انضمام باحثين بارزين من مواهب الذكاء الاصطناعي في ديب مايند إلى مايكروسوفت يفتح بابًا جديدًا في سباق الذكاء الاصطناعي، فكيف سيؤثر ذلك على مستقبل الوكلاء التفاعليين؟
تشهد شركات التقنية الكبرى تنافسًا محمومًا على استقطاب أبرز المواهب والخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق لبناء أنظمة قادرة على توفير تطبيقات عملية وجديدة في عدة مجالات، بدءًا من الصوتيات والبودكاست ووصولًا إلى الاستخدامات المكتبية والتجارية. في الآونة الأخيرة، أعلنت شركة مايكروسوفت عن استقطاب مجموعة من الباحثين الذين كانوا يعملون في مختبر ديب مايند، التابع لشركة غوغل، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدراتها في تطوير ما يُعرف باسم «الوكيل الذكي» أو «العميل التفاعلي»، الذي بإمكانه تنفيذ مهام متنوعة تتراوح بين حجز تذاكر الطيران إلى إدارة الجداول الزمنية. تأتي هذه الخطوة ضمن سياق متسارع يشمل عمالقة التكنولوجيا، مثل غوغل وآبل وآخرين، في محاولة للهيمنة على مستقبل الذكاء الاصطناعي وتوظيفه بطرق مبتكرة ومربحة.
اقرأ أيضًا: مايكروسوفت وميتا: رهانات مليارية لمواجهة صعود ديب سيك
استقطاب المواهب من ديب مايند
أشارت تقارير موثوقة إلى أن مصطفى سليمان، وهو أحد مؤسسي ديب مايند عام 2010، ويشغل حاليًا منصب رئيس الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، قد نجح في إقناع عدد من زملائه السابقين بالانضمام إلى فريق جديد في زيورخ. من بين هؤلاء الباحثين ماركو تاغلياساكي وزالان بورسوس، اللذان كانا ضمن الفريق المسؤول عن تطوير خاصية «أوديو أوفر فيوز» في مختبر غوغل للذكاء الاصطناعي. تتيح هذه الخاصية تحويل النصوص إلى مقاطع صوتية تأخذ طابعًا يشبه البودكاست، مما يجعل المحتوى أكثر جاذبية وسلاسة بالنسبة للمستمع. كما عمل الاثنان على مشروع «أسترا» المرتقب، وهو وكيل ذكي قادر على التعامل مع الاستفسارات في الوقت الفعلي عبر الفيديو والصوت والنصوص.
إلى جانب ذلك، انضم ماتياس مينديرر، وهو باحث متخصص في إضافة قدرات الرؤية الحاسوبية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي، ليصبح ضمن الفريق الجديد. تهدف هذه الخطوة إلى توسيع آفاق مايكروسوفت في مجالات تحليل الصور ومعالجة المحتوى البصري، وهي ميزة حيوية لابتكار تطبيقات أكثر شمولًا وتعددًا.
دور مصطفى سليمان في مايكروسوفت
مصطفى سليمان ترك غوغل في عام 2022، ثم شارك في تأسيس شركة ناشئة للذكاء الاصطناعي باسم «إنفلكشن»، قبل أن ينضم رسميًا إلى مايكروسوفت في شهر آذار من عام 2024. واصطحب معه عددًا من أعضاء فريقه السابق من أجل دعم مهمة تطوير الجيل القادم من «كوبايلوت» الخاص بشركة مايكروسوفت. وتسعى مايكروسوفت من خلال هذا الجهد إلى إنشاء وكلاء ذكيين يمكنهم التعامل مع المهام المختلفة بكفاءة عالية، مثل ترتيب المواعيد في التقويم اليومي للمستخدم، وتنسيق خطط السفر، وتسهيل عمليات التواصل البشري الرقمي. وقد وصف سليمان عمل الفريق الجديد في زيورخ بأنه ركيزة أساسية لمستقبل مايكروسوفت في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مكاتب أخرى تابعة للشركة في لندن ومدن عالمية أخرى.
اقرأ أيضًا: من مايكروسوفت إلى إنفيديا: وكلاء الذكاء الاصطناعي قادمون في 2025
احتدام المنافسة بين الشركات
تشكل هذه التحركات جزءًا من منافسة شرسة بين عمالقة التقنية، مثل غوغل وآبل وأمازون، حيث تسعى كل منها لاستقطاب أفضل مواهب الذكاء الاصطناعي. سبق أن شهدنا ترك عدد من أهم الباحثين لشركة غوغل للانضمام إلى مايكروسوفت، أو للعمل في شركات ناشئة تتطلع بدورها إلى إثبات حضورها. من جهة أخرى، تسعى غوغل إلى تعزيز وجودها عبر مشاريع مثل «أسترا»، وهو وكيل يعمل بالصوت من المقرر إطلاقه في عام 2025، بينما تعمل أمازون على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي يمكن دمجها في المساعد الصوتي «أليكسا»، سعيًا منها لجعله أكثر ذكاءً وتفاعلًا.
دور الصوت والتفاعل البشري
يبدو أن الصوت يبرز كإحدى أهم واجهات الذكاء الاصطناعي الجديدة، إذ يتيح للمستخدمين التفاعل مع التقنية بطريقة سلسة وطبيعية تشبه المحادثات اليومية. وتشير تصريحات الباحثين الجدد المنضمين إلى مايكروسوفت إلى أن التركيز على الصوت سيؤدي إلى أبعاد أكثر تفاعلًا مع المستخدمين، وتحسين تجاربهم في التعليم، وخدمات العملاء، وحتى الترفيه. يأتي ذلك جنبًا إلى جنب مع التطورات في مجال الرؤية الحاسوبية، والمعالجة النصية، ما يمكّن الشركات من بناء نماذج «متعددة الوسائط» قادرة على فهم الصور والفيديو والصوت والنص معًا في إطار واحد.
استشراف المستقبل
يتفق خبراء الذكاء الاصطناعي على أن المرحلة المقبلة ستشهد ظهور «وكلاء ذكيين» قادرين على قراءة سياق المستخدم وفهم نواياه وتنفيذها بطريقة مستقلة أو شبه مستقلة. ويُتوقع أن تلعب مايكروسوفت وغوغل وآبل وغيرها دورًا رائدًا في تحقيق هذه القفزة، حيث ترصد ميزانيات ضخمة وتوظف نخبة من العلماء والمطورين. ومع ازدياد تنافسية السوق، يصعب التنبؤ بمن سيتصدر المشهد، لكن المؤكد أن السباق سيستمر في جذب المواهب وتطوير تقنيات جديدة ذات قدرات فائقة.
تسلط هذه النقلة الوظيفية الضوء على مدى أهمية العنصر البشري في دفع عجلة الابتكار، خصوصًا في مجال سريع التغير كالذكاء الاصطناعي. إن استقطاب مايكروسوفت لمواهب الذكاء الاصطناعي من ديب مايند ليس مجرد تفصيل وظيفي عابر، بل يعكس تحوّلًا استراتيجيًا تسعى من خلاله الشركات العملاقة إلى ترسيخ مكانتها في عالم تشكّل فيه القدرات الذكية جوهر المنافسة والنجاح. وبينما يسعى مصطفى سليمان وفريقه إلى توسيع حدود الممكن في تكنولوجيا الوكلاء الذكية، يستمر السباق على المستوى العالمي لحصد ثمار هذه الثورة الرقمية، التي يعدها كثيرون بأنها ستكون محور مستقبل الحوسبة في العقود القادمة.