن يمنعك من إعادة بيع كتابك أو يطالب بحصة من الأرباح.
وفقًا للملف القضائي، استعانت أنثروبيك بتوم تورفي، الرئيس السابق للشراكات في مشروع مسح الكتب بجوجل، للحصول على «جميع الكتب في العالم» دون الوقوع في «المشكلات القانونية والتجارية». كانت الخطة عبقرية في خبثها: عن طريق شراء الكتب المادية، تكون أنثروبيك محمية بموجب عقيدة البيع الأول ولا تحتاج إلى الحصول على ترخيص. أما نزع الصفحات فقد سمح بإجراء مسح ضوئي أرخص وأسهل. وبما أن أنثروبيك استخدمت الكتب الممسوحة ضوئياً داخلياً فقط وتخلصت من النسخ الأصلية بعد ذلك، وجد القاضي أن هذه العملية تشبه «الحفاظ على المساحة»، وبالتالي فهي «استخدام تحويلي» ومقبول قانونياً.
نفاق واضح وكسل متعمد
هذا الحل البديل مشكوك فيه وينم عن نفاق صارخ. ففي بداياتها، سلكت الشركة الناشئة طريقاً أكثر انعداماً للضمير، حيث قامت بتنزيل ملايين الكتب المقرصنة لتغذية ذكائها الاصطناعي، وهي ممارسة تواجه بسببها شركة ميتا دعوى قضائية حالياً من قبل مجموعة من المؤلفين. هذا التحول إلى «شراء» الكتب ثم تدميرها يبدو وكأنه محاولة لإضفاء شرعية زائفة على عملية نهب البيانات.
والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الكسل والإهمال الذي تنطوي عليه هذه العملية. كما يشير موقع Ars Technica، فقد ابتكر العديد من أمناء الأرشيف طرقاً مختلفة لمسح الكتب بكميات كبيرة دون الحاجة إلى تدميرها أو تغييرها، بما في ذلك الأرشيف الرقمي (Internet Archive) ومشروع Google Books نفسه، الذي كان محور معركة حقوق نشر كبرى في الماضي. لكن يبدو أن توفير بضعة دولارات والحصول على بيانات التدريب الثمينة بأي ثمن كان هو الأولوية القصوى.
جوع لا يشبع وبيئة ملوثة
تتعرض صناعة الذكاء الاصطناعي لنقص في مصادر البيانات عالية الجودة لتغذية نماذجها. ليس أقل الأسباب هو أنها أمضت كل هذا الوقت وهي، بالمعنى الحرفي والمجازي، «تفسد في المكان الذي تأكل منه». إن تدمير المصادر الأصلية للمعرفة البشرية من أجل إنشاء محاكاة رقمية لها هو قصر نظر مذهل. بالنسبة لشركات التكنولوجيا الكبرى، فإن خداع بعض المؤلفين وإرسال بعض الكتب إلى آلة التمزيق هو ثمن بخس يجب دفعه في سبيل الهيمنة التكنولوجية.
هذا النهج لا يثير فقط قضايا أخلاقية وقانونية، بل يطرح سؤالاً أعمق حول قيمة المصادر المادية في عصر رقمي. الكتب ليست مجرد بيانات؛ إنها قطع أثرية ثقافية، تحمل تاريخاً وقيمة تتجاوز الكلمات المطبوعة على صفحاتها. إن تدميرها بهذه الطريقة لا يمحو فقط الجسد المادي للكتاب، بل يظهر استخفافاً تاماً بهذا الإرث.
خاتمة: ثمن التقدم
تعد قضية أنثروبيك وتدميرها للكتب بمثابة جرس إنذار. إنها تكشف عن استعداد بعض أقطاب التكنولوجيا للذهاب إلى أبعد الحدود في سعيهم للبيانات، حتى لو كان ذلك يعني تدمير المصادر التي يعتمدون عليها. بينما نحتفل بالتقدم المذهل في الذكاء الاصطناعي، يجب أن نتوقف ونسأل: ما هو الثمن الحقيقي؟ إذا كان مستقبل الذكاء الاصطناعي مبنياً على أنقاض ثقافتنا المادية، فقد نكتشف أننا خسرنا أكثر بكثير مما كسبنا.