لماذا يتصارع إيلون ماسك وسام ألتمان من «أوبن إيه آي»–وكيف قد يساعد ذلك «غوغل»؟ كانا سابقًا صديقين وشريكين تجاريين، والآن أصبحا خصمين. يتواجه إيلون ماسك وسام ألتمان في قاعة محكمة فيدرالية بولاية كاليفورنيا، حيث قد تؤثر خصومتهما الشخصية على مسار تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية والشركات الداعمة لها. ويبدو أن «عمالقة التكنولوجيا» يرصدون هذا النزاع عن كثب لمعرفة ما قد يتمخض عنه في هذا المجال شديد التنافسية.
بدأت «أوبن إيه آي» رحلة فريدة، حيث انطلقت كمنظمة غير ربحية تهدف إلى الحد من تقدّم «غوغل» في أبحاث الذكاء الاصطناعي. وقد كتب ألتمان في عام 2015 رسالة إلكترونية إلى ماسك، قال فيها: «كنت أفكّر كثيرًا في ما إذا كان من الممكن منع البشرية من تطوير الذكاء الاصطناعي. أظنّ أن الإجابة شبه مؤكدة بأنها لا. فإذا كان سيحدث على أي حال، فربما من الأفضل أن يقوم بذلك أحد غير غوغل أوّلًا».
على وجه الخصوص، كانوا يخشون أن تكون «غوغل» هي أوّل من يطوّر ذكاءً اصطناعيًا عامًا، أو «إيه جي آي»، وهو ما تُعرّفه ميثاق «أوبن إيه آي» بأنه «أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية». وقد ورد فيه: «نلتزم باستخدام أي نفوذ نكتسبه بشأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العام بما يضمن استخدامه لصالح الجميع، وتفادي تمكين استخدامات للذكاء الاصطناعي أو الذكاء الاصطناعي العام تضر بالبشرية أو تتركز فيها السلطة بشكل مبالغ فيه».
لكن الواقع المتعلق بالتكلفة الباهظة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي سرعان ما ظهر كعقبة. فبعد سلسلة من الخلافات حول مسار «أوبن إيه آي» وتمويلها وقيادة ألتمان، انسحب ماسك من «أوبن إيه آي» وتوقّف عن تمويلها في عام 2018.
على وجه الخصوص، كانوا يخشون أن تكون «غوغل» هي أوّل من يطوّر ذكاءً اصطناعيًا عامًا، أو «إيه جي آي»، «أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية»، وفق تعريف ميثاق «أوبن إيه آي». وقد ورد فيه: «نلتزم باستخدام أي نفوذ نكتسبه بشأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي العام بما يضمن استخدامه لصالح الجميع، وتفادي تمكين استخدامات للذكاء الاصطناعي أو الذكاء الاصطناعي العام تضر بالبشرية أو تتركز فيها السلطة بشكل مبالغ فيه». لكن الحقيقة حول التكلفة الهائلة لتدريب النماذج سرعان ما ظهرت. وبعد خلافات متراكمة حول مسار المنظمة وتمويلها، غادر ماسك المؤسسة عام 2018.
ولأن «أوبن إيه آي» كانت بحاجة إلى الكثير من رأس المال لتحقيق أهدافها، ابتكرت هيكلًا خاصًا في عام 2019. ورغم بقاء السيطرة بيد مجلس إدارة غير ربحي، أُنشئت تحت مظلته كيان هادف للربح. شُرط على أرباح المستثمرين ألّا تتجاوز عشرة أضعاف استثماراتهم الأصلية. كانت «مايكروسوفت» أول من ضخّ الاستثمارات، حيث قدّمت مليار دولار، ثم عشرة مليارات أخرى في عام 2023 بعد إطلاق «تشات جي بي تي» في نوفمبر 2022. معظم هذه الاستثمارات كانت على شكل أرصدة لاستخدام حوسبة «آزور» السحابية التابعة لـ«مايكروسوفت».
في أغسطس، قام ماسك وشركته للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» بمقاضاة «أوبن إيه آي» وألتمان بدعوى انتهاك ميثاق المؤسسة بإنشاء هذا الكيان الربحي. وجاء في نص الدعوى: «قام ألتمان، بالتعاون مع بقية المدّعى عليهم، باستدراج ماسك وخداعه، مستغلّين دوافع ماسك الإنسانية بشأن الأخطار الوجودية المحتملة للذكاء الاصطناعي». وأضاف محامو ماسك: «إن الخديعة تكاد تكون مأساة شكسبيرية».
تُعد أبحاث الذكاء الاصطناعي مكلفة، وكذلك تشغيل «تشات جي بي تي». لذا سرعان ما استهلكت «أوبن إيه آي» استثمار «مايكروسوفت» وعادت لجولة تمويل بقيمة 6.6 مليارات دولار في أكتوبر. وهنا يتواصل صراع «عمالقة التكنولوجيا» في أجواء تمويل هائلة.
