كيف نجحت سيدة صينية في اقتناص فرص الذكاء الاصطناعي لتصبح إحدى أغنى نساء آسيا؟
أظهرت التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي قدرته على تغيير المعادلات الاقتصادية سريعًا، حيث عزّزت مكانة شركات التكنولوجيا العاملة في هذا القطاع ورفعت من ثروات مؤسسيها. ومن بين أبرز الأسماء التي ظهرت في الفترة الأخيرة رائدة الأعمال «تشو تشاونان»، التي نجحت في الانضمام إلى قائمة أغنى 500 شخصية في العالم، وباتت ثالث امرأة صينية فقط تحقّق هذا الإنجاز. ترأس تشو شركة «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ تكنولوجي غروب»، التي تُعد شريكًا أساسيًا لشركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» الشهير، حيث توفّر لها البنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.
شراكة مع «بايت دانس» وترسيخ المكانة المالية
تُقدّم «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ» خدمات مراكز البيانات وتقنيات الحوسبة السحابية لشركات تقنية عملاقة، أبرزها «بايت دانس» و«هواوي» و«ميتوان» و«جيه دي دوت كوم». في عام 2024، ارتفعت أسهم الشركة بنسبة 105٪ نتيجة للطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي، ما ساهم في زيادة ثروة تشو إلى نحو 7.7 مليار دولار أمريكي.
يتزامن هذا الصعود السريع مع إعادة تموضع قطاع التكنولوجيا الصيني بعد سنوات من التباطؤ الناتج عن الأزمات الاقتصادية المحلية وتدابير «الرخاء المشترك» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ. عادت الثروات الخاصة للنمو مجددًا في ظل تركيز أكبر على تقنيات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات العملاقة.
اقرأ أيضًا: «دوباو» من «بايت دانس» يتصدر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بـ51 مليون مستخدم نشط
تحفيز حكومي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي
تستفيد «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ» من توجه الحكومة الصينية إلى دعم مشروعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقوة، سعياً لأن تصبح الصين رائدة عالميًا في هذا المجال ومنافسة للولايات المتحدة. ففي ديسمبر 2024، شهدت أسهم شركات الحوسبة الصينية ارتفاعًا ملحوظًا بعد إعلان رئيس الوزراء «لي تشيانغ» عن الحاجة الماسّة للابتكار وتطوير مراكز البيانات الضخمة التي تدعم أنظمة الذكاء الاصطناعي.
رغم ذلك، تحوم بعض الشكوك حول إمكانية استمرارية هذا الازدهار في ظل احتمال فرض قيود أمريكية إضافية على تصدير الرقائق المتقدمة، والتي تُعد حيوية لتشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي. إذ تحدث بعض المحللين عن احتمال أن تُبادر الإدارة الأمريكية المقبلة برئاسة الرئيس المنتخب «دونالد ترامب» إلى تشديد القيود على شركات التكنولوجيا الصينية، ما قد يؤثّر سلبًا على توفّر الشرائح الداعمة للحوسبة المتقدّمة.
مسار «تشو تشاونان» المهني
وُلدت «تشو تشاونان» قبل 64 عامًا، واكتسب اسمها معنى يوحي بتجاوز التحديات والنجاح. كانت تشو من أوائل خريجي الجامعات عقب الثورة الثقافية، وعُيّنت في وظيفة تدريسية قبل أن تنتقل إلى العمل الحكومي في مقاطعة هونان. لاحقًا، استقالت من القطاع العام لتأسيس شركة اتصالات متخصصة في شبكات الهاتف المحمول، بالتعاون مع واحدة من كبريات شركات الاتصالات الصينية.
قرّرت تشو تحويل مسارها نحو مراكز البيانات مع تأسيس «رينج تكنولوجي ديفيلوبمنت» في عام 2009، مستفيدةً من الاهتمام المتزايد بهذا القطاع ضمن الخطة الخمسية الرابعة عشرة للصين. وعندما طُرحت الشركة للاكتتاب عام 2022، عمدت تشو إلى دمجها في كيان أكبر هو «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ تكنولوجي غروب»، لتعزيز مكانتها وقدرتها على المنافسة في سوق البيانات الضخمة.
آفاق النمو
تُشير تقديرات بحثية إلى أنّ الطلب العالمي على مراكز البيانات يمكن أن يتضاعف أكثر من ثلاث مرات بحلول عام 2030، مدفوعًا بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفيما يتزايد التنافس بين عمالقة التكنولوجيا على تقليص التكاليف، تلوح فرص أوسع أمام شركات متخصصة مثل «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ» لتوفير خدمات مراكز البيانات بشكل أكثر فعالية من حيث التكلفة.
من جانب آخر، تجد «بايت دانس» نفسها تحت ضغط حظر محتمل من الولايات المتحدة على تطبيق «تيك توك» ما لم تقم ببيعه أو فصله عن الشركة الأم بحلول 19 يناير القادم. ورغم أنّ الخبراء لا يتوقعون أثرًا مباشرًا لذلك على أعمال «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ»، فإنّ القيود الأمريكية المشدّدة على الواردات التكنولوجية قد تنعكس على الشركات الصينية المزوّدة للبنية التحتية.
تجسّد قصة «تشو تشاونان» واستثمارات «رينج إنتيليجنت كومبيوتينغ تكنولوجي» مدى التأثير العميق الذي يمكن أن تتركه تقنيات الذكاء الاصطناعي في صياغة الثروات وإعادة تشكيل اقتصادات الدول. وعلى الرغم من التحديات المحتملة الناجمة عن السياسات العالمية وضغوط التنافس التقني، يبقى هذا القطاع واحدًا من أهم محركات النمو في العقد القادم. يظل السؤال كيف ستتمكن الشركات الصينية من الموازنة بين توسيع قدراتها التقنية واستمرار الحصول على الشرائح والمكوّنات الدقيقة من الأسواق العالمية، لكن المؤشرات تشير إلى استمرار الازدهار في ميدان مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.