قد تبدو فكرة مستقبلية بعيدة، لكنّها أصبحت واقعاً بحثياً ينمو بسرعة. ظهر هذا الموضوع عندما أثبت عدد من الباحثين أنّه يمكن تدريب الروبوتات على تقليد الأطبّاء البشريّين وإجراء العمليات عبر تقنيّات الذكاء الاصطناعي. فلا تخبروا تلك الروبوتات عن أي محتوى غير لائق، إذ إنّ التطوّر في هذا المجال يتركنا أمام تساؤلات لا تنتهي.
الروبوتات والذكاء الاصطناعي في المجال الطبي
أظهرت التطوّرات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي كيف أنّه بدأ يتوغّل في عالم الطب، سواء عبر تلخيص الزيارات الطبيّة آلياً أو تحليل بيانات المريض. والآن، تشير دراسات جديدة إلى إمكانية تسخير التقنيات ذاتها التي يعتمد عليها «شات جي بي تي» لتعليم الروبوتات إجراء مهام جراحية بمهارة عالية. من خلال هذه الخطوة، تأمل الأوساط البحثية في توفير حلول قد تُعزّز دقّة العمليّات وتقلّل من الأخطاء البشريّة المحتملة.
تقنيّة التدريب بالاعتماد على الفيديو
طوّر باحثون من جامعتي جونز هوبكنز وستانفورد نموذجاً تدريبياً يستند إلى تسجيلات مصوّرة لأذرع روبوتية متحكّم بها بشرياً خلال تنفيذ مهمّات جراحية. ويعتقد هؤلاء الباحثون أنّ تعلّم الروبوتات من الفيديوهات يقلّل الحاجة إلى برمجة كل حركة على حدة. ووفقاً لتقارير نشرتها «واشنطن بوست»، فإنّ الاعتماد على التعلم بالمحاكاة قد يفتح الباب أمام تطبيقات أوسع للذكاء الاصطناعي في غرف العمليات.
مهام دقيقة وتصحيح ذاتي
أظهرت التجارب أنّ الروبوتات تعلّمت إمساك الإبر وربط الغرز وإغلاق الجروح بمفردها، بل وتمكّنت من معالجة أخطائها، مثل التقاط الإبرة إن سقطت أثناء العمل. المثير للاهتمام أنّ العلماء بدؤوا الخطوة المقبلة عبر محاولة دمج مهارات متعدّدة في عمليات كاملة تُجرى على جثث حيوانات. وفي هذا السياق، يرى كثيرون أنّ هذه المرحلة قد تشكّل نقلة نوعية في كيفية تعامل الطب مع «روبوتات طب ذكية» مبرمجة لتطوير نفسها.
روبوتات في غرف العمليات منذ سنوات
لا شكّ أنّه تم استخدام الروبوتات في غرف العمليات منذ مدّة ليست بالقصيرة؛ ففي عام 2018 برزت مقاطع جراحة «العنب» الشهيرة التي أظهرت كيف يمكن للأذرع الجراحية أن تُجري أعمالاً غاية في الدقّة. وفي عام 2020، أُجريت نحو 876,000 عملية بمساعدة الروبوت، حيث إنّ الأدوات الروبوتية تستطيع الوصول إلى أماكن ضيّقة لا تدخلها يد الجرّاح بسهولة، كما أنّها لا تعاني من الارتجاف أو التعب. ومع ذلك، تبقى السيطرة دائماً في يد الجرّاح البشريّ.
تشكيك في قدرات الروبوتات ذاتية التصرّف
يشير المشكّكون إلى أنّ خوارزميات الذكاء الاصطناعي مثل «شات جي بي تي» لا تفهم حقيقة ما تتعامل معه، بل تقلّد الأنماط التي تمّ تدريبها عليها. وهذا يعيدنا إلى مشكلة «روبوتات طب ذكية»: ماذا لو واجه الروبوت حالة مرضية لم يسبق أن تعلّمها؟ ففي الجراحة، يحدث أي طارئ في ثوانٍ، فهل تستطيع الآلة اتخاذ القرار السليم بلا توجيه؟ إنّ هذه التساؤلات تثير مخاوف حقيقيّة بشأن الاعتماد الكامل على الآلة.