لكن حتى هذا التمويل ليس كافيًا. ففي يوم الجمعة الماضي، أعلنت «أوبن إيه آي» أنها تحتاج إلى مزيد من رأس المال، وأنّ هيكلًا ربحيًا أكثر تقليدية هو السبيل الوحيد لتحقيق ذلك. وجاء في منشور غير موقّع في مدوّنة «أوبن إيه آي»: «إن مئات مليارات الدولارات التي تستثمرها الشركات الكبرى الآن في تطوير الذكاء الاصطناعي تظهر حجم المتطلبات اللازمة كي تستمر أوبن إيه آي في متابعة مهمّتها. نجد أنفسنا مجددًا بحاجة إلى جمع أموال تفوق ما تخيّلناه. المستثمرون يريدون دعمنا، ولكن عند هذا المستوى من رأس المال، يحتاجون إلى ملكية تقليدية وهيكل أقل تفصيلًا».
سارع ماسك للردّ بطلب إصدار أمر قضائي أولي يمنع «أوبن إيه آي» من تغيير هيكلها وجمع المزيد من التمويل. وزعم في طلبه أن «أوبن إيه آي» ملزمة أولًا بالحصول على موافقة تنظيمية لتغيير هيكلها من السلطات في كاليفورنيا، حيث مقرها، وفي ديلاوير حيث تم تسجيلها. علاوة على ذلك، تدّعي الدعوى أن «أوبن إيه آي» أبلغت المستثمرين أنه لا يحق لهم الاستثمار في أي منافسين، وأنّ ألتمان يقوم بترتيبات تخدم مصالحه الشخصية، وأن هناك تشابكًا إداريًا غير قانوني بين «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت».
قد يكون كل هذا صحيحًا، لكن لا يزال أمام ماسك وفريقه عائق كبير يتمثل في إثبات أنّ تصرفات «أوبن إيه آي» تسبّب لهم ضررًا لا يمكن إصلاحه. ومما يثير القلق بشكل خاص ادعاء «عدم تمويل المنافسين» الذي يستند فقط إلى تقارير أخبارية مجهولة المصدر و«معرفة عامة» بين مستثمري رأس المال الضخم، وفقًا للمرفقات الداعمة للطلب. ويشير الطلب إلى أنّ ذلك يصعّب على منافسي «أوبن إيه آي» جمع أموال، ما يضرّ بشركة «إكس إيه آي» تحديدًا.
إلى جانب ضعف الأدلة المقدّمة من ماسك، فإن مزاعم الضرر البالغ تُناقَض بواقع أن «إكس إيه آي» جمعت تمويلًا بلغ 17 مليار دولار في عام 2024، آخرها كان قبل أسبوع واحد فقط، استنادًا إلى بيانات «فاكتسِت». وتشمل قائمة المستثمرين أسماء معروفة مثل «إنفيديا» و«أدفانسد مايكرو ديفايسز» وشركة رأس المال المغامر «سيكويا كابيتال». أما «أوبن إيه آي» فقد جمعت 18 مليار دولار، معظمها من «مايكروسوفت»، بالإضافة إلى «إنفيديا» و«سيكويا» في جولتها التمويلية في أكتوبر.
حصلت «أوبن إيه آي» على سبق كبير في الساحة، ولا تزال تتصدّر خدمات الذكاء الاصطناعي من خلال «تشات جي بي تي». ووفقًا لدراسة أُجريت في أغسطس من قبل باحثين من جامعة فاندر بيلت وبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس وجامعة هارفارد، فإن 29% من البالغين الأمريكيين استخدموا «تشات جي بي تي»، فيما احتل «غوغل جيميني» المرتبة التالية بنسبة 16%. ومع ذلك، كان نصيب «تشات جي بي تي» حوالي 100% في عام 2022، ويبدو أن السيطرة في هذا المجال قد يصعب الحفاظ عليها. يسعى ماسك و«إكس إيه آي» إلى تقييد «أوبن إيه آي» من جمع رأس المال الذي ترى أنه ضروري للمنافسة في حلبة «عمالقة التكنولوجيا».
نتائج هذه المحاكمة ستتردد أصداؤها في فضاء الذكاء الاصطناعي. فإذا فازت «أوبن إيه آي»، ستتمكن من جمع مزيد من التمويل والمحافظة على موقعها الريادي. أما إذا فاز ماسك و«إكس إيه آي»، فقد يجد منافسو «أوبن إيه آي» الفرصة لتجاوزها، ومن المفارقة أن يكون «غوغل» هو من يتصدّر المشهد.
في الوقت الراهن، لا يبقى أمام المستثمرين سوى المشاهدة.