بين قلق التضخيم الأمريكي ومخاوف الصعود الآسيوي، يُجنَّد الذكاء الاصطناعي في معركة قد تعيد رسم خريطة القوة عالميًّا. لطالما جرى توظيف التكنولوجيا في الحروب، ولكن الذكاء الاصطناعي الفائق أو ما يُسمّى بـ”الذكاء الخارق” سيكون كيانًا مختلفًا تمامًا.
يشير بعض المراقبين إلى أننا نسير نحو عالم تُبنى فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي لخدمة أهداف قومية محدّدة، تتحوّل فيها التقنيات المتطوّرة إلى «بيادق» – أو ربما «محرّكات شطرنج» – في صراع الأهداف المتنافسة بين الدول. قد نتساءل إن كان علينا الرفض والغضب حيال هذا الاتجاه، أم أنه واقع لا مفر منه؟
يلفت الخبراء إلى أن قليلين سيهتمون بقضايا الحوكمة وسياسات الذكاء الاصطناعي ما لم يكن هناك خطر حقيقي وداهم؛ هكذا هي طبيعة العقل البشري. لكن قبل الخوض في الحديث حول الأخلاقيات والاستراتيجيات، يجب أن نسأل: إلى أي مدى نحن قريبون من ظهور ذكاء اصطناعي يستحق اسم «الذكاء» بالمعنى البشري؟
يعتقد رؤساء المختبرات المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي حاليًّا أن نموذجًا أذكى من أي حاصل على جائزة نوبل في مجالات عديدة كالأحياء والبرمجة والرياضيات والهندسة قد يصبح متاحًا بين عامي 2026 و2027 – أي في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام، وفقًا لتصريحات داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك». وتشير استطلاعات أجرتها مؤخرًا جهات بحثية مع ألفي باحث في الذكاء الاصطناعي، إلى احتمال بنسبة 10% لظهور «ذكاء اصطناعي بمستوى الذكاء البشري» بحلول عام 2027، ما يمثّل قفزة كبيرة في التوقعات مقارنة بالسنوات الماضية.
اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي والدكتاتوريات: فرصة أم تهديد؟
بعيدًا عن النقاش حول المواعيد، يؤكد متخصصون أننا نقترب من أتمتة الذكاء الإنساني – من صور العبقرية في شريحة إلكترونية، إلى أنظمة قد تتفوّق على الأفراد بل حتى على المجموعات من ناحية التحليل واتخاذ القرارات. أما الخطوة التالية، والتي يُشار إليها أحيانًا بـ«الذكاء الخارق»، فربما تنطلق خلال العقد المقبل، حيث ترى قيادات في شركات بارزة أن إنشاء ذكاء اصطناعي يتفوّق على مجمل القدرات البشرية قد يتحقق في مدى زمني لا يتجاوز 15 عامًا.
إذا صحّت هذه التقديرات، فهل يمكن أن يبقى الذكاء الاصطناعي «عابرًا للحدود» من دون أن تدخل الدول في سباق للسيطرة عليه؟ في البداية، بدت شركات مثل «ميتا» منفتحة على إتاحة نماذجها للجميع، بما فيها نماذج المحادثة الآلية المفتوحة المصدر، ولكن تتغير السياسات تدريجيًّا مع ازدياد المخاوف حول توظيف الذكاء الاصطناعي في تعزيز هيمنة دول أو أنظمة معيّنة.
صرّح رئيس «أنثروبيك» داريو أمودي حديثًا بأن مستقبل العالم الديمقراطي يعتمد على امتلاك «يدٍ عليا» في مجال الذكاء الاصطناعي، لأن احتمالية صعود «ذكاء اصطناعي استبدادي» تبدو كابوسًا لا يمكن تخيّله. وبالمثل، تحدّث سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن أيه آي»، عن ضرورة الحفاظ على ريادة الولايات المتحدة في هذا المجال، خشية أن تتفوّق دول أخرى ذات أنظمة أكثر تشدّدًا. وقد دفع ذلك بعض عمالقة التقنية – مثل مايكروسوفت وأمازون – إلى التعاون مع وكالات الدفاع والاستخبارات الأمريكية في تطوير تطبيقات مُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي.
وفي مذكرة حديثة صادرة عن البيت الأبيض، جاءت العبارة بوضوح: «تسخير الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف الأمن القومي»، مترافقة مع ذكر الصين ومنافسين آخرين قد يكرّسون ميزانيات هائلة للحاق بركب الذكاء الاصطناعي المتقدم والتفوق فيه.
اقرأ أيضًا: الجيوش تتسابق لاستبدال الجنود البشريين بروبوتات الذكاء الاصطناعي.. خبراء يحذرون من الكارثة
من جهة أخرى، نجد أمثلة فعلية بالفعل على توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب، مثل استخدام روسيا وأوكرانيا طائرات بدون طيار شبه ذاتية القيادة، واستعانة جهات عسكرية بأنظمة تصويب بالذكاء الاصطناعي ذات تدخل بشري محدود. صحيحٌ أن التوظيف العسكري للتكنولوجيا ليس أمرًا جديدًا، لكن قد يُمثّل الذكاء الخارق إذا تحقق ثورة تهدد بتغيير قواعد اللعبة العسكرية وتوازن القوى تمامًا.
هل يُعدّ الحلم بمجتمع عالمي يعمل فيه الجميع بشكل مشترك على ضبط الذكاء الاصطناعي – أشبه بمشروع «سيرن» للفيزياء النووية – مجرد أوهام؟ قد يراه البعض ممكنًا أو على الأقل يستحق المحاولة من أجل صالح الأجيال القادمة. لكن بوادر «التوطين» أو «القومنة» المستمرة للذكاء الاصطناعي تُوحي بأننا نتجه نحو حقبة يشهد فيها العالم تشكّل تحالفات اقتصادية وعسكرية حول الخبرة التقنية الخوارزمية.
حتى لو رفضنا قبول هذه النتيجة، فإن معالم السباق الدولي على الذكاء الاصطناعي تبدو جليّة: إجراءات وتشريعات تستهدف حماية النماذج المحلية، ضخ استثمارات حكومية ضخمة في الأبحاث، وعقد شراكات بين مختبرات التكنولوجيا ووكالات الأمن والدفاع.
في ظل هذا المشهد، يبقى سؤال الأخلاق والتنسيق الدولي بين القوى الكبرى مطروحًا بقوة. فهل سنشهد إذكاءً لحرب باردة جديدة، لكن هذه المرة في ساحة رقمية؟ أم سيكون هناك وعيٌ جمعيّ كافٍ لبلورة تشريعات تحكم هذه التقنيات قبل أن تسبق قدرتنا على السيطرة عليها؟