في ظل التقدم السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتساءل العديد من الشركات عن كيفية تحويل هذه التقنية من مجرد تجارب وأفكار إلى حلول فعالة تُعزز من أداء العمل وتحقق قيمة حقيقية. وعلى الرغم من التوقعات العالية والتفاؤل الذي صاحب الذكاء الاصطناعي التوليدي عند ظهوره، أظهرت بعض التحليلات أن نسبة كبيرة من المشاريع المعتمدة عليه تُهمل بعد مرحلة إثبات المفهوم، حيث توقعت إحدى الدراسات أن يتم التخلي عن ما لا يقل عن 30٪ من المشاريع في هذا المجال بحلول عام 2025. يعزى ذلك إلى ما يُعرف بـ”قاع خيبة الأمل” في دورة حياة التكنولوجيا، وهي مرحلة يشعر فيها الناس بأن الإمكانيات كانت مبالغ فيها مقارنة بالنتائج.
ومع ذلك، فإن بعض الشركات استطاعت تجاوز هذه التحديات وأثبتت أن هناك طرقًا لتحويل هذه التكنولوجيا الناشئة إلى قيمة عملية في الأعمال. من خلال فهم جيد للتحديات التي يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي معالجتها، واستخدام البنية التحتية التقنية المناسبة، والتركيز على الحالات العملية التي تحقق دخلًا، يمكن تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع ناجحة ومربحة. فيما يلي أربع خطوات رئيسية لتحقيق ذلك.
1. تحديد التحدي المناسب
الخطوة الأولى لتحقيق قيمة حقيقية من تجارب الذكاء الاصطناعي التوليدي هي تحديد المشكلة المناسبة التي تتطلب الحل. غالبًا ما تكون المشاريع الناجحة في هذا المجال هي تلك التي تبدأ بفهم دقيق لحاجة العميل أو تحدٍ شائع يمكن للتقنية حله بطريقة مبتكرة. على سبيل المثال، يمكن لشركات السفر أن تحدد أن تخطيط الرحلات يمثل تحديًا كبيرًا للعديد من المسافرين. باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن تطوير أدوات تساعد المستخدمين على تخطيط رحلاتهم بسهولة وتخصيص التجربة لتلائم احتياجاتهم الخاصة.
يمكن استغلال مخزون الشركة من بيانات العملاء والمعلومات المتاحة لتطوير تجارب مخصصة وفريدة. يتم تحليل البيانات باستخدام نماذج لغوية كبيرة (LLMs) وأدوات توصية متقدمة، بحيث يتمكن المستخدمون من الحصول على توصيات مخصصة لوجهات سياحية وأماكن إقامة ونشاطات تناسب تفضيلاتهم الشخصية. من خلال التركيز على توفير تجربة مرضية ومخصصة للمستخدمين، يمكن للشركات جذب عدد كبير من العملاء وزيادة معدلات الاستخدام والمشاركة.
2. استخدام التكنولوجيا المناسبة
لا يمكن تحقيق النجاح في مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي دون الاستثمار في البنية التحتية التقنية المناسبة. يتطلب تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي جمع البيانات وتحليلها بكفاءة، وهو ما يتطلب استخدام تقنيات مثل الحوسبة السحابية التي تتيح جمع البيانات في مكان واحد وتحليلها بشكل مركزي. على سبيل المثال، يمكن استخدام منصات سحابية مخصصة لتحليل البيانات في الوقت الفعلي، مما يسمح للشركة بالتحكم الكامل في بياناتها واستخدامها بطريقة فعالة.
بجانب ذلك، يمكن الجمع بين النماذج التجارية المتاحة مثل نماذج GPT من الذكاء الاصطناعي مع أدوات التوصية التي طورتها الشركة داخليًا، للحصول على تجربة توصية مخصصة وفعالة. هذا المزج بين النماذج الجاهزة والأنظمة الداخلية يمكن أن يسهم في تقديم توصيات سياقية تتماشى مع احتياجات كل مستخدم بشكل خاص. بهذه الطريقة، يمكن تحويل بيانات المستخدمين إلى رؤى قابلة للتطبيق تساعد في تحسين تجربة العملاء بشكل ملحوظ.