الحاجة إلى موافقة الجهات الرسمية
على أقلّ تقدير، تحتاج الروبوتات ذاتية القيادة في غرف العمليات إلى موافقة رسمية من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. أمّا في الحالات الأخرى التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي لكتابة الملخّصات الطبيّة أو التوصيات، فإنّ موافقة الإدارة ليست مطلوبة دائماً، لأنّ الطبيب يفترض أن يُراجع هذه التوصيات. لكن ما يقلق بعض الخبراء هو احتمال أن يعتمد الأطبّاء المنهكون على هذه التوصيات دون تدقيق، ما قد يفتح باباً للأخطاء أو «الهلوسات» المعلوماتيّة التي قد تؤثّر في جودة الرعاية.
خطورة الاعتماد على التكنولوجيا دون تدقيق
نشرت «واشنطن بوست» تقارير عن استخدام جنود في إسرائيل لأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، لكنهم لم يتحقّقوا جيّداً من دقّة المعطيات. ففي حالات معيّنة كان كفيلاً أن يكون الهدف «رجلاً»، ليعدّوه ضمن خانة الاستهداف. إذا أسقطنا هذا النموذج على الطب، يتّضح أنّ غياب التدقيق في عمل «روبوتات طب ذكية» قد يؤدّي إلى قرارات حرجة في ثوانٍ قليلة، ما يستوجب إبقاء العنصر البشري في صلب عمليّة المراقبة.
قطاع الرعاية الصحية والمخاطر المرتفعة
يشكّل الطب قطاعاً بالغ الحساسيّة؛ فعندما يخطئ بريد إلكتروني ما في تلخيص رسالة، تكون العواقب بسيطة. لكن إذا أخطأت منظومة ذكاء اصطناعي في تشخيص مرض أو أثناء عملية جراحية، فقد تصل المخاطر إلى مرحلة اللاعودة. وهنا يظهر سؤال أساسي: على مَن تقع مسؤولية الخطأ؟ مدير مركز الجراحة الروبوتية في جامعة ميامي أشار إلى أنّ ما هو على المحك هنا أهم بكثير، وأنّ اختلاف تشريح كل مريض وطبيعة تطوّر المرض يعرّضان أي نظام آليّ لاختبارات معقّدة.
تحدّي الكمال في التقنيات الذاتية
من الصعب تصديق إمكانيّة الوصول إلى نظام آلي معصوم، لأنّ أي تكنولوجيا لا تخلو من العيوب. لا ريب في أنّ الأبحاث الرامية إلى بناء روبوتات مستقلة تُعدّ مثيرة من منظور علمي، لكن خطأً واحداً في غرفة العمليات قد يؤدّي إلى ضجّة هائلة يصعب احتواؤها. فكيف ستُحدّد المسؤولية؟ البشرية ليست كاملة أيضاً، لكن الجرّاح البشري يخضع لتدريب سنوات وعرضة للمحاسبة والمساءلة، بينما الروبوت ليس سوى منظومة تقنيّة خالية من أي بُعد أخلاقي.
تأثير أتمتة الطب على مهارات الأطباء
هناك مخاوف أخرى تتعلّق باحتمال تراجع مهارات الأطباء أنفسهم إذا صار الاعتماد على الروبوتات أمراً روتينياً. شبيه بما حدث مع التطبيقات التي سهّلت التواصل الاجتماعي وجعلت المهارات الحياتية لدى بعض الأشخاص تتآكل مع الوقت. فإذا كان الهدف من الاستعانة بالروبوتات تخفيف الضغط عن الأطباء المنهكين، فقد يكون من الأجدى معالجة المشكلات العميقة التي تسبّب نقص الكوادر الطبية، لا سيّما مع توقّعات بأنّ الولايات المتحدة ستواجه عجزاً يراوح بين 10,000 و20,000 جرّاح بحلول عام 2036، بحسب ما تؤكّده جمعيّة كليّات الطب الأمريكية.
الخاتمة والمسؤولية المستقبلية
في نهاية المطاف، تبقى «روبوتات طب ذكية» خياراً بحثياً مهماً قد يغيّر وجه الرعاية الصحية، لكنّ إدخال هذه التقنيّات في العمليات يحتاج إلى دراسات مكثّفة لضمان السلامة والمساءلة القانونية. فلا يمكن استبعاد الخلل أو الطارئ، ما يتطلّب من المؤسّسات الطبيّة وضع ضوابط صارمة وتدريبات مكثّفة قبل منح الضوء الأخضر لاستخدام أنظمة جراحية ذاتية بالكامل. وعلى الرغم من أنّ البشر ليسوا مثاليّين، فإنّ حرصهم الأخلاقي وخبرتهم العملية هما ما يجعلهم خط الدفاع الأوّل والأخير عن سلامة المرضى.