ما بين تأمين الأمن القومي وتشجيع البحث العلمي، تشهد قيود الشرائح الأميركية منعطفًا تاريخيًا قد يغيّر ديناميكيات تطوير الذكاء الاصطناعي حول العالم.
أعلنت الحكومة الأمريكية عن لائحة جديدة تمن قيود الشرائح الأميركية هدف إلى ضبط تدفّقها مع التقنيات المتصلة بها إلى الخارج. ويأتي هذا الإجراء لتنظيم بيع رقائق متطورة ضرورية في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، وسط مخاوف متزايدة من وصول هذه التقنيات إلى جهات قد تُسِيء استخدامها. في هذا المقال نتناول أبرز تفاصيل هذه القواعد وتداعياتها على صناعة الرقائق وعلى الدول الراغبة في اقتناء حلول الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ما طبيعة الرقائق المشمولة بالقيود؟
الرقائق المعنية هي ما يُعرف بوحدات المعالجة الرسومية التي تُستخدم في الأصل للألعاب وعرض الصور المتقدمة. غير أنّ قدرتها على معالجة بيانات ضخمة بالتوازي جعلتها العمود الفقري لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. مثال على ذلك رقائق شركة نفيديا، التي تُعدّ رائدة في هذا المجال. وكلّما ارتفع أداء هذه الرقائق، زاد إمكان استخدامها في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع مثل النماذج التوليدية ومساعدات المحادثة المتطورة.
اقرأ أيضًا: سباق التسلّح الرقمي: هل يشعل الذكاء الاصطناعي حربًا باردة جديدة؟
تفاصيل القيود الجديدة
تركّز القيود أساسًا على ما يُسمى «القوة الحاسوبية الإجمالية»، بحيث تفرض حدًا معيّنًا للوحدات القادرة على جمع 790 مليون نقطة في الثانية الواحدة حتى عام 2027. يمثّل هذا السقف تقريبًا ما يكافئ خمسين ألف رقاقة نفيديا طراز «إتش100»، والتي تمتلك قدرات فائقة على الحوسبة. تهدف هذه الإجراءات إلى ضمان عدم تجميع حصة مفرطة من الرقائق داخل دول أو كيانات معيّنة، ما يجعل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة متاحًا بشكل محدود وخاضع للرقابة. إضافة إلى ذلك، يمكن للشركات المرخصة والمعترف بها «كمستخدم موثوق» تجاوز هذه القيود، شريطة حصولها على إذن مسبق من السلطات الأمريكية.
الاستثناءات والتراخيص الخاصة
هناك استثناءات للجامعات والمؤسسات الطبية والبحثية التي تشتري كميات محدودة من الرقائق — ما يعادل نحو ألف وسبعمئة رقاقة «إتش100» — بحيث لا تشترط هذه المعاملات إلا إخطارًا وليس ترخيصًا. كما تُستثنى من القيود رقائق الألعاب المنزلية. وعلاوة على ذلك، توجد قائمة من ثماني عشرة وجهة دولية تعد حليفة أو شريكة وثيقة للولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة وغيرها، لن تخضع لأي سقف شراء. بينما يُطلب من الدول الأخرى الالتزام بالحدود المتفق عليها أو الخضوع لإجراءات ترخيص وطنية.
الوزنات وأهميتها
يشمل القرار أيضًا ما يعرف بـ «الوزنات» في نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي المعاملات الرقمية التي تُستخلص بعد تدريب النماذج على بيانات ضخمة. تهدف هذه الخطوة إلى منع تسريب خوارزميات هامة قد تُستغل في تطوير أنظمة متطورة لأغراض غير مشروعة. يشترط القانون الأمريكي حماية هذه الوزنات وعدم السماح بنقلها إلى جهات أجنبية إلّا بعد مراجعة أمنية مكثّفة.
اقرأ أيضًا: اختراق قوي في تطور الذكاء الاصطناعي على وشك تغيير العالم
التأثير المتوقع على الصناعة والبحث
من المتوقع أن تواجه شركات تصنيع الرقائق تحديات في تلبية قيود الشرائح الأميركية، حيث سيُطلب منها متابعة حركة الصادرات وتوثيقها بدقة. كما قد تشهد بعض الدول المعتمدة على الواردات الأمريكية تضييقًا في الوصول إلى أقوى الرقائق، ما يدفعها لمحاولة تطوير بدائل محلية. وفي الوقت ذاته، لن تتضرّر الجهات الأكاديمية والبحثية بشكل كبير، نظرًا للاستثناءات المخصصة لدعم الأبحاث الطبية والجامعية.
تطمح الولايات المتحدة إلى التحكم الدقيق في تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا، عبر تنظيم حركة رقائق المعالجة والأنظمة البرمجية المتقدمة. وعلى الرغم من أن هذه القيود تهدف إلى حماية الابتكار والأمن القومي، فإنها تطرح أسئلة حول انعكاسها على السوق العالمية ومدى توازنها بين حماية المصالح الأمنية وتشجيع التطور التقني.