3. تحويل الحالات العملية إلى مصادر دخل
الهدف النهائي من أي مشروع تقني هو تحقيق عائد مالي ملموس. عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتقديم حلول عملية، فإن تحسين تجربة العملاء يؤدي إلى تحقيق أرباح إضافية. على سبيل المثال، عندما يحصل العملاء على توصيات مخصصة تتماشى مع اهتماماتهم، فإن معدلات التفاعل تزداد، مما يزيد من فترة بقاء العملاء على الموقع ويفتح الفرصة لتحقيق المزيد من الإيرادات.
لتوضيح ذلك، يمكن تقديم مثال لأسرة نباتية مكونة من أربعة أفراد يبحثون عن توصيات للرحلات. باستخدام أداة تخطيط الذكاء الاصطناعي، ستحصل العائلة على توصيات مخصصة للأنشطة والمطاعم التي تتناسب مع احتياجاتها الغذائية وأعمار الأطفال. هذا المستوى من التخصيص يزيد من ارتباط المستخدمين بالخدمة، ويزيد من فرص عودتهم لاستخدامها مرة أخرى، مما يترجم في النهاية إلى عائد مادي للشركة.
التكنولوجيا التوليدية تُتيح تحقيق مستويات أعلى من التفاعل من خلال تقديم توصيات أكثر دقة وتخصيصًا. أظهرت بعض الدراسات أن التوصيات المخصصة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحقق تفاعلًا يصل إلى ثلاثة أضعاف التفاعل العادي، وهو ما يساعد الشركات في تحقيق أرباح أكبر من خلال جذب المستخدمين والاحتفاظ بهم.
4. التخطيط للابتكار على المدى الطويل
الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يجب أن يتوقف عند تقديم الحلول الحالية، بل يجب أن يكون هناك خطة طويلة الأمد لاستكشاف تطبيقات جديدة وتحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا. على سبيل المثال، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتلخيص المراجعات الطويلة التي يتركها العملاء على مواقع السفر، بحيث يحصل المستخدمون على ملخصات سريعة توضح أفضل النقاط في كل موقع وما يجب الانتباه إليه.
إلى جانب ذلك، يمكن استخدام الصور المتاحة على المنصة لتقديم توصيات بصرية تتماشى مع تفضيلات المستخدم. فعلى سبيل المثال، يمكن توجيه المستخدمين النباتيين إلى صور للمطاعم التي تقدم وجبات تتماشى مع احتياجاتهم، مما يجعل التوصيات أكثر تخصيصًا وملاءمة.
يعد الاستثمار في تقنيات مثل هذه خطوة مهمة نحو تحسين التفاعل وتجربة المستخدم، وتعتبر استراتيجيات مثل توصيات الصور خطوة جديدة في استغلال الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحقيق تفاعل أعمق وأفضل مع المستخدمين. هذا التوجه المستقبلي يضمن للشركات التفوق في السوق من خلال تقديم تجارب مبتكرة تتماشى مع احتياجات العملاء.
في الختام، يمكن تحويل تجارب الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى قيمة عملية من خلال اتباع خطوات واضحة تبدأ من تحديد التحديات المناسبة، واستخدام التكنولوجيا والبنية التحتية المناسبة، وصولاً إلى تطبيق الاستخدامات في مجالات تحقق دخلًا فعليًا، وتطوير خطط طويلة الأمد للابتكار. هذه الاستراتيجيات تضمن للشركات تحقيق أقصى استفادة من هذه التكنولوجيا الواعدة وتحويلها إلى أداة فعالة تعزز من قيمة الأعمال وتقدم تجربة أفضل للعملاء.